ملف

الحَرب أَنْتجت توزيعاً ديموغرافياً جديداً في سورية

سعيد محمد

طَرَح رُوبرت مَالْتوس (1766-1834م) أَبْرز المُفكّرين الذين اهْتمّوا بالمَسْألة السّكَانيّة، جُمْلة منَ الأَفْكار حَوْل الزيَادَات السّكانيّة والنّموّ الاقْتصاديّ الذي يَجبُ أَنْ يُواكبَ النَموّ السَكانيّ، واعْتبَر أنّ مُجْتمَعاً يَتَزايد سكّانياً بنِسْبة 3% يَحْتاج إلى نسْبَة نُموّ اقْتصاديّ يُقدّر بـ9% ، لتَحْقيق حَالة منَ الاسْتقْرار في هَذا المُجْتمع، فالتّزايُد السّكانيّ غَيْر المُنّظم ، كَثيْراً ما يُثْقل الاقْتصَاد ويُشكّل عَائِقاً في عَمليّة التّنْميّة لأيّ بَلَد، و يَعْتبر مَالْتوس أنّ لكُلّ مَسَاحة منَ الأَرْض الزّراعيّة طَاقَة قُصْوى لا يُمْكن تَجَاوزها مَهْما بَذَل فيْها منْ رَأْس مَال وقُوّة عَمَل، فبَعْد بُلُوغها حَدّها الأَعْظميّ سيَبْدأ التّدنيّ في إنْتاجيتَها، حَيْث تَتمّ هَذه الزّيادَة وُفْق مُتَتالية هَنْدسيّة
(2-4-8-16..الخ) في حيْن تَنْميّة المَوَارد الغذَائيّة تَتمّ وفْقَ مُتَتالية حسَابيّة (1-2-3-4..) وبمَا أنّ التّزايُد هُو سِمَة لجَميْع المَخْلوقات الحَيّة ومنْهَا الإنْسَان الذي يَميْل للتّزايُد السّريْع، لذَلك لا يُوجَد تَنَاسب مَا بَيْن التّزايُد السّكَانيّ والتّزايُد التّنْمويّ في حَال كَانتْ المَواردُ الغذَائيّة وعَدد السّكَان مُتَناسبَة مَع بَعْضها (1مقابل1)، ومَا حَدَث في سُورية منْ تَزايد سُكّانيّ في سَنَوات مَا قَبْل الأَزْمة، سَبّب عَجْزاً في تَأْمين المَوَارد المُنَاسبة للسّكَان، وهَذَا طَبْعاً كَانَ نَاتجَاً عَن السّياسَات الفَاشلَة للحُكُومات المُتعَاقبَة والتي لَمْ تَسْتند لأيّ مَنْطق عنْدَ وَضْعها لخُطَطها الدّوْريّة، فَكَان أَبْرز المَظْلوميْن في هَذه المُعادَلة هُم سُكّان الرّيْف الذين عَانُوا لأَكْثر منْ أَرْبعة عُقُود منْ إهْمالٍ حُكوميّ، حَيْث نَالَت المُدُن الكَبيْرة، حِصّة الأَسَد منَ الاهْتمَام عَلى حسَاب تَنْمية المَنَاطق الرّيفيّة، فَنَشطتْ الهِجْرة الدّاخليّة الكَبيْرة منَ المَناطقِ الزّراعيّة إلى المُدُن وخَاصّة مَدينتَيْ دِمشْقَ وحَلَب، وانْتَشر السّكَن العَشْوائيّ الذي لَمْ يَتوفَر فيْها أَدْنى شُرُوط السّلامًة، لذَلك فَهَذا الغيَاب للسّياسَات التّوْعوية لقَاطنيْ العَشْوائيّات والرّيْف السّوريّ، سَاهَم في زيَادَة عَدَد الوِلَادَات بنِسَب مُرْتفعة جدّاً، حَيْث احْتلّت سُورية في عَام 2010 المَرْتبة الأُولى في الوِلَادات مُقَارنة مَعَ دُوَل العَالم، حَيْث بَلَغتْ النّسْبة 24 بالألف، ووَصَل عَدَد السّكّان إلى حَوالَي 21 مَلْيونَ نَسَمة.
