ملف

الانتفاضة وأسئلة الهوية

زيدون الزعبي

ما إن بدأت انتفاضة الشعب السوري في آذار 2011، حتى انطلقت معها أسئلة لم نكن نعي أنها تُعشش في لا وعينا الفردي والجمعي. يَعلو جميع هذه الأسئلة سؤال ملح لا يفارقنا: من نحن؟ ما الذي يجمعنا وما الذي يفرقنا؟ هل لدينا ما يكفي لصناعة الدولة الأمة؟ هل نحن عرب يجمعنا بالصومال وجزر القمر أكثر مما يجمعنا بأكراد ركن الدين؟ هل نحن مسلمون يجمعنا بمسلمي أندونيسيا والشيشان أكثر مما يجمعنا بمسيحيي وادي النصارى وباب توما؟ هل نحن سوريون ننتمي إلى رقعة جغرافية حددها لنا بريطاني وفرنسي فصارت الرمثا صدفة لا تهمنا بقدر ما تهمنا دير الزور، وتهمنا القنيطرة صدفة أكثر مما تهمنا الموصل؟ هل نحن شاميون (بلاد الشام)؟ وما علاقتنا عندها بقبرص؟ وكيف يكون الكويتي أقرب لنا من المصري؟
لم ينبرِ أحد ليجيب على هذه الأسئلة، أو ليحاول أن يطرح هذه الأسئلة بما يخدم قضية المواطنة. انكفأنا إلى أديان، ومذاهب، وطوائف، وعشائر، وأبناء مدن وريف. وبدأنا بالتفتّت، والتحقنا بركب الحرب الأهلية القائمة بدلاً من انتفاضة كانت تسعى إلى إقامة دولة المواطنة والعدالة والقانون.
النتيجة الأهم لجهلنا بمن نحن هو كل هذا الدمار القائم في بلدنا. عنف النظام، عنف المعارضة، التطرف، كراهية الآخر سواء كان سورياً أم شامياً أم عربياً، وسواها من مظاهر العنف، ليست إلاّ نتيجة لعدم معرفتنا بمن نحن. زعم النظام أنه يدافع عن الأقليات (مشكلة هوية)، وزعمت المعارضة بأنها تدافع عن العرب السنة (مشكلة هوية)، وزعمت قوات الحماية الكردية حمايتها الأكراد (مشكلة هوية)، وزعمت الجماعات «المتطرفة» أنها تحمي المسلمين في العالم (مشكلة هوية).
كان محاولات القوى المدنية العلمانية منذ البداية التركيز على مفهوم المواطنة كركيزة أساسية للدولة المنشودة، وعلى المساواة بين أفراد الوطن بمختلف انتماءاتهم، غير أن مفهوم المواطنة مرتبط عضوياً بحدود الوطن النهائي الذي نسعى للمساواة بين مواطنيه. فعن أي وطن نتحدث؟ وأي حدود جغرافية تلك التي تحدد هذا الوطن؟ تحدثت وثائق هيئة التنسيق، والمجلس الوطني، والائتلاف، والمنبر، والأحزاب الناشئة جميعها عن المواطنة دون أن تحاول الإجابة عن هذا السؤال أولاً. كيف لنا أن نتحدث عن المواطنة دون الحديث عن حقوق الجماعات؟ على سبيل المثال كانت القضية الكردية حاضرة دوماً في كل نقاش سياسيّ، وورقة أو وثيقة أطلقتها المعارضة بكل أطيافها، مع شكّ شبهِ دائمٍ بنوايا الأكراد، وبهيمنة واضحة لفكرة العروبة على نفس «المتنازلين» للأكراد. تحدثت الوثائق عن حقوق الأكراد، ومرّت مروراً إرضائياً على حقوق باقي الجماعات. أكاد أجزم أن جميع الموقعين على هذه الوثائق لا يتحدثون عن نفس الوطن، بل لكل منهم وطن تختلف حدوده ومواصفات مواطنيه!
تعاطينا مع مشكلة العيش المشترك، أو التعايش المشترك تعاطٍ مع نتائج المشكلة لا جوهرها وأُسّها. لن تحل قضية الطائفية والقومية في سورية، ولن ننتهِ من دوامة العنف الدائرة قبل أن ندرك جميعنا من نحن. في حوار مع الإعلامي المعتقل أسامة الهبالي في بداية الحراك، سألته عن انتماءه السياسي. قال لي أنا لست يسارياً، ولا قومجياً، ولا إسلامياً: أنا عادي. ضحكت وقد شعرت أن مشكلتنا تكمن في عدم القدرة على تحديد ما هو هذا العادي. من هو المواطن السوري العادي؟.

———–
زيدون الزعبي: ناشط مدني وأستاذ جامعي

حنطة229

برومو الشهيد ناجي الجرف