حصيدة

الكَهْرباء في سورية، حكايةُ نصْبٍ واحتيالٍ وسَمْسرة!

علي عمار

استجرارٌ غيْر مشْروعٍ للكهْرباء، بدون كهْرباء!
أوْضحت وزارة الكهرباء أنّ عدد الضّبوط التي نُظّمت بخصوصِ مُعالجَة وقًمْع حالات الاسْتجرارِ غيْر المشْروع للكَهْرباء خلال الفَتْرة 14/1 حتّى 7/8/2014، وحسْب التّقْرير الخاصّ الصّادر عنْ مؤسّسة تَوْزيع الكَهْرباء، تَجاوز الثّلاثين ألْفَ ضبْط (31172 ضبطاً)، حيْث حلّت شَركة كهْرباء اللّاذقيّة في المرْتبة الأولى، تَليها مُحافظة دِمشْق ويتوزّع العددُ الْباقي على المُحافَظات الأُخْرى، حيْثُ ضَاعَفت المؤسّسة العامّة لتوزيع الكَهْرباء منْ جُهودها لمُكَافحة الاسْتجْرار غيْر المَشْروع للتيّار الكهْربائيّ. كَما أكّدت الوَزارةُ أنّ الحَمْلة ساهَمت بتخْفيض كميّة الاسْتجرار غيْر المَشْروع للكَهْرباء والذي يُؤدّي إلى إلحاقِ أضْرارٍ كبيرةٍ بالمُحوّلات والشَبَكات نتيجةَ الحُمُولة غيرْ الزائدة!.
وبيّنت الوزارةُ أنّ واقع البُنى التّحْتيّة لقطّاع الكَهْرباء جيّد، بالرّغْم من الاسْتهْداف المُمَنْهج الذي تتعرّض له، ويَبْقى التّحدّي الأَكبْر هُو تَأمين الوُقود لمحطّات التّوْليد المتوقّفة!.
أيّ كَهْرباء تتحدّثُ عَنْها الوَزارة، أيُّ واقعٍ جيّدٍ ونَحْن لا نكادُ نًرى الكًهْرباء تُضيءُ مَنازلَنا وشَوارَعنا ساعةً في اليَوْم.
الوَاقع الكَهْربائيّ المَشْبوه
في بدايةِ التّسْعينات من القَرْن الماضي، كانَ التّقْنين يُشكّلُ كابوساً على النّاس كمَا هو حَاله الآن، وكانَ السّببُ في ذلك الوقْت، كمَا تبيّن لاحقاً، أنّ وَزيرَ الكَهْرباء كانَ شريكاً في صفقات استيراد مجموعات التوليد المنْزليّة الصغيرة. وقد تمّ طَرْد الوزيرَ من منْصبه، وانتهى التّقنين «المُفْتعل» وقتها.
وزير الكَهْرباء يُدمّر اقتصاد سورية
إنّ مُشْكلة التّقْنين لها آثارها الاقْتصاديّة والاجْتماعيّة، وهي تَضرّ كلّ فَرْد منْ أفْراد المُجْتمع، كَما أنّ المُولّدات الصّغيرة قدْ ملَأت الشّوارعَ بضَجيجِها ودُخانِها، إضافةً إلى أنّها تَسْتنزف مَلايينَ اللّيرات يوميّاً، كَمَا أنّ التّقْنين لأَكْثر منْ عشْرين سَاعة يَوْميّاً تَسبّب بخَسارةٍ تَزيدُ عنْ الـ30 مليارَ ليْرةٍ سُوريّةٍ شَهْرياً.
لماذا لا يُطالب وزيرُ الكَهْرباء منَ الحُكُومة مُطالبة كلّ وَزارة تَشْغيل المولّدات الاحْتياطيّة المَوْجودة لدَيْها في هَذه الظُّروف الصّعْبة، والتي كلّفت الدّولة مِلْيارات اللّيرات السوريّة، وتزيدُ اسْتطاعتها الإجْماليّة عن الـ1500 ميغا واط مُنْتشرة في أَنْحاء القِطْر، وكانَ بالإمْكان الاسْتفادة على الأقل من 1000 ميغاواط، كَما أنّه يُمْكن أنْ يُطالبَ المَشَاريعَ المائيَة أنْ تُشغّل مضخّاتها ليْلاً، وأنْ تَسْتخدم مَجْموعات التّوليد لديْها.
