حكايا البيدر

الغزو الثقافي والاحتلال الغيض

عارف حمزة

بكلّ المقَاييس يُعْتبر الاحْتلال شَيْئاً بَغيضاً. ولمْ يَمرّ، أيّ احْتلال، على حَياة بَلَد مُحْتلّ تمّ مَدْحه بأيّ طريقةٍ كانتْ. حتّى عنْدَما تمّ تَخْفيف دَمويّة المُصْطلح إلى «انْتداب» ظلّ ذَلك القَبَح عالقاً في كلّ مَسَامات تلْك الكَلمة، وتلْك السّنوات التي لا نَعْرف شَيْئاً منْ تاريخِها سِوى في المُسلْسلات الشّاميّة المُرْتجلة.
ورُغْم أنّ المَنْطقة العَربيّة تَعرّضت للاسْتخْفاف والإهَانة مَرّتيْن، في بِدايات القَرْن الماضيّ، باسْتعْمال مُصْطلح انْتداب بَدلاً منْ احْتلال، ومرّة أُخْرى بوَصْفها أمّة مُتخلّفة بحَاجة لمنْ يَقُودها إلى الحَضارة، إلاّ أنّ ذَلك الأجْنبيّ سَيظلّ مَكْروهاً إلى أَبد الآبدين. ورُغْم دَوام كرْه النّاس لتلْك المَرْحلة، وذَلك المُصْطلح، إلاّ أنّ الأَنْظمة الاسْتبداديّة كانَت تَظلّ تُذكّرنا بذَلك المُحْتلّ الأجْنبيّ لَيْس كيْ نَكْرهها، فَوقْت التَفْكير بذَلك كانْ قدْ فَات مُنْذ زَمنٍ بَعيد، بلْ كيْ نَفْهم بأنّ أَنْظمتنا أَسْوأ بكَثير منْ ذَلك المُحْتلّ الذي قاد دَوْلته نَحْو أَكْثر المَناطق حَضَارة وجَمَالاً ورَاحة وتَقدّماً وأَخْلاقاً. بَيْنما أَصْبحت دُولنا أَكْثر ضَحالة وتَخلّفاً وبُوليسيّة.
لَيْس هَذا الكَلام دَعْوة لذَلك الاحْتلال كيْ يُعود، بقَدْر مَا هُو تَفْكير بمَدى الظّلْم الذي تَعيشه شُعوب هَذه المَنْطقة التي لمْ تَعْرف الحُريّة والحَياة منْذُ اسْتقْلاالها وخضُوعها لاحْتلال جَديد منْ أَنْظمتها الوَطنيّة.
الغزو الثقافي
كانَ يأْتي إليْنا «مُحاضرون» كَثيرون كيْ يَقُولوا لَنا انْتبهوا منَ الغَزْو الثّقافيّ. كانتْ مُوضة الغَزْو الثّقافيّ مُسْتعرة في ذَلك الوَقْت. وكانوا يَطْلبون منّا، نَحْن الرّعاع والمُتخلّفين، أنْ نُغْلق كلّ شَبابيكنا وبُيوتنا في وَجْه ذَلك الغَرْب «القَذر» الذي يُريد أنْ يَأْخذ منّا كلّ شَيْء. رغْم أنّنا، منْذُ اسْتقلال بلْداننا ووقُوعها في أيْدي عِصَابات العَسْكر، ما عُدْنا نَمْلك أيّ شيْء.
عنْدما ذَكرتُ للسّيد حُسين جُمْعة، رئيسُ اتحاد الكتّاب العَرب في سورية، في إحْدى غَزَواته ومُحَاضراته السّامّة في مَدينة الحَسَكة، دِراسة تَقُول في نَتيجتها بأنّ المُواطن الجزائريّ كانَ يُعامل كمُواطن فَرنسيّ منَ الدّرجة الثّانية أيّام الاحْتلال الفَرنْسيّ للجَزائر، بيْنما صَار المُواطن الجَزائريّ مُواطناً جزائريّاً منَ الدّرجة الثّالثة بعْد الاسْتقلال عنْ المُحتلّ الفرنْسيّ. ثَار السّيد جُمْعة وصَرخ قائلاً: «لا مُشْكلة عنْدي أنْ أكونَ مُواطناً منَ الدّرجة الخَمْسين ما دامَ النّظام الذي يَحْكمني نظَامٌ وَطنيّ ولَيْس مُحْتلاً». وعنْدما سَألْتُه لمَاذا عَلى أحَدنا أنْ يَرْضى بنظامٍ، حتّى لوْ كَان وَطنيّاً عَلى حَدّ تَعْبيرك، يَجْعل مُواطنيه منَ الدّرجة الخَمْسين؟. أجَاب، وهُو يَنْظر إلى الرُّتب العَسْكريّة اللّامعة والمُحْتلّة للصّفُوف الأُولى في المَرْكز الثّقافيّ، «لأنّ النّظَام الوَطنيّ أَفْضل آلافَ المرّات منَ المُحْتلّ الذي يَقْتل ويَنْهب كلّ مَقْدّرات البَلد. إلاّ بالنّسْبة لعُمَلاء أُولَئك المُحْتلّ»!!. مُلْقياً، بالنّسْبة للقِسْم الأخير منَ الجُمْلة، نَظْرةً تَوْضيحيّةً باتجَاهي.
الجسْر الحَرْبيّ
في نهَاية عَام 2005 كنْتُ في مُراجَعة لمَبْنى بَلديّة الحَسَكة. فعَرَض عَليّ صَديقي الذي يَعْمل كمُهنْدس إنْشَاءات في البَلديّة رسَالة تمّ تَرْجمتها عَن اللّغة الفَرنْسيّة. وكَانتْ الرّسالة الأَصْلية مُرْسلة منْ وَزارة الخَارجيّة الفَرنْسيّة ومَعَها مُخطّطات ورُسُومات وصُوَر تَتحدّث عنْ «الجسْر الحَرْبيّ» في مَدينَتنا.
الجسْر الحَرْبيّ المُمْتدّ على نَهْر «الجَغْجغ» لمسَافة 60 متْراً كيْ نَصلَ لحيّ المُفْتي، وكيْ نَذْهب إلى المَقْبرة القَديمَة للمَدينة، كانتْ أرْضيّتُه مَفْروشة بالألْواحِ الخَشبيّة الثّقيلة والكَبيرة، والتي كانَتْ تَفْرش أرْضيّات سكَك القِطَار. وكانَتْ تلْك الألْواح قَدْ تَكسّرت في مَسَاحات كَثيْرة في مُغَامرتِنا لزيَارة مَوْتانا المُنْتظرين هُناك.
كانَ المُحْتلّ الفَرنْسيّ قدْ بَنى تلْك الجُسور الحَرْبيّة، في مَنَاطق كَثيرة منْ سُورية، وبالتَأْكيد في البُلْدان الأُخْرى التي احْتلّها، تَسْهيلاً لتحرّكات جُيوشِه ورَبْط المَناطق بَعْضها ببَعْض، بالإضَافة إلى بنَاء صوَامع الحُبوبِ والمُسْتودعات وسُكك القِطَار، في عِشْرينات وثَلاثينات القَرْن المَاضيّ. ومَازَال الكَثيْر منْها في الخدْمة بَعْد مُرور ما يُقَارب الثّمَانين عَاماً عَلى بنَائها.
كانَتْ الرّسَالة مُرْسلة إلى مَجْلس مَدينة «الجَزيرة» منْ مَرْكز دراسَات الإنْشَاءات في وَزَارة الدّفَاع الفَرنْسيّة. وتُوضّح في مَتْنها كيْفيّة بنَاء الجسْر الحَرْبيّ في الحَسَكة، والنّقاط التي اسْتند عَليْها المُهنْدسون، وفْق المُخطّطات المُرْسلة مَع الرّسَالة. تلْك النُّقاط التي صَارت أَبْنية سَكنيّة ومَحَطّة مَحْروقات وبُيوتاً اعْتَدت على حَرَم النّهْر الذي صَار عَجُوزاً مُقَارنة ببَسالته وعنْفه قَبْل سَنَوات طَويلة.
وبَعْد الشّرْح المُسْتفيض، وانْتقَاء الكَلمَات والأَوْصاف الدّقيقة للأَمَاكن والمَواد التي سَاهمَتْ في بنَاء الجسْر. وبَعْد انْتحال صفَة المُحبّ منَ المُحْتلّ البَغيض، الذي لا بُدّ يَشْعر بذلَك الشّوْق العَارم لتَدْنيس أَرْضنا البَتُول منْ جَديد، تَقُول الرّسالة: وحَيْث أنّ ذّلك الجسْر قَدْ انْتهى عُمْره الزّمنيّ فنّياً بتَاريخ وُصول هَذا الخطَاب لحَضْرتكم. فإنّنا نَطْلب منْكم إزالَة الجسْر نِهائيّاً، حَيْث أنّ أيّ عَمليّة تَرْميم مَا عَادَت تَنْفع، «خاصّةً أنّنا لمْ نَطّلع وفْق خبُراتنا عَلى مَا قُمْتم به منْ أَعْمال تَرْميم ومَدى جَوْدتها».
