حصيدة

الحب في زمن الحرب

لينا الحكيم

«المحبّة قَويّة كالمَوْت» هَذا مايَقُوله الإنْجيل. بَعْد مُضي أرْبَع سَنَوات عَلى الحَرْب في سُورية، وتَأْثيراتها عَلى كافَة مَنَاحي الحَيَاة، لمْ يَنْجُ الحُبّ منْ تَأْثيراتها كَذَلك.
«غَيّرت الحَرْب الكَثيْر منْ نَظْرتي للحُبّ، حَيْث تَحوّل الحُبّ في الحَرْب إلى أَشدّ عُنْفاً وأَكْثر دَفْقاً وأَقْوى تَأْثيراً. عَدا عَن أنّ وُجودَ المَوْت الدّائم في كُلّ لَحْظة منْ حَيَاتنا قَتَل الغَد الذي أدّى إلى تَحْويل الحُبّ إلى الآن، واليَوْم لَمْ أَعُد أُفكّر كَغد أوْ مُسْتقبل. وتَحوّل الحُبّ في ظلّ الحَرْب إلى مُحَاولات الحَياة ضدّ المَوْت» تَقُول رشا ذات الـ 26 عَاماً. تُكْمل رَشا قصّتها، فَفي بدَاية الحَرْب كاَنَت في عَلَاقة عَاطفيّة، مَع الوَقْت تَحوّل شَريكَها إلى مُتطرّف دينيّ، ممّا جَعَل الفُراق أمْراً حتْميّاً في نِهايَة المَطَاف. أمّا العَلاقة الثّانيّة فانْتهَت بَعْد اضْطرار الشّريك إلى السّفَر بسَبَب الظّرُوف الأَمْنيّة، أمّا العَلَاقة الأَخيْرة التي تعيْشها الآنَ فتَقُول عَنْها: «هُناك مَقُولة تَقُول أنّ العَلاقات التي تَتكوّن في ظلّ ظُروف غَيْر طَبيعيّة كالحَرْب، فَلا يُمْكن لَها أنْ تَسْتمر في ظُروف طبيعيّة. لكنْ يُمْكنني أنْ أُضيف أنّ الحُبّ في ظلّ الحُرُوب يكُون أَقْوى بمئَات المرّات منْ ذَاك الذي يَنْشأ في ظلّ الظّروفِ الطّبيعيّة».
أمّا مَرْوة، ذاتُ الـ 27 عَاماً، فتَقُول أنّ الحَرْب كَانَتْ سَبَباً لانْفصَالهما، حَيْث أنّه رَمَى كلّ شَيْء خَلْفه خَوْفاً منَ المَوْت وسَافَر، فَقرّرتْ أنْ تَدْخل في عَلَاقات مُؤقّتة لأَجْل السّعَادة فَقَط، فَهيَ تَتّفق مَع رَشا بأنّ لا ضَمْانة للحَياة غَداً: «منَ المُمْكن أنْ نَمُوت في أيّ لَحْظة، وبالتّالي فالعَلاَقة مُعرّضةٌ للمَوْت أيضاً، واحْتمال الخَسَارة قائمٌ دَائماً، إمّا خَسَارة الشّخْص كوُجود، أوْ خَسارَة العَلاقَة لسَبب مَا، الحُبّ شَيْءٌ غَيْر أَبديّ، وغَيْر دَائم، ولَيْس ضَرُوريّاً أنْ تَشْتمل كلّ عَلاقَاتنا على الحُبّ فَمنَ المُفْترض أنْ نَعيشَ، لا أنْ نَنْتظر الحُبّ أنْ يأْتيْنا».
أمّا نور ذات الـ 24 عاماً، فَكَان لَها رَأْي مُخْتلف، وتَجْربة مُخْتلفة، «أَصْبحتُ أَكْثر قَسْوة في العَلَاقات العَاطفيّة الوَاقعيّة، وأَكْثر حَميميّة في العَلاَقات العَاطفيّة الافْتراضيّة، ربّما لأنّها تُتيح مَجالاً للحُلُم خَارج سُورية، والعَيْش بتَفَاصيل أَكْثر هُدوءاً بَعيْداً عَن ظُروف المَعيْشة القَاتلة في سُورية، والتي لا تَمُتّ للإنْسانيّة بصِلَة». وتُعلّق سَاخرَة: «غَيّرت الحَرْب نَظْرتي للحُبّ بأنْ أَصْبح عَمليّاً أَكْثر، مُحَاطاً بنَظْرة وَاقعيّة للظُروف المادّية والاجْتماعيّة، بَعيْداً عَن المَشَاهد الرّومانْسيّة والتّوافق الفِكْريّ، عَلى طَريقة أُمّي وجَدّتي».
