حكايا البيدر

العنف الأسري

مصطفى عبدي

العُنْف الأُسريّ هُو ظَاهرة سُلوكيّة شَائعة الانْتشار، لا تَقْتصر عَلى مُجْتمع دونَ آخرَ ، ولا عَلى شَريحةٍ دونَ أُخْرى، فَأغْلبية المُجْتمعات، وحتّى المَوْصوفة بالحَضارة والتّطوّر نَراها تُعانيها، ونَرى مَظاهره مُترسّخة في صُلْب العَلاقات الحَاكمة.
بالدّرجة الأُولى، فإنّ قَضيّة العُنْف الأُسريّ تكونُ عَادةً مُرتَبِطةً بدَرجة الوَعْي في المُجْتمع، ومَعرِفَةِ حِقوقِ الأَفْراد، وَمنْ ثمّ واجباتِهم، والتّعْريف بأهميّة الحفَاظ على كيَان الأُسْرة، ومَفْهومها باعْتبارِها الحَاضن لأَفْرادها، وأنّ سُلوكهم اللّاحق سَيكونُ بشكْلٍ أوْ بآخرَ متأثّراً بكلّ تَفْصيلة تَحْدث في بُنْيان هَذه العَائلة، فالأُسْرة هي المكوّن الأوّلُ لطباعِ الفَرْد، ونَمَط التّرْبية المُعْتمد هو الفَيْصل في المَراحِل الأُولى منَ التَكْوين الاجْتماعيّ والنَفْسيّ.
وهُنالك عدّة تعَاريف للعُنْف، نَذْكر منْها التّعْريف الشّامل (كلّ سُلوك يَسْتخدمه شَخْص بَالغ رَاشد في الأُسْرة بِقصْد السّيْطرة على شَخْصٍ آخَر في الأُسْرة. أيْ هُو نَوْع منْ أَنْواع الإساءَة المَقْصودة التي يَتَعَرّضُ لها فردٌ ما داخلَ الأُسْرة نتيجةَ عَدم تَكافُؤٍ بالسّلْطة مَع شَخْص آخَر مُعنّف).
وفي قصّة بَحْثنا عنْ أنْواع العُنْف الأُسريّ، بقَصْد التّعرّف إليْه، لتَعْريفه. وَجدْنا عدّة أَفْكار وَحَالات، كانَ لا بُدّ منْ ذكْرها:
(هُناكَ عدّة أشْكال، ومُسْتويات للعُنْف الأُسريّ أَبْرزها العُنْف الجَسديّ الذي يَتمثّلُ بالدّفْع والرّكْل والضّرْب والصّفْع والعَضّ وشَدّ الشّعْر والعُنْف الجنْسيّ الذي يَشْمل الاسْتهزاء والسّخْرية والحَطّ منَ القَدْر سواءٌ كانَ لأمْر جَسديّ، أوْ كانَ لمَسْألة نَفْسيّة. هَذا عَدا عنْ الإهْمال الجَسديّ والعَاطفيّ والانْفعاليّ والحِرْمان والمَنْع منْ لقاءاتٍ أُسَريّة واجْتماعيّة دونَ سَببٍ أوْ تَعْليل).
أَشْكال أُخْرى يُمْكن مُلاحظتها وإدْراجها تًحْت بًنْد العُنْف الأُسريّ:
( التّهْديد بالانْتحار أو تَرْك المَنْزل لإرْغام الشّخْص على عَمَل شَيْء مَا، والتّهْديد بسِلاحٍ أوْ أداةٍ حادّة، وبكَشْف أَسْرارٍ أوْ إعْطاء مَعْلوماتٍ، واسْتخْدام الكَلامِ النّابيّ والبَذيء والنّعْت بِصِفاتِ الحَيَوانات وأَلْقابهم).
ويُمْكننا كَذلك التّعرّف عَلى العُنْف الأُسريّ المُتَمِثّل بالعُنْف الجنْسيّ والعُنْف الاقْتصاديّ الذي يَتَجلّى بالاسْتغْلال المادّيّ والحِرْمان منَ الميراثِ والاسْتيلاءِ عَلى المالِ والمهْر وكَذلك هُناك العُنْف الدّينيّ الذي يتمّ عبْر إرْغَام الشّخْص على اعْتناقِ دينٍ أوْ مَذْهب مُعيّن، أوْ مَنْع فَرْد منَ القِيامِ بطُقوسٍ دينيّةٍ مُعيّنة.
