حكايا البيدر

أصنص شبيح

مضر عدس

_ يا إلهي! كمِ السّاعة..
اسْتيْقظت عَلى عَجل، إنّها التّاسعةُ صباحاً، ولم يتبقَّ على الحَفْلة إلاّ ساعة، عليّ أنْ ألْبسَ بُسرْعة.
ارتديْتُ بًدلة الرّياضة وحذاءَ الرّين، فاليوْمَ عنَدي ماراثون.
( الرّين هو حذاءٌ رياضيّ، وهو الرّابط العَجيب بَيْن المواطن السّوريّ البَسيط والشّبيح.. وهو بالمناسبة، الرّابط الوَحيد).
خَرَجْت منَ المَنْزل مِنْ دونِ أنْ أَتَناول إِفْطاري، أوْ حتّى أنْ أَحْتسي كَأساً وَاحداً من المتّة.
وَقَفتُ بانْتظار (الميكرو):
_ صَباح الخيرْ أبو ضِرْغام.
_أهْلاً وَ سَهْلاً يا حَسّون.. اصْعد اصْعد.
_تَفضّل
_لا.. لا أَتَقاضى الأجْرة منْكَ، فَأَنت منْ أَشْبال الوَطَن … غالي.
_شُكْراً يا حَبيب.
وَصَلتُ في السّاعة العّاشِرة إلاّ رُبْع إلى الفرْع، والجّميعُ كانَ بانْتظاري.
_حَسنْ أينَ كُنْت؟ (قَالها صَارخاً في وَجْهي، صَراحةً لَمْ أنْزعج فَهَذا منْ خَوْفه عليّ).
_أعْتَذر يا مُعلّم، فَلَم تكُن المُواصلاتُ مُتوفّرة كالعَادة.
_خُذْ سيّارة منَ الكَراج مَسَاء اليَوْم، سَأكونُ في مَكْتبي السّاعةُ العَاشرةُ مسَاءً سَأَنْتظرك لأوقّع الطَلب.
_ أَمْرك معلّم.
_ هيّا إلى الدّاخل جميعاً.. بقيَ خَمْس دَقائق.
جَلَست في إحْدى غُرف الطّابق الأوّل وأنا أَنْظر إلى السّاعة وأترقّبُ مَوْعد الحَفْل..
دَقيقتيْن.. دَقيقةً.. خَمسَ عَشرة ثانية..
بوووووووووووووففففففففففففف
لَمْ أَشْعر يوْماً بهذا الشُّعور.. يا إلهيْ، طُرْت منْ مِقْعدي مِتْرين..!، تكسّر الزّجاج.. وَلكنْ لِحُسْن الحَظّ، فَقَد كانَ مُجهّزاً بشَكْلٍ جيّد.
شَعَرت بتَراقُصِ دماغي مَع نَغَمات الانْفجار، كانَ يَرْقص مُتفاخِراً بأنّه عَلى عِلْم بهذا الاحْتفال، رَقَص وتَراقصتْ مَعَه كلّ أحْشائي، ولكنْ، وبصراحةَ، فقَدْ رَقَص قَلْبي أيْضاً، فالحَدث كانَ غيْر الحَديث عنْه.
نظَرتُ إلى السّاعَة..
_ مَضَت دَقيقتان يا شباب..
السّاعة الآن العَاشرة وثلاثَ دقائقْ
دَقيقتيْن.. دقيقَة.. نِصْف دَقيقة..
هَذه المرّة كُنْت قَدْ تَعلّمْت جيّداً..
بووووووووووفففففففففففف
للأسَف لمْ أَسْتفد منْ إمْساكي بالعَضاضة…
لقَدْ طُرْت منْ جديد.. لَعلّ الدّرْس الذي سَأتعلّمه هُو كَيْفية الطّيَران
المهمّ.. حانّ الوَقْت
خَرجْت منَ البابِ الرّئيسيّ، ونَظَرْت إلى زُملائيّ، وانْطلقْت كالبَرْق، لَحقني جَميع الزّملاء جَميعُهم.. حتّى المعلّم.
منَ البَعيد، رأيْتُ غباراً ودخاناً وسواداً، وكانَتْ رَائحةُ البارودِ هيَ منْ جَعَلت أُسْبوعي القَادم مُعكّراً…
_ كَمْ أكْرهُ هذهِ الرّائحة!.
و كلّما اقْتربتُ كنْتُ أرى بَقايا زجاجِ السّيَارات، دَمٌ وأَشْلاء، وقَدْ كانَ الصّوْتُ والصّخبُ عالياً ..
واللّافت أنّ الإنسانَ كانَ يقلُّ حَجْم بَقَاياه كلَما اقْتربتُ أَكْثر..
كانَ هُناك إصاباتٌ، وأُناسٌ تَبْكي وتَحْتضن بَعْضها، وكلَما اقْتربْت أرى جثثاً، ومنْ ثمّ أَنْصاف جُثث. حتّى وَصلتُ …
نَظَرت عَن يَميني وعَن شَمالي، وَجَدتُ كتلةً منَ اللّحْم تَبْلغ الكيلو ، أَمْسكتُ بها، ولكن وَقَعت عينيّ على مَنْظرٍ أَجْمل، مَنْظر سَيُشْربني المتّة أُسبوعاً مع الخطيبة منْ دونِ أنْ أُفكّر في الخدْمة، بقايا لكتفٍ وجَذْعٍ وعَمُود فقريّ ظاهرٍ للعَيان…
أَمْسكتُ به بكلّ فَخْر، ونَظَرْت باسْتعْلاء إلى الزّملاء، وعلى الفَوْر، تَوجّهت إلى صَديقيْ وحبيبيْ (أبو علي كاميرا):
_ هي هية الحرية يلي بدكن ياها… هي هية الحرية يلي بدكن ياهاا
هي هية الحرية يلي بدكن ياااهاااااا

حنطة2223

برومو الشهيد ناجي الجرف