حكايا البيدر

عن الجدار والبخَّاخ و(أدب الغرباء)

عمر يوسف سليماني

ثَمّة عَناصرَ منَ الأمْن يَعْملون «دهَّانين» في السّاعة العَاشرة لَيْلاً، نَراهُم واقفين يَوْمياً أَمام إحْدى جدْران مَدْرسة «خَالد بن الوليد»، أوْ مَحلّات حَي «الوَعْر»، ولنْ يَكُون الأَمْر شَديد العَنَاء بالنّسْبة إليْهم، فَشهْر نَيْسان منْ هَذا العَام 2011 مُناسبٌ للنَزْه اللّيليّة، أَحْياناً يَكْفي مَحوُ بَعْض الكَلمَات، وأَحْياناً أُخْرى لا بُدّ منْ طَمْسها جَميعاً، لكنّنا إذا اسْتمرّينا في المُشَاهدة حتّى السّاعَة الأُولى منَ الفَجْر سَنجدُ أنّ مَجْموعة منَ المُلثّمين تُعيد الكتَابة في ذَات المَكَان، فَطلاءُ الأَمْن يَمْحوه الثّوار، كَمَا أنّ كَلام اللّيْل يَمْحوه النّهار.
هَذه الجُدْران الوَاقعيّة كانَ لها رَديفٌ في جُدْران الفيْس بوك التي امْتلأَتْ مَعَ بدايَات الثّوْرة بمَعَارك الـ(بوسْتات) والاخْتراق بَيْن النّشَطاء والجيْش السّوريّ الإلكْترونيّ، فالحِرَاك قَدْ بَدَأ منْ إحْدى جُدْران مَدَارس دَرْعا التي خَطّ عَليْها الأَطْفال عبَارَة (الشّعْب يُريدُ إسْقَاط النّظَام) لتُنْتزع أَظَافرهم بَعْد ذَلك، أمّا في دمشْقَ فَقَد كُـتبتْ ذاتُ العبَارة على جُدْران حَي (ركْن الدّين) قبْل 15 آذار 2011، لتَنْتشر الظّاهرة بسُرْعة هَائلة في المُدُن والأَرْياف السّوريّة، هَكَذا تَحوّل الجدَار الذي كَثيْراً ما ظُلم بكَوْنه حَاجزاً حَيَال الحُرّية إلى وَسيْلة لتَعْليق العِبَارات المُطالبة بها، فالثّوْرة السُّوريّة في عُمْقها كانَتْ على الجُدْران.
(أدَبُ الغُرَباء)، ذَلك الكتَاب الصّغيْر الذي جَمَع فيْه «أَبو بَكْر الأَصْبهانيّ» الأبْيَات الشّعْرية التي كانَ يَخطّها العَابرُون على أَبْواب وجُدْران الجَوامع والمَقابر والبَساتين والكَنَائس، يَعْرض نَوْعاً خَاصّاً منَ القَصَائد الحِوارية في العَصْر العَباسيّ، فالعَابرُ كَان يَكْتب بَيْتاً شعْريّاً ليَأْتي عَابرٌ آَخر ويُعَارضه بعبَارة أو ببَيْت غالِباً ما يَكُون على ذَات الوَزْن والقَافيّة، والمُلْفت أنّ أَكْثر هَذه القَصَائد بَقي مَجْهول القَائلْ، تَماماً كالعبَارات التي خُطّت على الجُدْران في الثّوْرة، كَمَا أنّ (أَدب الغُرباء) يتّسمُ بالصّراحَة والكَشْف كَوْنه خَارجَ التّصْنيف ويُجسّد تَجَارب شَخْصيّة قَدْ لا نَعْثر عَليْها في الكُتُب الجَادَّة، (كنْتُ أيّام مَقَامي في سُوق الأَهْواز عَاشرْتُ جَمَاعة منْ أَهْلها، فَدَعاني صَديقٌ لي إلى «الشّاذرْوان» يَوْماً، فخَرَجْت ومَعَنا شَرابٌ وغنَاء، وفي «الشّاذرْوان» رَأَيْت عَلى حَجرٍ منْ حجَارَته مَكْتوباً:
لمْ أنْسَ لَيْلتنا بشَاذرْوانِ
والماءُ يَنْسابُ انْسيابَ الجانِ
فكَتبْتُ تَحْته:
والبَدْرُ يُزْهرُ في السّماءِ كأنّه
وَجهُ الذي أَهْوى ولا يَهْوانيْ
هَذه الحَادثةُ الوُجْدانيةُ تَدْفعنا إلى المُقَارنة بَيْنها وبَيْن مَا كَان يُكْتب عَلى جُدْران سُورية قَبْل الثّوْرة السّورية منْ تلْك العبَارات السّطْحية عَلى كَراسي وَسائل النّقْل العَامّة أوْ أبْواب دَوْرات الميَاه وجُدْران المَدَارس، والتي غالباً ما تُسْبق بكَلمة «ذكْرى» مَتْبوعة برَسْم صَغير لقَلْب وسَهْم، وتَحْتها نَقْرأ كَلمة بَذيئة كَتَبها عَابرٌ آَخر. تَغيّر الأَمْر في الثّوْرة السّوريّة، إذْ صُرْنا نَقْرأ (يَسْقط بشّار الأسد)، وفي اليَوْم التّالي نَرى قطْعة بَيْضاء تَسْبق (بشّار الأسد)، فعُنْصر الأَمْن كَما يَبْدو لَمْ يَكنْ يَمْلك طلاءً كافيّاً، لكنّ كّلمة (يَسْقط) تَعود في اليَوْم التّالي لتُجسّد الصّراعَ الدّائر بيْن البَرْبرية والحَضَارة، فبَيْنما بَدأ شبّان الثّوْرة بكتَابة كلمَة (حرّية)، كانَ الشّبيحة يَكْتبون فَوْقها بَعْد مَحْوها (ربّكم بشّار)، عَلى أنّ الأَمْر لمْ يَقْتصر عَلى الشّعَارات، بَلْ امْتدّ إلى الغرافيتي المُرْفق بعبَاراتٍ لمَحْمود دَرْويش لا سيّما في مَدينة سَراقبْ-إدْلب، (مَنْ أنا لأخيّب ظنَّ العدَم؟) و(عَلى هَذه الأرْضِ مَا يَسْتحقّ الحَيَاة)، و(أجْملُ التّاريخِ كانَ غَداً)، هَذه الكتَابَات لَيْست سِوى مرْآة للسّلوك الجَمْعي الذي تحوّل في الثّورة منْ سُلوكٍ ضائعٍ وسَطْحيّ إلى مُطالبٍ بالخَلاصِ والحرّية، ومُتذوّق للفنّ.
في فَرنْسا، نَشط خلال القَرْن الماضيّ تيّار شعْريّ سُمّي بـ (شعْر المتْرو)، أسّسه كلٌّ منَ الشّاعرَين الفَرنسييْن (جيرار كارتييه) و(فرانسيس كومب)، وعَلى مَدَار خَمْسة عَشَر عَاماً اهْتمّ هَذا التّيار بكتابَة العبَارات الشّعْرية دَاخل المتْرو، نَجدُ هَذا النّشاط قَائماً حتّى اليَوْم في «متْرو باريس» خلالَ ربيع الشّعراء، حَيْث تتمّ كتَابة مَقَاطع لروّاد الشّعْر الفَرنْسيّ أوْ للشّعرَاء الجُدد، لكنّ المَنْفيّ السّوريّ حيْن يَرى هَذه المَقَاطع يَشْرد في رَبيعٍ آخَر كانَ قَدْ بَدأ هُناك، وتَتَراءى لَه تلْك العبَارة التي خَطّها بَخّاخ إدْلب (قَبْل الثّوْرة لمْ تكنْ جدْراننا لنا، كانَتْ لحزْب البَعْث، اليَوْم حَرّرنا الجُدْران وبَقيَ عَليْنا أنْ نُحرّر بلَدنا)، وبَيْنما يَقْطع المتْرو المَحطّات، تَتَناهى إلى أُذن المَنْفيِّ أَصْوات تَهْدم الجُدْران في القَصْف.
السيناريسْت «عدْنان الزراعيّ» كانَ يَعيش في دمشْقَ عنْدَما اشْتَعلت المُظَاهرات الأُولى، وبَعْد أَشْهر أَنْجز مُسلْسَله (فَوْق السّقْف) الذي مُنع منَ العَرْض، عَدْنان لَمْ يُشَارك في أيّ منَ الأَعْمال المُنَاهضة للنّظَام، لكنّه كانَ قدْ كتَب عَام 2008 لَوْحة مُسَلْسل «بقْعة ضَوْء» الشّهيْرة (الرّجُل البَخّاخ)، والتي تتحدّثُ عنْ رَجُل لا يُجْدي كَلامُه معَ النّاس عنْ مُشْكلات البَلد فَيَسْتخدم الـ «بخّ» على الجُدْران ليُدوِّخ أجْهزة الحُكومة عَلى الرّغْم منْ بَقَائه مَجْهولاً، هَذا العَمَل الدّراميّ كانَ بمَثَابة الأُسْطورة القَادمة منَ المُسْتقبل ولَيْس منَ الماضيّ، فقَدْ تحوَل الرَجُل البَخّاخ إلى رَمْز وَاقعيّ في الثّوْرة السّوريّة، أمّا عَدْنان فَقدْ تمّ اعْتقاله عَام 2012 منْ قبَل أَمْن الدّوْلة، ومَا زَال مُعْتقلاً حتّى اللّحْظة.
الغُرباء الذين كَتَبوا عَلى الجُدْران في العَصْر العَبّاسيّ همْ نَفْسهم مَنْ كتَب عَلى جُدْران سُورية، ومنَ المُلْفت أنّه بَعْد اشْتداد الصّراع المُسلّح ودَمَار أَحْياء حمْص القَديمَة، ثمَ خُروج المُسّلحين منْها، عَاد هَذا الفنّ إلى الظّهور في بَعْض الأَحْياء التي لَمْ تَزَل تَحْت سَيْطرة النّظَام، ومنْها حيُّ (الغُوطة)، كَما أنّه اسْتمرّ في المُدُن التي سَيْطر عَليْها تَنْظيم «الدولة الإسْلاميّة»، فَهو فَنّ المُهمّشين والمَظْلومين والغُربَاء يُمَارسونه في كلّ زَمَان.

حنطة2222

برومو الشهيد ناجي الجرف