كَما وأنّ هُناك العُنْف المَذْهبيّ، والفِكْريّ…..فالوَسَائل مُتعدّدة وعَديدةٌ، وكُلّها تَنْدرج بشَكْل أوْ بآخرَ في خانَة التَّعْريف الذي بَدأْنا بهِ المَقَالة وهُو الاسْتغلال، وفًرْضِ السّيْطرةِ المُطْلقة.
وَلكنْ، لماذا يَحْدث العُنْف المًنْزليّ؟ هَذا السّؤال الهامّ، الذي نَراهُ يَتمثّل أمَامنا، كانَ لِزاماً عَليْنا البحْثُ عَنْ إجابةٍ شافيةٍ لهُ.
الأسْتاذ عَبْد الرّحْمن كانَ مَعَنا، وأَوْرد للْجواب كثَيراً منَ الحيّز: ( الأشْخاصُ المُعنّفون، تَتَشابهُ طِباعُهم، ويُمْكنُ وَضْعهم في خانَة تَمْثيليةٍ وَاحدة، منْ حيْثُ أنّهم يَبْدون للغيْر لُطَفاء هَادئين، أمّا مُمارَسَاتهم المُعنّفة فَتَظْهر خَارج ذَلك التَّصرّف، بَعيداً عَن الأَعْين. وَهُم عَلى الأَغْلب سَريعو الاسْتثارةِ والغَضَب، ويَفْقدون السّيْطرة عَلى أَعْصابهم فَتُصْبح تَصرّفاتهم خَارج الحُدود، وهَذا بِرأْيي مَردّه أَسْبابٌ كَثيرة مُتعلّقة بالأَسَاس بالوَضْع الفيزيولوجيّ، والتّكْوينيّ للفَرْد، وبالتّرْبية والبيئَة التي هيَ أسَاس كلّ تصرّف مُنْتج).
وفي مَسْألة بَحْثنا عَنْ دَائرة العُنْفِ، وَجَدْناها تَتألّفُ منْ ثَلاثِ مَراحِل تَتَحَدّدُ في كلّ مَرْحلة طبيعةُ العَلاقة بيْن المُسيء والمُسَاء إليْه: أولى هَذه المَراحلُ هي مَرْحلة القَلق، حَيْث تَكونُ الأُمورُ مُضْطربة نَوْعاً ما، والضّحيةُ غَيْر قَادرة على تَوقّع السّلوك الذي سَيَصْدُر عنِ المُسيء، ومتى يَصْدر. فَهي في حَالة ترقّب وخَوْف منْ لَحْظة ظُهور عنْفهِ، وتَسْعى جَاهدةً لكيْ لا يَحْدثَ العُنْف وتَعْملُ على التَهْدئةِ وتَوْفيرِ الشُّروطِ المُخْتلفة حتّى لا يَثُور، باحثَة لَه عنْ أعْذار للتّفْسير والهُدوء.
المَرْحلة الثّانيّة هي مَرْحلة الانْفجَار، إذْ يَتَزايد هُنا الاحْتقان والتّوتر ويَصل إلى نُقْطة الغَلَيان، يَحْصل الانْفجار. فَيَقومُ الشَّخْص العَنيف بالهُجُوم، واسْتخْدام أَساليب العُنْف الأُسريّ التي اعْتادها مُبرّراً سُلوكهُ بأنّه لمْ يَكُن ليَصل لهذا العُنْف ما لَمْ يَسْتفزهُ الطّرفُ الآخَر.
المَرْحلة الثّالثة هيَ مَرْحلة النّدم والشُّعور بالأَسى، حَيْث أنّه وبَعْد انْتهاء مَرْحلة العُنْف، يَكُون الشّخْص العَنيف قَدْ انْتهى منْ تَفْريع شحْنته النّفْسية، نَراه يَشْعر بالنّدَم والأَسَف والحُبّ ويَقُوم بإهْداء الوَرْد والهَدايا الرّومانْسيّة في مُحَاولة لخَلْق الأُلْفة والمَودّة والشّعُور بالأَمَان نَاكراً أنّه عَنيف، بَل ويَلوم الطَّرف الآخَر على أنّه هُو السَّبب في اللّجوء للعُنْف، وأنّه كَان خَارج السّيْطرة. ويتّفقُ الطّرفان عَلى إنْكار ورَفْض لَحَظات العُنْف التي حَصَلت وأنَها لنْ تَحْصل مُجدّداً، ويَتخلّل هَذه المَرْحلة الأَمَل والتّقَارب والاهْتمام.
