جرن حنطة

عن إشكالية الوطن معتقلاً أو نازحاً

عباس علي موسى

إنّ مراجعة سريعة لتاريخ سوريا البعث ترسم خطاً واضحاً لمنجز البعث الأساس؛ ألا وهو صناعة الإنسان السوري على شاكلته ومقاسه، ورؤاه التي يعتقد بها، بعد أن ينفخ فيه من رسالته في الوحدة والحرية والاشتراكية، أما عن رسالته في الوحدة فلم يقدّم سوى مشاريع فاشلة؛ بعد أن دمر نفسية الإنسان السوري، ومحق كلّ القوميات والمكونات الأخرى، في سبيل فكرة الوحدة العربية التي فشل فيها أيّما فشل، ويتذكر السوريون الذين عاصروا تلك الفترة خيبتهم إبان الوحدة مع مصر، والمحاولات الفاشلة الأخرى مع العراق وليبيا…
وذلك لسبب بسيط وهو أن الحزب لم يسع إلى توحيد سوريا، بل إنّه دمّر كل ما كان من شأنه توحيد الخارطة السورية، فكان أن ربط العلم السوري بعلم البعث، وكان من ذلك أيضاً أن أقحم كلمة (العربية) بين الجمهورية والسورية، ضارباً بعرض الحائط التنوع السوري، واستلب الوطن من أصحابه، وسعى إلى بناء جمهورية البعث، وكرّس جمهورية البعث لتكون جمهورية الأسد، فهي دولة الأسد والحصن المنيع في وجه كلّ آفات العدوان الصهيو-أمريكي!
لقد نجح الأسد الأب في تدمير الهوية الوطنية، فالبرلمان السوري الذي كان يضمّ تحت قبّته أصوات السوريين الحقيقية، الذين قاوموا الفرنسيين في خندق واحد، صار بعد استلاب الأسد للوطن مجرّداً من معناه، فالبرلمان في عهد الأسد لم يأوِ غير دمى تصفّق لكل شاردة وواردة، على لسان ملهم الإنسان السوري وقائدها إلى المستقبل، المفدّى حافظ الأسد!
لقد كرّس البعث أيضاً فكرة المركزية المطلقة، فربط كلّ الحياة السياسية والثقافية…بالعاصمة دمشق، لكنّها ليست دمشق الجمهورية السورية بل دمشق الحديثة قلعة الصمود والتصدي، دمشق الأسدية التي تمشي فيها السيارات على أشلاء المعتقلين؛ حيث يقبع تحت شوارعها وأسواقها أشهر المعتقلات صيتاً كالذي في ساحة العباسيين.
كانت دمشق أيضاً معتقلاً كبيراً، فيها قضى الحالمون بالغد السوري الجميل جلّ شبابهم، فسترى ببساطة كيف أنّ أي معتقل سياسي قد قضى 20 عاماً في المعتقل أو 25 عاماً بكل بساطة فقط لأنه عمل في الجهة المقابلة، أو أنّه طرح فكرة ما، كما في حال المعارضين لمشروع البعث، أو كما في حال المعتقلين الكرد الذين كانت تُهَمُهم جاهزة؛ في النيل من هيبة الدولة والحاقها بدولة أجنبية!
وكم منهم قد قبع في السجون المعتمة، فقط لأنّه كان يعلّم اللغة الكردية التي جبله الله عليها!
لقد نجح الأسد الأب في تدمير الإنسان السوري وتشويهه، وخلقه على شاكلته، وأطفاً نوره أو كاد، وأورث كلّ هذه البلاد بما فيها وما عليها للأسد الابن الذي تبنى التطوير والتحديث كأسلوب لإدارة البلاد، وسرعان ما اكتشف أنّ ما ورثه من الأب لم يكن إلا وطناً معتقلاً معتماً، لا ينبغي أن تعيد إليه نوره، لذا فقد أمعن في أساليب الحكم السابقة، وجاء الامتحان الصعب ليَخبر بنفسه أدوات القمع التي خلّفها والده، فكانت الثورة السورية خير مثال يظهر بالضبط معنى دولة الأسد، التي عمل عليها الأب لعقود.
الوطن معتقلاً من جديد، الوطن كحلم
