جرن حنطة

أين النخب العربية؟

عبد القادر العبيد

كُلّ المُجْتمعات في العَالَم تَنْقسم إلى طَبَقات، فنَجد طَبَقة الفُقَراء، وطَبَقة الكَادحيْن، وطَبَقة صغَارُ الكَسَبة، وطَبَقة المُتعلّميْن، وطَبَقة التّجَار، وطَبَقة الأَثْرياء أوْ مَا يُسمّى بالطَبَقة المُخْمليّة، ويُضَاف إلى تلْك الطَبَقات في دُوَل العَالَم المُتقدّم طَبقةٌ تُسمّى «طَبَقة النّخْبة»، فالبَعْض يَظنّ أنّ النّخْبة هُم الأَثْرياء، أوْ السّياسيّيْن أوْ المُثقّفيْن، وفي وَاقعِ الأَمْر، فإنّ هَذا التّوْصيْف غَيْر دَقيْق بالمَعْنى الفعْليّ للكَلمَة، فالنّخْبة هيَ الطَبَقة المُبْدعة التي تُقدّم شَيْئاً مُميّزاً لا يُمْكن لإنْسَان آَخَر تَقْديمه، وكُلّ شَخْص يُقدّم عَلى حَسْب اخْتصَاصه، فَقَد يُقدّم لَنا شَخْص مَا اخْتراعاً في عُلوم الذّرة فَيَكون منَ الطَبَقة المخْمليّة، وشَخْص آَخَر يُقدّم لَنا اخْتراعاً في عُلُوم التكْنولوجية فيُصْبح من النّخْبة، وثالثٌ يُحرزُ انْتصَاراً سيَاسيّاً أوْ عَسْكرياً مُميّزاً، فيُصْبح من النّخبة. وهَذا يَعْني أنّ النّخْبة لا تَقفُ عنْدَ اخْتصَاصٍ أوْ عنْدَ فَقيْر أوْ غَنيّ، ولا عنْدَ قَائدٍ أوْ مَرْؤوس، فَأَصْحاب الأَدْمغَة مَوْجودين في كُلّ مَكَان، وفي كُلّ الاخْتصَاصات، وهُمُ السّبَب في تَقدّم البَشَريّة، ولَوْ أنّ النّخْبة تُخْتصَر في شَخْصيات الأَثْرياء والقَادَة لمَا وَصَلنا إلى هَذا التّطوّر والتّقدّم، ولَكن مَا سَبَق ذكْره مَا كَان إلاّ مُقدّمة لطَرْح عدّة أسْئلة تَخْطر عَلى بَالنا جَميْعاً: أَيْن هي النّخبُ العَربيّة؟، وهَلْ توجَد طَبَقة نخْبة في البُلْدان العَربيّة؟، واذا لَمْ تَكُن هَذه النّخْبة مَوْجودة، فَمَا السّبَب في انْقرَاضها؟، وهَلْ يُعْقل أنّ ثَلاثة مائَة مَلْيون عَربيّ كُلّهم رَعَاع ولا يُوجَد فيْهم شَخْصٌ وَاحدٌ يُدْرج اسْمُه في لَوائحِ النّخْبة في العَالَم؟، وهَلْ الطَبَقات المُخْمليّة في العَالَم العَربيّ تُسمّى نُخْبَة المُجْتمع، أمْ هي مُجرّد طَبَقة منَ الطّبَقات المُتَواجدة في أيّ مُجْتمع آخَر؟.
لكَيْ نُجيْب عَلى هَذه الأَسْئلة لابدّ لَنَا أنْ نُوضّح شَيْئاً مُهمّاً نَسْتنْتج منْ خِلَاله الإجَابَة بأَنْفسنا، ألاَ وهُو مَاذا تَعْني كَلمة «رُعَاع».
قَدْ يَرى البَعْض أنّ كَلمَة رُعَاع هيَ كَلمَة ثَقيْلة عَلى المَسَامع، وقَدْ يَظنّها البَعْض الآخَر كَلمَة تَحْمل الإسَاءة لقِسْم كَبيْر منَ النّاس، وفي الحَقيْقَة أنّ كَلمَة رُعَاع تَعْني «عَامّة النّاس»، ولا يُوجَد فيْها َما يُسيء عَلى الإطْلاق، فالله خَلَق النّاسَ جَميْعاً منَ الطّيْن ومَيّز البَشَر عَنْ سَائر خَلْقه بالعَقْل، وميّز النّاسَ عنْ بَعْضهم بالتّفَاوت، فَنَحْن نُلاحظُ أنّ التّفَاوت مَوْجودٌ في سَائر خَلْقه، فنَجدُ الطّويلَ والقَصيْرَ والأَقْصر، ونَجدُ الأَسْمَر والأَبْيض والأَسْود، ونَجدَهم جميْعاً لا يُشْبهون بَعْضهم في الخِلْقة حتّى ولَوْ تَشَابهوا بالطّوْل أوْ في الوَزْن، وكَذَلك هي العُقُول، فَقدْ خَلَق الله العُقُول مُتفَاوتة، ومَنَح لكُلّ إنْسَان حُدوداً يُفكّر بها، ومَيزّ بَعْضهم بالعُقُول الرّاجحَة، كَما مَيّز غَيْرهم بجَمَال الخِلْقة أوْ بالثّراء، وهُنا نَصلُ إلى مَعْنى كَلمَتيْ نُخْبة ورُعاع، فكُلّ مَنْ مَيّزهم الله بالعُقُول المُبْدعة نُخْبة، وكُلّ سِواهُم رُعاع، حتّى ولَوْ كانَ ثرياً أوْ جَميْلاً أوْ طَويْلاً أوْ قَصيْراً.