لهُدى (28 عاماً) حِكَايةٌ أُخْرى، فمُنْذ أَكْثر منْ خَمْس سَنوات كانَتْ هُدى في عَلاقة عَاطفيّة مَع زَميْلها في الجَامعَة، وكَانَ منَ المُقرّر أنْ يَتزوّجا بَعْد انْتهائِه منْ خدْمَته العَسْكريّة الإلْزاميّة، ولكنّ الحَرْب وَقَعتْ، فَتمّ الاحْتفاظُ بهِ، مَثَله كَمَثل كلّ العَسْكرييّن الإلْزامييّن، إلى أنْ إنْشقّ عن الجَيْش وانضمّ إلى صُفوف الجَيْش الحُرّ واسْتقرّ في مَدينَة الطّبْقة –مَدينَته- بَعْد أنْ أَصْبحت تَحْت سَيْطرة الجَيْش الحُرّ، وحيْن قرّرا الزّواج، دَخَل تَنْظيم الدّولة وفرّ الشّابُ هَرَباً منْهم، إلى أنْ رَحَل إلى تُركيا عنْ طَريْق التّهْريب بدُون جَوَاز سَفَر، وبَعْد سَنة منَ التّشرّد في تُركيا قرّر رُكوبَ البَحْر طَلَباً للجُوء: «رمَى بنَفْسه ونَفْسي لأَقْدار البَحْر والغَرْب البَعيْد عَلى أَمَل أنْ يَلمّ شَمْل هَذا الحُبّ في بُقْعة لاحَرْب فيْها ولا خَوْف ولا قِتَال»، تَقولُ هُدى بغَصّة.
أمّا نَظْرة هُدى للحُبّ فَتَقُول «أنّ الحُبّ هُو نَفْسه في كلّ مَكَان وزَمَان، ولكنْ في الحَرْب تَتَفاقم المَشَاعر ليَغْدو الحُبّ بَرّاً للأَمَان المُفْتقد في ظلّ الحَرْب، أوْ لنَقُل هُو وَسيْلةُ الإنْكار التي نَسْتخدمها لنَتقبّل العَيْش في هَذا الجُنون الدّمويّ، حيْن تَغْمرك المآسي منْ كلّ صَوْب تَحْتاج إلى شَخْص يَقُول لكَ أنا مَعَك».
أمّا أَحْمد (23 عاماً) فَيَنْظر للأَمْر منْ زَاوية أُخْرى مُخْتلفة عَن الفَتيات، «لتَأْسيس الحُبّ يَجبُ أوّلاً أنْ نَكُون مُجهّزين نَفْسياً عَلى أَقلّ تَقْدير لاسْتقْبال الحُبّ، أيْ الاسْتقْرار. بدُخُول الحَرْب، لَمْ نَعُدْ نَعْرف مَعْنى الاسْتقْرار، ما أدّى لغيَاب الحُبّ الذي كُنّا نَحْلم أنْ نُتَوّجه بالزّواج. ومنْ بابٍ آَخر، وفي حَال اسْتَطعْنا أنْ نُغْفل دَوْر الاسْتقْرار في الحُبّ، لا نَسْتطيع أنْ نُغْفل دَوْر الهجْرة والنّزوْح واللّجوء». لا يُنْكر أَحْمد إمْكانيَة الحُبّ في ظلّ الحَرْب، ولكنْ يَضَع لَه شُروطاً مُمْكنة لاسْتمراريته: «الحُبّ في الحَرْب لَه شُروط كَحَتْمية الانْتمَاء لمُعْتقد وَاحد، والانْتماء لمَدينةٍ وَاحدة، بَلْ وحتّى لمَنَاطق تُسيْطر عَلْيها جِهَة وَاحِدة منَ الجهَات المُتقَاتلة».
أمّا سَامر (25 عاماً) فَلَه رَأْي مُشَابه لأَحْمد: «لاشكّ أنّ الحَرْب أَثّرتْ على العَلَاقة العَاطفيّة، وكَثيْراً مَا بَرَزت حجّة أنّ هَذا الوَقْت غَيْر مُلَائم للدّخُول -أوْ أحْياناً حتّى الاسْتمرار- في عَلاقَة عاطفيّة، ربّما في مَرَاحل سَابقة منْ هَذه الحَرْب كانَ الأَمَل مَوْجود بتَغيّر الحَال للأَفْضل، و بالتّالي العَوْدة سَريعاً للحَيَاة بكلّ تَفَاصيْلها، لكنّ مَأْساوية الحَال وتَدرّجها سَلْباً أدّى مَع مُرُور الوَقْت للإصَابة بمَا يُشْبه الضّمُور العَاطفيّ، واسْتبْداله بالفَرَاغ الدّائم. ربّما تَأثّر مَفْهومي للعَلَاقة، لكنّ هذَا التّأْثير لَمْ يَكُن بتَأْثير مُبَاشرٍ للحَرْب، فاللّجْوء والعَيْش بالدّول المُجَاورة، واخْتلاف البيْئة، والوَسَط المُحيْط سَاهَم، لحَدّ مَا، بالتّأثيْر عَلى مَفْهوم العَلَاقة أَكْثر منَ التَأْثير المُبَاشر للحَرْب».
والجَدْير بالذّكْر، أنّ نِسْبة العُنوسَة في سُورية ارْتَفعت إلى 70%، ومَازَال قَابلاً للارْتفاع، لتَحْتلّ سُورية المَرْتبة الثّانية عَربياً بَعْد لُبْنان الذي وصَلَت النّسبة فيه إلى 85%، بحَسْب تَقْرير أَصْدرته إذاعة مُونت كارْلو في وقتٍ سابقٍ منْ هذا العام، أمّا البَاحثة الاجْتماعيّة إيفا عَطفة، فتَعْترض على كَلمة العُنوسَة، وتَسْتبدلها بارْتفاع سنّ الزّواج منْ 26 إلى 37 عاماً للشّباب، و من 23 إلى 32 سَنة بالنّسْبة للفَتيات.

حنطة2214

برومو الشهيد ناجي الجرف