جرن حنطة

الدّور التّركيّ في الثّورة: مصْلحة أم احْتضان؟

محمد الحاج

تركيا ونصائحها للأسد
العَلاقة الرّسميّة بيْن «أردوغان والأسد»وُصفت بالجيّدة قَبْل انْدلاع الثّوْرة السّورية، حيْث كانَ يتمّ تبادلُ الزيارات بشكل مكثف بيْن الطرفين، وبُدِء بالتّعاون الاقْتصاديّ بشَكْل فعّال، كَما فُتِحت الحدودُ أمام الشّعبيْن دونَ «فيزا» في الأعْياد.
وبِسبَب تلْك العَلاقات الجيّدة، وقُبيْل انْطلاق الثّوْرة السّورية، ومَعَ بدايةِ الرّبيع العربي، توجّهت الحُكومة التّركية مُتمثّلة بـ «أحمَد داوود اُوغلو» إلى «الأسد» طالبةً منْه إجراءَ إصْلاحاتٍ فِعْلية، وحَسْب تَصْريحات «اُوغلو» فإنّ الأَسد تَقبّل تِلْك النّصائِح بصَدْرٍ رَحبْ، ولكنْ ما إنْ بَدَأت المُظاهَرات ضدّ النّظامِ الحَاكِم،حتّى سَارَع كلاً من «اُوغلو وأردوغان» بدَعْوة «الأسد» إلى تَلْبية مَطالب المتظَاهرين وتجنّب العنْف مَعَهم ، إلاّ أنّّ «الأسد» رَفَض ذَلك مؤكّداً أنّه سيُلاحِق فُلولَ الإرْهابيين في جَميع أنْحاءِ سورية.
دور تركيا في الثورة السورية
مَع رَفْض «الأسد» للنّصائحِ التّركية، وتَزايد أَعْداد الضّحايا على يَد نِظامه، بَدأتْ لهْجةُ تركيا تتغيّر، وانْحازَت لجانبِ الشّعْب السّوريّ مُؤكّدةً أنّ الذي يَجْري بسوريا هي مُظاهَرات شَعْبية عَفوية تُطالب بالحُرّية والكَرامة، وليْست مؤامرةً دوليّة على النّظام السّوريّ، ولذَلك بَدأتْ تُركيا بإطْلاق بَعْض التّصْريحات النّارية ضدّ «الأَسَد»، لتَبْدأ باسْتقْبال المُنْشقين عَن الجيْش التّابع للنّظامِ الحَاكم، وبَعْض المُعارضين المَطْلوبين منَ الأَفْرع الأَمْنية إلى أنْ اسْتطاع الجَيْش الحُرّ السّيْطرة على الشّريط الحُدوديّ السّوريّ-التّركيّ بمُساعدة «غيْر واضحَة الملامِح» منْ قِبَل تركيا، لتَفْتح تركيا حُدودَها بشَكْلٍ كاملٍ ونهائيّ أمامَ اللّاجئين السّوريين وغيْرهم منَ الصّحفيين الأجَانب وتَسْتقبل ما يَزيد عَنْ مَلْيون لاجئٍ سوريّ على أَراضيها.
حَاوَلتْ تُركيا أيْضاً أنْ تَكون المَرْكز السّياسيّ للمُعارضَة السّوريّة حيْث تَشكّل المَجْلس الوَطنيّ على أراضيها، واسْتقْبلت بعْد ذَلك الائْتلاف الوَطنيّ السُّوريّ، إضافةً إلى الحُكومة السّورية المُؤقّتة مَع السّماح لَهُم بالاجْتماعات على الأَراضي التّركية، وإقَامَة مَقرّاتهم هُناك، وتَأْمين الحِمَاية اللّازمة لبَعْض الشّخْصيات السّياسيّة السّوريّة. وَلمْ تَكْتفِ تركيا بذَلك، بلْ أيْضاً سَمَحت بإقَامة دَوْرات إعْلاميّة وإغاثيّة وطبيّة … الخ للنّاشطين السّوريين محاولةً تًقْديم جَميع أَنْواع الدّعْم للشّعب السّوريّ وكَسْب تَأْييدهم.
مَعَ جَميع تلْك المَحاسن التي ذُكِرت سابقاً، نَرى سَلْبيات أَعْمانا عَنْها الصّدْر الرّحب التّركيّ، فَفتْح الحُدود التّركية-السّورية أدّى إلى فَلَتان أَمْنيّ هُناك دون ضَبْط منَ الجِهة التّركيّة، ممّا سمحَ بحَسْب كثيرٍ منَ السّياسيين والنّاشطين بمُرور «الجهاديين» كعَنَاصر «جبهة النّصْرة وتنْظيم دوْلة الإسْلام» اللّتيْن أضرّتا بالثّورة السّورية كثيراً.
ولكنْ هلْ تقومُ تركيا بكلّ تلْك الأَعْمال لوَجْه السّوريين، أمْ لأنّ مَصَالحها دَفَعتْها لتَقف إلى جانب الثّوْرة كمَا دَفعَت المَصالح روسيا وإيران للوُقوف بجَانب الأَسد.
مَصالح تركيا
