جرن حنطة

سورية مصنع للسلفية الجهادية

جلال زين الدين

رُبّما يَكُون منَ المُفَارقَات الكَبيْرة والعَجَائب الفَريْدة أنْ تَتحوّل سُورية إلى مَصْنعٍ للسّلفيّة الجهَاديّة ولا سيّمَا المُتشدّد، فَسُورية التي تَميّزتْ باعْتدالهَا عَلى مَدَى التّاريْخ الإسْلاميّ، والتي تَعرّض فيْها حتّى هَذا التّيار المُعْتدل لحَرْب ومُلاحَقةٍ شَعْواء منْ نظَام البَعْث عَلى مَدَى عُقُود حَيْث لَمْ يَكُن أَحدٌ يَجْرؤ عَلى الظّهُور بالهَيْئة الإسْلاميّة فمًنْ يُطيْل لُحْيته ويُقصّر ثَوْبه يَخْضع للمُراقَبة الأَمْنية ثُمّ يَكُون عُرْضة للاعْتقَال في أَوّل حَمْلة أَمْنيّة، ومَا أَكْثر هَذه الحَمَلات في سُورية. فَزجّ بالآَلَاف لمُجرّد الهَيْئة فَمَا بَالَك بمَنْ يَتبنّى الفِكْر السّلفيّ، والوَيْل لمَنْ يَقْتني كُتُب ابْن تَيْميّة وابْن القَيّم الجَوْزيّة فتلْك جَريْمة لا تُغْتفر، ولَيْست حَادثةُ صَرْف مئَات المُنقّبات منَ التّدْريس ببَعيْدة حَيْث لَمْ يَجْرؤ أَحدٌ منَ العُلَماء التّفوّه بكَلمَة وَاحدَة، كُلّ هَذه المُمَارسات أَسْهمت بزيَادَة النّار تَحْت الرّمَاد.
جَاءَتْ الثّوْرة السّوريّة لتُخْرج هَذه النّار منْ تَحْت الرّمَاد، لكنّها كَانتْ نَاراً هَادئَة مُفيْدة تُعبّر عَن التّنوّع في المُجْتمع السّوريّ، لكنّ ارْتفَاع وَتيْرة البَطْش والقَمْع الدّمويّ والحَشْد الطّائفيّ الذي قَامَ به نظَام الأَسَد أَدّى لجَذْب تيّارات سَلفيّة مُتشدّدة غَريبَة عنِ المُجْتمع السّوريّ الذي لَمْ يَعْرف سِوى السّلفيّة المُعْتدلة (مُحبّ الدّين الخَطيْب نَمُوذجاً) وللأَسَف بَدَأ الخَارجُ بدَعْم السّلفييّن الوًافديْن المُتشدّدين، وتَرَك السّلفيّين السّوريّين المُعْتدلين يَتوسّعُون دُون دَعْم يُذْكر، فَخفّ بَريْقهم مَع الزّمَن وفَقَدوا جَاذبيّتهم، فالحُرُوب لا تَسْمح إلاّ للمُتشدّدين وللمَدْعومين بالبَقَاء حَيْث تَلْعب مَوازينُ القُوّة دَوْرها عنْدَما يَغيْب مِيْزان العَقْل والمَنْطق.
وبخُطْوة خَاطئَة للأَسَد أَفْرج عَنْ أَصْحاب التّيار السّلفيّ دُون تَمْيّيز بَيْن مُتشدّد ومُعْتدل ليَسْتخدمهم وَرَقة إعْلاميّة، ولنَجَاحه بتَجْنيد بَعْضهم. أَدّى ذَلك لرَفْد التّيار السّلفيّ برجَال أَصْبحوا قَادَة، وبمُرورِ الوَقْت مَالَ الكَثيْر منْهُم نَحْو التّشدّد، وقَدْ يُعدّ ذَلك طَبيعيّاً إذا نَاقَشْنا الظّرُوف المَوْضوعيّة للثّوْرة السّوريّة، وتَشَابك العَلاقَات الدّوْليّة بهَا.
وهُنا كَاَن الأَسَد يُدْرك حَجْم قُوّة السّلفيّة الجهَاديّة، ويَظنّ أنّ بإمْكَانه ضَبْط إيقَاعَها، فَكَان لَهُ شَبَكات اسْتخْباراتيّة في أَوْسَاطهم، وكَانَتْ اسْتخْباراته تَعْرف تَقْريباً كُلّ المُجَاهدين الأَجَانب والعَرَب الذين كَانُوا يَتوجّهُون للعِرَاق، فالمُهرّبُون كَانُوا مُخْبرين سريّين يَعْملون لصَالِح النّظَام يُزوّدونَه بأَسْماء وجِنْسيات الجَميْع، وظَنّ أنّ لعْبَه بهَذه الوَرَقة في سُورية سَيَنْجح كمَا نَجَح في اسْتعْمَالها في العرَاق، وسَيَبْتزّ بهَا المُجْتمع الدّوْليّ.