ولكنْ، هَل العُنْف هُو مُشْكلة بالنّسْبة للمُسِيء أمْ للضّحيّة؟ هذا السُّؤال أَجَابت عَنْه الآنسة نسْرين أَحْمد المُتَخَصّصَةُ في الإرْشاد النّفْسيّ: (الضّحيةُ عادةً ما تتّصفُ ببعْضِ من الصّفات التي تَجْعلها مُسْتهدفة للعُنْف، كاعْتقادها المُطْلق بتفوّق المُسيْء في كلّ الجوانِب فتَبْرزُ الطّاعة والانْقياد التّام لما يَقُوم به المُسيْء، ويَنْعدمُ عنْدها الشّعورُ بالحقّ، وتَقبّل الوَاقع وتَتزعْزع الرّغْبة بالتّغْيير والمَيْل للتّقْليل منْ أهميّة العُنْف وخُطورَتِهِ والمَيْلِ للّعبِ وأنّها تَأْخذ دَوْر كَبْش الفِداء لِحمايةِ باقي أفْرادِ الأُسْرة، والشُّعورِ بِمُسْتوياتٍ مُرْتفعَةٍ منَ القَلق والشّعُور بالعَجْز وعَدَم القُدْرة على التّغْيير).
آثارٌ عدّة يُمْكن اشْتمالَها سَواءٌ أكانَ ذلكَ على صَعيد الضّحية أوْ أفْراد أُسْرتها، وغَالباً ما تَخْتلف باخْتلافِ سُلوك العُنْف ذاتَه، وباخْتلافِ خَصائص الضّحية ذاتَها منْ حيْث العُمْر أوْ الحَجْم. فالعُنْف بالنّتيجة هُو مُشْكلة وَاقعة بالنّسبةِ للمُسيْء، وآثَاره عَليْه تَكون أَفْظع.
ولكنْ، كَيْف يُمْكن كَسْر دَائرة العُنْف، أوْ مُحَاولة تَخْفيف تَفشّيه، بقَوانين رَادعة ومُلْزمة؟
(بالإمْكان كَسْر دَائرة العُنْف منْ خِلال مُساعَدة الضّحية على التّعرُف على نُقاط قُوتّها المُتمثّلة بالخَيَارات المُتاحة أمَامَها، وإيِجاد البَدائل لاسْتخْدام أَنْواع السّلْطة المُخْتلفة بشَكْل صَحيح وعَادل دونَ أنْ يُؤدّي إلى هَدْم بناء الأُسْرة الرّئيسيّ. إنّ كَسْر دَائرة العُنْف يَمرّ بعدّة مَراحل، أهمّها مَرْحلة ما قَبْل الوَعْي بالمُشْكلة حَيْث لا يَكون لَدى الضّحية أيّ وَعيّ بُوجودِ مُشْكلة عُنْف بَل غَالباً ما تُنْكر وُجودها أصْلاً. فكلّ سُلوكٍ عَنيفٍ بالنّسْبة لَها هُو عبَارة عنْ مُشْكلة يُمْكن حلّها، وإنّ سُلوك العُنْف غيْر مَقْصود، وهُو لا يَتعدّى أنْ يَكونَ الشّخْص المُسيء هُو شَخْص عَصبيّ. ولا بُدّ منَ القَوْل هُنا أنّ الضَحيّة قَدْ تَعي وُجودَ مُشْكلة ما ولكنّها تَشْعر بالخَوْف أوْ العَجْز، فإنْ تَحدّثتْ عَمّا تَتعرّض له فَقَدتْ تَأييدَ مُشْكلتها أوْ المَخَاطر التي تَتعرّض لها، وكَذلك هُناك مَرْحلة الوَعي، حَيْث تَبْدأ الضَحيّة بالتّفْكير أنّ هُناك مُشْكلة وأنّها تَحْتاج لتَغْيير الوَضْع. ولكنَها في الوَقْت ذاته تُدْرك الصُّعُوبات التي تَقفُ دونَ اتخاذِ قَرار التّغْيير، والتي غَالباً مَا تتَحدّد بعَدد الخَيَارات التي تَمْتلكها، وتَبْقى هُنا في دَائرة التّفْكير بهذِه الخَيَارات والنّتَائج المُحْتملة فيْما لوْ اتخذَتْ القَرَار بالتَغْيير، وهُنا أَيْضاً مَرْحلة الإعْداد والتّخْطيط، ومَرْحلة اتخاذ القَرَار والتّنْفيذ ومَرْحلة الدّعْم والمُتابعة، وأَخيراً مَرْحلة الانْتهاء حيْث يُصْبح التّغْيير هُو الحَالة الطّبيعيّة للضّحية بسَبَب رَفْضها العَوْدة لحَالة العُنْف السّابقة.

حنطة2220 حنطة2221

برومو الشهيد ناجي الجرف