التّدخّل التّركيّ في الثّوْرة المُسّلحة كانَ واضِحاً، فالجميعُ باتَ يَعْرف كَيْف اسْتطاع الجَيْش الحُرّ السّيْطرة على مَدينة كَسَب المُحاذية للحُدود التّركيّة بيْن لَيْلة وضُحَاها، فلَوْلا فَتْح المَعْبر الواقعِ في الشّمَال الغَرْبيّ السّوريّ أمَامَ الثّوار وتَقْديم الدَّعْم المَدْفعيّ لَهُم، لمَا اسْتَطاع الجيْش الحُرّ آَنَذاك السّيْطرة عَلى المَدينة، وأَيْضاً بيْن لَيْلة وضُحاها انْسَحب الجيْش الحُرّ منْ هنَاك بَعْد إيقافِ الدَّعْم التّركيّ والأَوَامر التّركيّة التي أَذْعن لها الجيْش الحُرّ آنَذاك.
التّدخّل التّركيّ في السّياسة المُعَارضة باتَ واضِحاً جدّاً، في الانْتخابات الأخيرة لرئاسة الحُكومة المؤقّتة فَبَعْد إقَالة رئيس الحُكومة السّابق أحْمَد طعْمة المَحْسوب على الدّوْحة وأَنْقرة، أُعيدَ انْتخابُه منْ قِبَل الائْتلاف بأَغْلبية سَاحقة تَجَاوزت 96% من الأَعْضاء المُصوّتين بأَمْر مُبَاشر من الأَخيرتَيْن وتَهْديدات قَطَرية بقَطْع المُسَاعدات عنْ الائْتلاف في حَال عَدَم فَوْزه.
تركيالها مَصالحها وطُموحاتها، وهَذابالسّياسة أمْرٌ مُباح وطَبيعيّ، لذَلك يَجب عَليْنا أنْ نُدْرك أنّ تُركيا «العلْمانيّة»تَعْمل كَدوْلة وقَرَاراتها المصيرية تُتخذ بإِجْماع رجال الدّوْلة، ولَيْس بقرارٍ مُنْفردٍ منْ رئيسِ الدّوْلة أوْ رئيسِ الحُكُومة.
كلّ الضّغوط التي تَتعرّض لها تُركيا منْ دُوَل غَرْبية ووسَائل إعْلام عربيّة وأَجْنبية، وضَغْط داخليّ منْ قِبَل الأَكْراد للتدخّل في عيْن العَرب، لَمْ يَنْفع معْ تركيا والتي باتَتْ دَوْلةً قويّة لها وَزْنها، فشُروطها واضِحة: إقَامة مَنْطقة عازلةٍ لأَهْداف –ربّما- إنْسانيّة «مَعْ تَحفّظي الشّديد عَلى وُجود أَهْداف إنْسانيّة في السّياسة» ولربّما لأَهْداف جيو-سياسيّة واقْتصادية، كضَمَانات بِعَدم قيامِ أيّ كَيانٍ كرديّ في الشّمَال السّوريّ، وزيادَة نُفوذها اقْتصادياً بَعْد سُقوط النّظام، ولربّما لأَهْدافٍ لمْ يُعْلن عَنْها وما تَزال مَخْتومة بخِتْم «سرّي للغاية».
«مُحْي الدّين مَحْروس» يَرى أنّ مُطالبة «أرْدوغان»بمَنْطقة عازلة لَيْست إلاّ لكَسْب التّأييد الشّعبيّ فـ «أردوغان» يعْلم جيّداً أنّ مَنْطقة الحَظْر الجَويّ، أوْ المَنْطقة العَازلة تَحْتاج لقرارٍ منْ مَجْلس الأمْن وبوجودِ الصّين وروسيا في مَجْلس الأَمْن يَسْتحيل هَكذا قرار، ويَفْترض «مَحْروس» أنّ المُوافقة تَمّت على إنْشاء المَنْطقة العَازلة، فَما هي إلاّ لتَوْسعة حُكْم تركيا أكْثر وامْتداد حزْب الإخْوان إلى المَنْطقة العَازلة لإدَارتها، وبالتّالي وبشَكْل «أوتوماتيكيّ» يَنْتقل الإخْوان إلى السّلْطة في دمشقَ بَعْد سُقوط الأَسد.
إلى الآن لمْ تُحقّق تركيا أيّة مَكَاسب قَوية تُعَادل ضَريبة عَدَم الاسْتقْرار السّياسيّ التي تَسبّب بِها مَوْقفها الوَاضِح منَ الوَضْع السّوريّ، ولذلك تركيا حتّى هَذه اللَحْظة تُقاوم وتُحَاول أنْ تَحْفظ بَعْض المَكَاسب لها منْ خِلال التّدخّل في تَعْيين رئيس الحُكومة أو الائْتلاف، وتَفْرض شُروطاً تُؤمّن لَها المَكَاسب، هَذا عَدا صَيْرورة أَمْر إسْقاط الأسد إلى أمرٍ شَخْصيّ يتعلّق بـ «أردوغان».
أخيراً، هلْ تركيا كانتْ إيجابيّة للثّورة السّوريّة أمْ سَلْبية؟ الجَواب نسبيّ لهذَا السَؤال،فإلى الآن الأَجْوبة ستَكون عَاطفيّة وتَحْليليّة أَكْثر ممّا تَسْتند إلى الوَقائع وغيْر مُحايدة، أَعْتقد أنّه سَتنْكشف مَآرب تركيا بشَكْلٍ واضحٍ بَعْد سُقوط النّظام الحَاكَم في دمشق.

حنطة2225

برومو الشهيد ناجي الجرف