لكنّ اسْتمْرار الثّوْرة دُون نَصيْر أَوْ مُعين هَيّأ الفُرْصة لجَذْب مَنْ يَحْملون فكْراً جهَاديّاً منْ كُلّ دُوَل العَالَم، وانْخَرط هَؤُلاء في المُجْتمع السّوريّ، وعَاشَروا السّوريّين، وانْخَرطوا مَعَهم يُقَاتلون الأَسَد ومَعَ مُرُور الأَيّام وَجَدْنا هَؤُلاء المُجَاهدين الأَجَانب يَتْركون تَنْظيماتهم الصّغيْرة وفَصَائل الثّوار ليَنْخرطوا في تَنْظيم الدّوْلة الإسْلاميّة لكَوْنه كَان أَكْثر التّنْظيمات تَنْظيماً وتَبنيّاً للفِكْر الجهاديّ العَالمّي الذي كَانُوا يُؤْمنون به قَبْل مَجيْئهم.
وقَدْ أَصْبح هَؤُلاء المُجَاهدون العَرب والأَجانب نُواةً ومَصْنعاً للسّلفيّة الجهَاديّة المُتشدّدة التي لَمْ تَسْتطع السّلفيّة الجهَاديّة المُعْتدلة الوُقوفَ في وَجْهها، وانْخَرط الآَلاف منَ السّوريّين في صُفُوف تَنْظيم الدّوْلة الإسْلاميّة، ومَاتَزال أَعْدَاد المُنْتسبين في ازْديَاد، ومَنْ يُنْكر ذّلك كأنّه يُنْكر وُجودَ الشّمْس في ظَهيْرة آب.
تَحوّل هَؤُلاء المُجَاهدون، لا سيّمَا الأَجَانب، لمَصَانع ووَسَائل دعَايَة للسّلفيّة الجهَاديّة المُتشدّدة في كُلّ أَنْحاء العَالَم، فالبريطَانيّ الذي جَاءَ منْ بريطانيا لَهُ أَصْدقاء وأَقَارب وأَحْباب بريطانيّين يَحْملون فكْراً يُشَابه فكْرَه، ولا شَكّ أَنّه يُحدّثهم عَنْ حَلَاوة الجهَاد ومُتْعته، فَيُرغّبهم بالقُدُوم لسُورية والعرَاق وهَكَذا تَسْتمرّ السِلْسلة بالتّوسّع، ولا نَنْسى أنّ النّاسَ تَسْتمع للتَجْربة الشّخْصيّة وتُصدّقها، ولا سيّمَا إذا كَانَ لصَاحب التّجْربة (كاريزما) ومصْدَاقيّة فَعنْدَها سَيكُون تَأْثيره مُضَاعفاً، وسَيَجْذب العَشَرات، هَذا بالنّسْبة لغَيْر السّوريّين والذين تَجَاوز عَدَدهم الآَلَاف، نَاهيْك عَن السّوريّين الذين كانُوا بالأَمْس طُلّاب جَامعَات وعُمّال ويَافعيْن يَعيشُون الحَيَاة كَمَا هي يَدْرسون ويَعْملون ويَسْهرون ويَلْعبون الكُرَة ويُشجّعون فُرَقهم الرّياضيّة، انْخَرط قسْمٌ كَبيْرٌ منْهُم بالجَيْش الحُرّ نَتيْجة ظُلْم وبَطْش الأَسَد وانْبَهر بَعْضهم بالهَالَة الإعْلاميّة التي تَتخذّ الدّينَ شعَاراً لَها ليَنْضموا لتَنْظيم الدّوْلة، أمّا اليَافعيْن فَمَا زالُوا يَنْضمّون للتّنْظيم بأَعْداد كَبيْرة تَحْت تَأْثير سِحْر القُوّة التي يُظْهرها التّنْظيم وقُدْرته عَلى العَزْف عَلى وَتَر العَاطفَة، فانْضمّ في أَيْلول المَاضي أَكْثر من 6000 عُنْصر جَديداً وفي شَهْر تشْرين الأَوّل/أكتوبر عَددٌ قَريْبٌ منْ هَذا العَدَد أَصْبحوا في نَظَر العَالَم إرْهَابيين جُدُد.
لَقَد أَصْبحتْ سُورية مَصْنعاً خَصباً للسّلفيّة الجهَاديّة، وتُسْهم كُلّ دُوَل العَالَم ولا سيّمَا الكُبْرى بتَوْفير المَوَاد اللّازمَة، والظّرُوف المَوْضوعيّة للإنْتَاج، وسَيأْتي اليَوْم الذي تُصدّر فيْه بضَاعَة هَذا المَصْنع للدّول التي دَعمَتْه ومَا زَالت، واسْتشْعَارها الآنَ للخَطَر لَنْ يَنْفعها شَيْئاً إذا لَمْ تَقُم بإزَالَة الظّرُوف المَوْضوعيّة التي أَدّتْ لإنْشَاء هَذا المَصْنع، فَيجبُ إزَالَة نظَام الأَسَد الذي وَفّر الأَرْض والظّرُوفَ المُلائمَة ومَنْح شَهَادات التّرْخيص، كَمَا يَجبُ إنْهَاء المَظَالم التي تَعرّض لَها الشّعْب السّوريّ ودَفَعتْ وتَدْفع الكَثيْرين لسُلُوك التّشدّد ومُحَاسبة المَسْؤولين عَنْها، ولا نَنْسى وُجُوب دَعْم مَصَانع الاعْتدَال، وغَيْر ذَلك عبَارةٌ عنَ كِتابَة ذِكْرى عَلى رِمَال الشّاطِئ.

حنطة2224

برومو الشهيد ناجي الجرف