ثُمّ يَنْتهي الخِطاب بأنْ تَقُول الرّسَالة: «إنّ الحُكومَة الفَرنْسيّة تَنْفي المَسْؤوليّة عنْ نَفْسها إذا تَعرّض مُواطنُون أوْ مبَانٍ أوْ حَيَوانات أوْ سَيّارات للأَذى بَعْد تَاريخ وُصُول هَذا الخطَاب الذي أَرْسناه إليْكم وُفْق الأَعْراف الدّيبْلوماسيّة».
انْظروا كَيْف يُحاول المُسْتعمر البَغيض أنْ يَكُون إنْسانيّاً ونَاصحاً، وأَخاً كَبيْراً كَما كَانتْ تَقُول وجْدانيّات الانْتداب، لحُكوماتِنا التي، في الحَقيقة، ما كَان يَهمّها لا الجسْر ولا المُواطنون ولا الأبْنية، فمَا بَالكم بحَيواناتِنا الدّاجنَة والمُتشرّدة. فَهذا لَيْس وَقْت هَذه الأَشْياء التّافهة في الوَقْت الذي كَانتْ تَعيش حُكوماتنا صراعَها الأبديّ مَع الصّهيونيّة والإمْبرياليّة العَالميّة. وصَارت الآن في صراعٍ دائمٍ مَع شَعْبها الإرْهابيّ الخَائنِ والعَميل.
ولَكنْ عَليْنا التّفْكير بتلْك الرّسَالة بالفعْل. وأنْ نَعْرف إلى أيْن وَصَلت دَرجة الأَخْلاق بالنّسْبة لأُولئك الأَعْداء الذين يَسْتقبلون الهَاربين منْ صَواريخِ وبَراميلِ قَائدنا المُفدّى في حَرْبه ضدّ الصّهْيونيّة. الحُكومَة الفَرنْسيّة تَنْفي عنْ نَفْسها المَسْؤوليّة إذا سَقَط الجسْر!. تَصوّروا أنّ الحُكومة الفَرنْسيّة تَخَاف عَلى مُواطني دَوْلة احْتلّوها وغَادَروها «صَاغرين» منْذُ عَشَرات السّنيْن؟. وتَخَاف منَ المَسْؤوليّة الأَخْلاقيّة فتُنبّه حُكومَتنا الوَطنيّة الأَبيّة والمُتنبّهة أَصْلاً لمُخطّطات الأَعْداء دَاخلَها وخَارجَها!.
بَعْد هَذه الرّسَالة بخَمْس سَنوات سيتمّ هَدْم الجسْر الحَرْبيّ الذي مَشَت عَليْه مَلايينُ الأَقْدام الفَقيْرة والمَقْهورة طوالَ كلّ تلْك السّنوات الفَارعة منْ مَعْناها. وسَيبْنون جسْراً جَديداً بطُول 60 متْراً وعَرْض 35 متْراً، وبتَكْلفة إجْمالية وَصَلت إلى 60 مَلْيون ليْرة سُوريّة. وهَذه السّتين مَلْيون ليْرة لا بُدّ أنّ نصْفها قَدْ سَرقه المَسْؤولون وفْق التّراتبيّة المُتعارفِ عَليْها أَمْنيّاً في البلاد.
ظلّ الفَرنْسيّون قَلقُون إذاً طوالَ خَمْس سَنوات منْ تَاريخ إرْسالهم لتلْك الرّسَالة التي تَنْفي عَنْهم المَسْؤولية إذا ماتَ مُواطنون أَبْرياء. رُغْم إرْسالهم لتلْك الرّسَالة، مَع أَحْشائها التّوْضيحيّة، إلاّ أنّهم ظلّوا قَلقين منْ إهْمَال الحُكومة لهَذا الأَمْر الجَلَل طوالَ خمْس سَنَوات. وربّما كانَتْ الحُكومة تَنْتظر أنْ يَسْقط الجسْر بالفعْل كيْ يُظْهروا للعَلَن الأَفْعال الدّنيْئة والمُشيْنة والمُسْتمرّة للمُحْتلّ الأَجْنبيّ ولوْ بَعْد جَلائه عَنْ أراضينا مُنْذ 60 عَاماً في ذَلك الوَقْت. ولكيْ يَبْنوا المَزيدَ منَ المَدارس، كيْ يَنْهبوا نصْف أثْمَان بنَائها، لتَسْميتها بأَسْماء أُولئكَ الشّهَداء الأَبْرار الذين اسْتشْهدوا في مَعْركة الجسْر الحَرْبيّ المَجيدة.

حنطة2219 حنطة2220

برومو الشهيد ناجي الجرف