إنّ تَضْخيم الأُمور يُشْبه كَلمَة حقّ يُراد بِها باطل ليُضلّل بها الشّعْب. فمَثَلاً عنْدما تمّ تَفْجير أبْراج التّوتر العالي، والْذي أدّى إلى انْقطاع الكَهْرباء عنْ عدّة مَناطِق، قامَتْ الوزارةُ بزيادةِ التّقْنين، عِلْماً أنّ هذا العَمَل يَجبُ أنْ يُؤدّي إلى انْخفاض سَاعَات التّقْنين عنْ المُحَافظات الأُخْرى، لأنّه في هَذه الحَالة سَيْقطع الكَهْرباء عنْ تلْك المُحَافظات بالكَامل، أوْ أنّه سَيُلْجأ إلى تَغْذيتها عنْ طريقِ خُطوط الـ 66 ك.ف، أيْ باستطاعةٍ أقلّ، وفي كلْتا الحَالتيْن سَتكُون التّغْذية أقلّ.
النّساء ضحيّة وَزارة الكهْرباء
يُثيرُ الانْتباه الحَرَكة المُتزايدة في أَرْوقة القَصْر العَدْليّ في دِمشْق، فَيتَبادرُ إلى ذهْنك أنّ هَذه الحَرَكة المُتزايدة ناتِجة عنْ انتْظار المُواطنين الإفْراجَ عن أبنائِهم أوْ أُخْوتهم. لكنْ ما يُفَاجئ أنّ هذِه الحَرَكة تَقْتصر على نَوْع مُحدّد منَ المَحاكم هيَ «مَحَاكم الصّلْح المَدَنيّ» ما يثُير لَديْك الفُضولَ لمَعْرفة مَا يَحْدث!.
تَقْترب منْ أَحَدهم، تَسْأله عن السّبَب، فَيُجيبك: أُراجع بِخُصوص الدّعْوى المُقَامة ضدّي منْ شَركةِ الكَهْرباء نَتيجة اسْتجْرار غيْر مَشْروع للتيّار الكَهْربائيّ، مَع العِلْم أنّ العدّاد يَعْمل وأَدْفع الفَواتير بانْتظام!.
القصّة تَبْدأ منَ التَعْليمات الْتي زَوّدت بها وَزارةُ الكَهْرباء الشّركات في المُحَافظات بمُحَاسبة المُخَالفين، وتَنْظيم الضُبوط بحقّ مَنْ يَعْتدي على الشّبكة، ويَسْتجرّ الكَهْرباء بِطريقةٍ غيْر مَشْروعة، إلى هُنا يَبْدو الأمْر مَنْطقياً وطبيعيّاً، ولكنّ من غيْر الطبيعيّ، أنْ يتمّ إلْزامُ كلّ كشّاف كَهْرباء بِعَددٍ مُحدّدٍ منَ الضّبوطِ شَهْرياً لأنّه سيَتَقاضى نِسْبة مُحدّدة منْ قيمةِ المُخَالفات الْتي يَقومُ بضَبْطها. أحَد الكَشّافة قال: «حينَ نَذْهب إلى مَنْزل ما، ولا نَجدُ رَجُلاً فيه، وتكون الزّوجة أوْ الأُخْت أوْ الابنة، نَطْلب البطاقَة الشّخْصيّة لها بحجّة تَثْبيت أنّ البَيْت مَأْهول حتّى لا يتمّ قَطْع الكَهْرباء عَنْهم، ونَقُوم بتَسْجيل البَيَانات كَاملة، وحِين نَصلُ إلى الشّركة، نَقُوم بتَنْظيم ضَبْط اسْتجْرار غيْر مَشْروع اعْتماداً عَلى البَيانات التي بحَوْزتنا».