وإذا مَا قسْنا النّظريّة المَالْتوسيّة التي بَدَأْنا الحَديْث بهَا عَلى التّجْربة السّوريّة، فحُكْماً سَتُعْطينا نَتَائجَ كَارثيّة وهَذَا ما نَعيْشه مُنْذ أَكْثر منْ عَقْديْن، ولكنّ الأَزْمة التي بَدَأت في سُورية عَام 2011، واسْتمْرارها حتّى اللّحْظة، غَيّرت التّرْكيبة الدّيمُوغْرافيّة للسّكّان، بشَكْل كَبيْر، حَيْث أَشَار «المَرْكز السّوريّ لبُحُوث السّياسَات» إلى أنّ الأَزْمة «أدّت إلى تَغيّر ديمُوغْرافيّ سَريْع نَتَج عَنْه إعَادَة تَشكّل الخَارطَة السّكّانيّة لسُورية منْ حَيْث تَوزّعهُم دَاخلَ البِلَاد وخَارجَها. وفي نِهايَة سبْتمبر/ أيْلول 2013، كانَتْ التّقْديرات تُشيْر إلى أنّ عَدد السّكّان دَاخلَ سُورية قَدْ تَرَاجع بنسْبة 10.7% مُقَارنة مَع مَا كَانَ عَليْه عَدُد السّكّان في بِدايَة عام 2010، إذْ تَراجَع العَدُد الإجْماليّ للسّكّان منْ 20.78 مَليُون نَسَمة إلى 18.63 مَلْيون نَسَمة خِلَال هَذه الفَتْرة. وحتّى نِهايَة عَام 2013 قُدّر عَدَد السّكّان بنَحْو 18.35 مَلْيون نَسَمة مُتَراجعاً بنسْبة 12.1% مُقَارنة بعَام 2010». وكَانَ وَرَاء ذَلك مَجْموعة منَ العَوامِل، أَبْرزها ارْتفاع مُعدّل الوَفيّات بفِعْل مُجْريات الحَرْب وتَداعيَاتها عَلى قطّاعَات الحَيَاة المُخْتلفة؛ فإلى جَانب خَسَارة الأَرْواح البَشريّة جرّاء المَعَارك، والمُقدّرة دَوْليّاً اليَوْم بنَحْو 200 ألْف إنْسَان، فإنّ الحَرْب كَانَتْ كَذلك سَبَباً غَيْر مُبَاشر في كَثيْر منَ الوفيّات التي حَدَثتْ ولا تَزَال في سُورية.
لذَلك يَعْتبر عَددٌ منَ الاقْتصاديّين أنّ التّغْييرَ الدّيمُوغْرافيّ الجَديْد في التّطورّات السّكّانيّة أَفْرز أنّ الشَبَاب شَكّل النّسْبة الأَكْبر في تَرْكيبة الوَفيّات الوَاقعَة مُنْذ بدَايَة الأَزْمة، وفي مَوْجات الهِجْرة التي نَشَطتْ خِلَال العَاميْن السّابقيْن، الأَمْر الذي يَعْني أنّ ثَمّة خَلَلاً جَوْهرياً قَدْ حَدَث في التّرْكيبَة العُمْرية للسّكّان، وفي عَدَد الذينَ هُم خَارج دَائرَة قُوّة العَمَل، وفي مُعدّل الإعَالَة الاقْتصاديّة… وغَيْرها، وهَذا حُكْما لَهُ نَتَائجَ كَارثيّة عَلى مُسْتَقْبل البَلَد ،كَمَا أنَ الأَزْمة أَفْرزت خَلَلاً كَبيْراً في التّوَازُن مَا بَيْن نسْبَة عَدَد الذّكُور إلى عَدَد النّسَاء، ونَتَائجَه السّلْبيّة لَنْ تَكُون في المَدَى القَريْب، بَلْ سَيكُون عَلَى المَدَى البَعيْد، لأنّ بُنْية المُجْتمع أَصْبح لَديْها مُفَارقة كَبيْرة مَا بَيْن فُقْدان القُدْرة عَلى تَوْفير الفئَة الأَكْثر إنْتَاجَاً في المُجْتمع وهيَ فِئَة الشّبَاب، والعَوْدة إلى مَا كَانَ عَليْه المُجْتمع، يَتطلّبُ عُقُوداً لرَدْم الهُوّة في تَوَازنات البُنْية السّكّانيّة للبَلَد، و لَنْ يَحْدث هَذا إذا لَمْ يَكْن هُنَاك اسْتنْفار منْ جَميْع المُنظّمات الدّوْليّة والهَيْئات المَحليّة تَقُوم عَلى وَضْع اسْتراتيجيّة وَاضحَة لإصْلَاح مَا خَرّبتْه الحَرْب.

————-
سعيد محمد: كاتب اقتصادي سوري

 

حنطة227

برومو الشهيد ناجي الجرف