في الثورة السورية وقف، ويقف، السوريون أمام احتمالات ثلاث، إمّا الاعتقال أو الاستشهاد، أو الاستمرار كمعادل للانتصار، فديمومة الثورة هي انتصار لها، بعد أن وقف العالم متفرجاً أمام المشهد المتا- تراجيدي للقتل الجماعي الذي يمارسه الأسد وأمام مشاهد النزوح الجماعية للسوريين، حتى أنّ السوريين نصبوا أوطاناً عديدة في الجوار، لكّنها أوطان لا تحمل معها ثيمة المكان/ الوطن، وهل ترك الأسدان للوطن معنى يستشعروه.
وما الذي تركه الأسد من مفهوم الوطن، لقد وهبت الثورة للسوريين صدمة المعنى من الوطن، فالنازحون والمعتقلون والشهداء والمستمرّون وحدهم من وعوا فكرة الوطن، لكنْ شهيداً ومعتقلاً.
إنّ الوطن بالنسبة للسوريين أتى لاحقاً على الثورة، وتكوّن كفكرة في وعيهم عبر الأسئلة التي طرحوها على أنفسهم، ولم يكن آخرها الوطن، حول ماهيته وكينونته وعلمه الوطني، لذا ربما قبل السوريين علم الاستقلال كمعبّر عن ثورتهم دون أن يقيموا لذلك اجتماعاً، ولذا تداولت النقاشات حول الجمهورية السورية كعودة بالوطن إلى فترة الاستقلال حيث الجمهورية السورية كمعبّر عن هذه الجغرافية المترامية ما بين درعا وديريك في أقصى الشمال الشرقي من البلاد.
إن الحرية والكرامة كمطلبين رئيسين للثورة ضمت بين جوانحها كل مفاهيم الوطن والمواطنة، حتى وإن افتقدت في بعض جوانبها إلى التنظير، عودة بها إلى بساطتها، فربما لن يستطيعُ رجلٌ استشهد أبناؤه ودمّر منزله، وتشردت أسرته أن يجلس ويقدّم لكَ تنظيراً عن مفاهيم الثورات وكيف ينبغي أن تكون، لكنه يستطيع أن يطلب حقّه في الحرية والكرامة والعيش بأمان ببساطة، ومن يتتبّع الفيديوهات والشهادات ويافطات التظاهرات وغيرها الكثير مما خلّفته وتخلّفه الثورة بإمكانه أن يبني عليها ما نظّر به فولتير عن الثورة الفرنسية، لأنه ثمة أشياءُ تأتي لاحقاً.
حين توثّق الكاميرا حركة النزوح
تحملُ الكاميرا في عقلية السوري ألماً مضاعفاً فهي توثّق مشاهد الفظاعة ومشاهد النزوح على حدود دول الجوار، وهل ما حدث في كوباني مؤخراً على الحدود التركية إلاّ إعادة لمشاهد النزوح السورية، صور كثيرة التقطها الصحفيون والنشطاء تحملُ معها غبار قرى وأرياف كوباني وهم يفرّون بما تيسّر لهم من وطن مكسّرٍ لم يستطيعوا أن يعيشوا فيه بكرامة.
صورة تبدو فيه امرأة وهي تطلق استغاثاتها إلى السماء، صور عديدة، معظمها تبرز الوجوه وهي تنظر صوب السماء وكأنّها تعيد النداء الذي رفعه السوريون مراراً «يا الله، مالنا غيرك يا الله»، صور أخرى تحمل من الغبار بقيّة الوطن، الكلّ يجري بغير هدى، لا يبدو أن الكثيرين من العالم باتوا يلتفتون إلى مآسينا، وعلى الشريط الحدودي الذين دخلوه عنوةً لكثرة ما تضخّم الألم على وجوههم تنبثق المأساة ملونة، وهل ينبغي التردد في استقبال هؤلاء الذين نزحوا من بلادهم؟!
لم يعد السوريُّ مرحّباً به في دول الجوار، لأنّه يحملُ لعنته السورية معه أينما حلّ! كذا يقولها الآخر في استقباله الجاف.
وهل يقوَ السوريُّ بعدُ على حمل اللعنة، إن كان بالكاد يحملُ على كتفيه حلمه بالعودة، واسمه، وثيابه التي تثقل كتفيه التي أصابها الجفاف.

حنطة2226

برومو الشهيد ناجي الجرف