إذاً، كَلمَة نُخْبة تَخْتصّ بأَصْحاب العُقُول المُبْدعة فَقَط، والذينَ انْقَرضوا منَ المُجْتمعات العَربيّة، ليَحلّ مَحلّهم المُمثّل والمُلحّن والشّويْعر، وقَدْ أصْبَحنا نُلقّبَهم بالنّخْبة، والنّخْبة أبْعد مَا تَكُون عَنْهم، ومَا يُميّز الدُّول المُتقدّمة عَنْ دُوَل العَالَم الثّالث هُو أنّه في دُوَل العَالَم الأوّل نَجدُ أنّ النّخْبة هيَ التي تَقُود المُجْتمع، وهَذا هُو سرّ تَفَوقهم وتَقدّمهم عَليْنا، بَيْنما في المُجْتمعات العَربيّة، نَجدُ أنّ الرّعَاع هُمْ مَنْ يَقُودون المُجْتمعات، وإذا ما اصْطدَمتْ سيَاسَاتهم بأَفْكار النّخْبة نَجدُ هَذه النّخْبة إمّا في غَيَاهب السّجُون والمُعْتقلات، أوْ يُرحّلون إلى تَحْت القُبُور، أوْ نَجدَهُم مُوزّعيْن في دُوَل الشّتات. والدّليْل عَلى هَذا الكَلام هيَ الأَسْئلة التي تَتَوارد في ذهْن أيّ مُوَاطن عَربيّ، كَمْ منَ العُلَماء احْتَضنَتْهم أمْريكا وأوربا؟ وكَمْ منَ المُفكّرين خَرَجوا منْ بلَادهِم العَربيّة دُون عَوْدة، وحَازُوا عَلى مَنَاصب رَفيْعة في بِلَاد لَيْست بِلاَدَهم؟ وكَمْ منَ المُخْترعيْن تَمّ إعْدَامهم في البلَاد العَربيّة ولَمْ يَكُن لَهُم أيّ ذَنْب سِوى أنّهُم أرَادوا النّهْضة لبلَادهم، وقَدْ يُبرّر البَعْض بالقَوْل: «إنّ هَؤُلاء يَحْتاجون إلى إمْكَانيات أَكْبر منْ إمْكَانيات الدّوَل العَربيّة». و في الوَاقع هَذا الكَلَام عبَارة عَن هَراء لا يَخْرج إلاّ منْ أَفْواه الرُّعاع الذين يَحْتكرون المَقَاعد القياديّة، ويَقُولون هَذه العِبَارات كَيْ لا يَسْمحوا للنّخْبة بالظّهُور، فجَميْع الوَقَائع تُشيْر إلى أنّ العُقُول العَربيّة يَتمّ اسْتثْمارها في الدّول الغَرْبيّة ويَتمّ تَبنّي أفْكَارها بأَمْوال عَربيَة لكَيْ تَعُود بالنّفْع عَلى الغَرْبيّيْن وَحْدهم دُون غَيْرهم.
ولنُعْطِ مثَالاً بَسيْطاً عَلى شَخْصية نَالَت شهْرَة عَالميّة وَاسعةً، ولَكنْ بَعْد وَفَاتها، أَلا وهُو:
العَالِم السّوريّ «آبل ستيْف جوبز» مُؤسّس شَركة «آيْفون» الذي لَمْ يَكُن أحدٌ يَتخيّل أنّه سوريّ الأصْل ومنْ مُحَافظة حمْص تَحْديداً، لكنّه عَاشَ حَيَاته في أمْريكا، وآثّر عَدَم العَوْدة إلى بلادِه، لأنّه يَعْلم أنّه سَوْف يَكُون تَحْت تَسلّط الجَلَادين الذين لَنْ يُقدّروا عِلْمه وإبْدَاعه، ولَنْ يَجدَ في بَلدِه مَنْ يَتبنّى أَفْكاره ويُنَمّي عَلاقَته مَع الالكتْرونيات، فأَسّس شَركتَه في أمْريكا التي مَنَحتْه الرّعَاية والاهْتمَام حتّى نَمتْ وَكَبرتْ وصَار لَها اسْم عَريْق عَلى مُسْتوى العَالَم، وهَا نَحْن اليَوْم نُدْخل شَيئاً من إنْجَازاته إلى بُيوتِنا كَيْ نَسْتثمر شَيْئاً من فَتَات أَفْكاره، ولَوْ فكّر «آبل ستيف جوبز» العَوْدة إلى سُورية لكَانتْ نهَايته لا تَقلّ بَشَاعة عَنْ نهَاية البرُفيسور وعَالمُ الذّرة العراقيّ حَميْد خَلف العُكيْلي الذي أَمْسى هَائِماً عَلى وَجْهه في شَوارع بَغداد ولَمْ يَجدْ حتّى مَنْ يُقدّر علِمْه وإبْدَاعه.

حنطة2227

برومو الشهيد ناجي الجرف