هَذه الخَديعة الْتي اعْتمدتْها الوَزارة، قَدْ تُكلّف بَعْض المُواطنين مَبْلغاً يَتَجاوز المائة ألْف لِيرة، فيَضْطر الرَّجل أنْ يُصَالح في المَحْكمة حتّى لا تتعرّض «عائلته» للسّجن أوْ التّوْقيف، ولحِرْصه الشّديد عَلى عَدَم إهانَة أَهْل بَيْته.
وحَسْب مَصَادر في وَزَارة الكَهْرباء، فإنّ قِيمَة المَبَالغ الْتي تمَّ تَحْصليها خلالَ شَهْرٍ واحِدٍ تَجاوزَ مِلْيار ليرةٍ سُورية، حَيْث لَفَتت الوَزارةُ أنّ الاسْتجْرار غيْر المَشْروع يُعْتبر سَرقةً للمَال العَام، ويتَسبَب بأَضْرار وخَسائرَ ماديّة جَسيمة في تَجْهيزات المَنْظومة الكَهْربائيّة.
فماذا تُسمّي وَزارةُ الكَهْرباء النّصْب والاحْتيال على المُواطنين في تَنْظيم ضبوطِ الاسْتجْرار غيْر الشّرعيّ للكَهْرباء؟
التّشْهير بواسطة الصّحف الرّسميّة
(نَظراً لتعذّر تَبْليغك في مَوْطن إقامتك بسَبب الأوْضاع الأَمْنية، ووفْق ما وَرد في الشّروحات الوَاردة عَلى مُذكّرة الدّعْوى، فَقَد تقرّر تَبْليغك مُذكّرة إخْطار في إحْدى الصّحُف المحلّية، عَمَلاً بأَحْكام المَرْسوم التّشْريعيّ رقم 25/2013 علْماً أنّ مَوْعد الجَلْسة القَادمة …. فإذا لَمْ تَحْضر بنَفْسك، أوْ تُرْسل مَنْ يَنُوب عَنْك، سوْف تَجْري بحقّك المُعَاملة القَانونيّة أُصُولاً، وسَيَصْدر القَرار بحقّك بمَثَابة الوَجاهيّ، وأنّ رَقَم أَسَاس الدّعْوى هُو الوَارد بجانبِ اسْمك.
المُدّعي: وَزيرُ الكَهْرباء إضافةً لمنْصبه.
المُدّعى عليهم: ……. ).
هَكَذا يَقوم القَضاء السّوريّ بتَبْليغ المُواطنين، إمّا لجَهَالة العُنْوان، أوْ بسبَب الأَوْضاع الأَمْنية، لكنّ التّساؤلّ الْذي يَطْرحه المُواطن: كَيْف تمّ تَنْظيم ضَبْط الاسْتجْرار غيْر المَشْروع إذا كانَ العُنْوان مَجْهولاً أوْ الوَضْع الأَمْنيّ لا يَسْمح بوصولِ التّبْليغ؟
ولماذا لا يَقوم الكشّافُ الْذي نَظّم الضَبْط بتَوْصيل التّبْليغ لأنّه يَعْرف العُنْوان جيّداً كَوْنه هُو مَنْ نظّم الضَبْط!.
كيْفَ يَصل الكشّاف إلى المنازلِ، ويُنظّم ضبوطه ولا يَصلُ عُنْصر الضّابطة العَدْلية أوْ «الشّرطيّ» أو كشّاف الكَهْرباء نَفْسه لتَبْليغ المُدّعى عَلَيْهم؟.
هَلْ هُو خَوْف منْ ردّة فِعْل المُواطن الْذي لا يَعْلم أنّه قَدْ تمّ تَنْظيم ضَبْط بحقّه أوْ بحقّ أحدِ أَفْراد عَائلتِه؟. أمْ أنّ الشّركة تَعْلم جَيّداً أنّ ضُبوطَها غَيْر صَحيحة، وغَيْر دقيقة وتَخْشى على كَشّافتها، أمْ أنّ هنَاك أسْبابٌ أُخْرى؟.
وبمُراجعةٍ بَسيطةٍ لعَدَد الضّبوط المنظّمة، والتي تمّ الإعْلانُ عَنْها في الصُّحُف الرّسْمية وَجَدنا أنّ أَكْثر من 70% منَ الضّبوط مُسجّلة بأَسْماء سَيّدات، ممّا يُثير العَديدَ منَ التّساؤلات؟.
تَقول رَنا فاضل: «فُوجئْت حين طَلَب الكَشّاف بطاقَتي الشّخْصية، وحينَ سَألتْه عَن السَّبَب، قالَ نُريد تَسْجيل البَيَانات لنُثْبت أنّ هَذا المَنْزل مَأْهول حتّى لا يتمّ فَصْل التّيّار الكّهْربائيّ، فأَعْطيته «الهويّة» وَسجَّل البَيَانات، وسَجّل أَيْضاً رَقَم العَدّاد ومُؤشّره، عِلْماً أنّ عَدّاد الكَهْرباء لَديْنا هو عدّادٌ الكترونيّ لا يُمْكن التّلاعُب فيه، وفَواتيرنا نظاميّة. وبعْدَ فتْرة، فُوجِئ زَوْجي بتَبْليغي لحُضُور جَلْسة مَحْكمة بتاريخِ 28/10/2014، والتّهْمة اسْتجْرار غيْر مَشْروع للتّيار الكَهْربائيّ، وأنّني الشّخْص المُدّعى عَلَيه. وأنّ الدّعْوى المُقامة ضدّي تَحْمل أساسُ رَقَم 5627 مَحْكمة صلْح الخَامسِ بدمشقَ».
هَذا مثالٌ واحدٌ منْ مئات الأَمْثلة التي تتكرّر أَمَام مَحَاكم الصُّلْح المدَنيّ التي يَتَجاوز عَدَدها العَشْر مَحَاكم في دمشقَ وحْدَها، حيْث باتَتْ جَميعها لا تَنْظر إلاّ في هَذا النّوْع منَ الدّعَاوى.
الخُلاصة
يَرى العَديدُ منَ المُواطنين أنّهم غيْر مُجْبرين عَلى دَفْع قيمَة فَواتيرَ واسْتجْرار ( البعض!)، حَيْث تُحاول الوَزارةُ تَغْطية العَجْز في الفَاقدِ الكَهْربائيّ عنْ طريقِ رَفْع فَواتير البَعْض، وتَنْظيم ضُبوط اسْتجْرارٍ غَيْر مَشْروع للتيّار الكَهْربائيّ غيْر واقعيّة، وغيْر صَحيحةٍ بهَدَف اسْتغْلالِ المُواطِن وسَرقَة مَاله حتّى تتمكّن منْ دَفْع رَواتب مُوظّفيها، وزيادَة دَخْل خَزينةِ الوَزارة.
مَع العِلْم أنّ مُتوسّط سَاعات التّقْنين في مُعْظم مَنَاطق سورية تَتَجاوز العِشْرين سَاعة يَوْميّاً، وَهُو مَا يُثيرُ تَساؤلاتٍ كبَيرةٍ لَدَى المُواطنين: كيْفَ يَكون الاسْتهلاك مُرْتفعاً والكَهْرباء مَقْطوعة أَغْلب الوَقْت؟.
إنّ تَقْنين الكَهْرباء غيْر المُبرّر يُسْهم في تَدْمير البَلَد لعدّة أسْبابٍ، أهمّها:
-لَوْ أعْطت الوَزارةُ الكَهْرباء للمُواطنين، لكانَ ذَلك سَبَباً للرّبْح بقيمةِ 15 ملْيار ليرةً سوريةً شَهْرياً.
-إنّ الدّوْلة تَخْسر قيمَة الوُقود وكُلْفة التّوليد، وهيَ بحدود ثلاثةَ ملْيار ليرةٍ سوريةٍ شَهْرياً.
-بسَبَب زيادَة كَميّة وزَمَن الطّاقَة الكَهْربائيّة المُقنّنة، اضْطرّ العَديدُ منَ النّاسِ لشراءِ مُولّدات، أوْ مَجْموعاتِ تَوْليد صَغيرةٍ، وهي اسْتنْزافٌ لاقْتصاد البَلَد.
-مَن المُسْتفيد من استيرادِ المُولّدات، وكيْف تَدْخل إلى سُوريّة؟

حنطة2217 حنطة2218

برومو الشهيد ناجي الجرف