خميرة

الاغتصاب والموروث الثقافي في أماكن النزاع

د.سوسن جميل حسن

في الوقت الذي تباد فيه معظم الشعوب العربية على أيدي قوى مختلفة، ويضحى بها برخص وفجور على مذبح الجشع والسلطة والسيادة، وتصير أوطانها ميادين صراعات دولية وإقليمية لتحقيق مصالح قوى إقليمية ودولية أيضاً، في غياب كامل للضمير العالمي وللإرادة الدولية في إنهاء هذه الصراعات، ينبثق كل حين حدث يتسيد الشاشات والمنابر الإعلامية، من بينها موضوع التحرش الجنسي في أماكن النزاعات.
لا بد أن التحرش الجنسي، أو الاغتصاب، هو سلوك بشري غير طبيعي، لكنه موجود خارج ظروف النزاعات إنما يتجلى بشكل صارخ وفادح في ظل هذه الظروف نظراً لتوفر الشروط المحفزة له، فهو شكل من أشكال العنف ولا بد أن يزدهر عندما يتصعد العنف، خاصة في لحظات الاستعار العاطفي أو الشعوري أو الانفعالي الجماعي.
في مجتمعات كمجتمعاتنا تحكمها ثقافة معينة بحمولات عديدة، تجعل من المرأة والأطفال كائنات ضعيفة، يمارس بحقها أشكال متنوعة من العنف بمباركة اجتماعية وتخاذل قانوني، من دون أن يُسأل الجاني أو يُحاسب، العنف مستشر في ثقافة المجتمع ويطبع سلوكهم، بل يمكن النظر إليه على أنه الوجه الطبيعي للحياة، فكم تتعرض المرأة للاستغلال والتقييد وانتهاك كيانها الروحي والجسدي؟ حتى إن أحد أهم الوسائل التي يمكن للشخص أن يهين بها خصمه أو غريمه هو أن يتناول أمه أو أخته أو ابنته بقائمة من الشتائم والألفاظ الفاحشة كلها تتركز حول مفهوم الاغتصاب، والاغتصاب الجنسي تحديداً، بل جعلوا من اللغة مطية تؤدي مفرداتها حمولة المعنى الكثيف بكلمة دالة وحيدة هي فرج المرأة.
ما يظهر من حالات تحرش جنسي، أو الاعتداء الجنسي الجماعي في بعض مناطق التمرد أو الصراع أو الاقتتال، ليس أكثر من تعبير انفعالي عنفي في ظل خصومات تقسم المجتمع، تزيد من ضراوتها الفتنة التي لها من يؤججها باستمرار، وتخلق العنف في مواجهات من هذا النوع يحدث بأشكال عديدة كلها ردود أفعل تحريضية تخفي وراءها، في اللاوعي الجمعي حوامل ثقافية موروثة ساهمت تاريخياً في صياغة العواطف والمشاعر، تزداد ضراوتها تحت تأثير الإحساس بالانتماء إلى المجموع، أو إلى الجمهور المحتشد الثائر الغاضب، فيصبح الفرد أكثر جرأة، بل وتهوراً بسبب انعدام المسؤولية والإحساس بالفردية التي تنحي مشاعر الخوف أو الدونية، وبالتالي فإن المشاعر البسيطة التي يمكن أن يشعر بها الإنسان في الحالات العادية مثل النفور أو الرفض يمكن أن تتحول في هذه اللحظات إلى حقد وغضب ورغبة في الانتقام من الآخر وإذلاله باغتصابه أو باغتصاب رموزه. لذلك كان الاغتصاب أمراً واقعاً وشائعاً في ميادين الصراع، خاصة المناطق التي تشهد صراعاً يُدفع لكي يأخذ منحى الحرب الأهلية وذلك بتأجيج الفتنة المذهبية والطائفية، والعمل على مسخ الآخر المختلف وحيونته وبالتالي يصبح أمر اغتصابه معنوياً وفعلياً أمراً هيناً إذا لم يكن مطلوباً.
هي مشكلة نفسية لها جذورها العميقة في الوجدان الجمعي، هي على علاقة بشهوة العنف وفرض السيادة على الآخر الأضعف، بإذلاله، بإخضاعه، بامتلاك إرادته، بتعرية عجزه، ومن صاحب هذا الحق في الحيازة القسرية؟ إنه الذكر في ظل ثقافة ذكورية تمكنت عبر التاريخ بمباركة الأديان منذ أن أزيحت المرأة من مكانتها التي كانت تصل حد الألوهة في المجتمعات الزراعية التي تقدس الخصب. هذه المشكلة لا تُحلّ فقط بالقوانين الرادعة، هي مشكلة متجذرة في اللاوعي الجمعي، يلزمها فترة زمنية للسيطرة عليها وذلك بإصلاح الموروث الثقافي، والعمل على خلق بيئة صحية وسليمة كحاضنة للثقافة الجديدة، المشكلة تحتاج إلى رفع الغبن المطبق على المرأة بواسطة هذا الموروث، ووضعها في مكانتها الإنسانية وإكسابها شرف المواطنة من الدرجة الأولى مثلها مثل الرجل، أن يصاغ مفهوم آخر للجسد، أن يتم التصالح معه وتحريره من حمولات العرض والشرف والعفة والطهارة، أن تبدأ العملية الإصلاحية منذ الصغر، منذ أن يبدأ الطفل بتشكيل رموز وعيه وصياغة قاموسه المعرفي، من البيت إلى المدرسة إلى الشارع إلى العمل. إنه عمل مؤسساتي يحتاج الكثير من الجهد والصبر والإبداع أيضاً، وهذا في الوقت الحالي حلم مؤجل، فالمطلوب وبشكل إسعافي أولاً هو وقف العنف، ورفع الغبن عن هذه الشعوب والبدء بعملية سياسية من أجل التأسيس للمرحلة الأولى وهي تشكيل حكومات تمثل شعوبها وتبدأ بعملية البناء، لكن لا يُعفى أولئك الأفراد المحسوبون على شريحة النخبة، والثقافية تحديداً، من القيام بدورهم التنويري منذ الآن، هناك بعض من المثقفين الذين نصبوا أنفسهم آباء، روحيين وعضويين، لثورة الشعب السوري ارتدوا إلى جهلهم وأخذوا يحيون قيم وأعراف عصور الظلام والانحطاط الفكري والمجتمعي التي انتعشت تحت نير الاستبداد السياسي المهيمن على شعوبنا منذ قرون، بدلاً من إحياء مفهوم وأدبيات وخطاب المجتمع المدني، كما ادعوا سابقاً، فصارت نقاشاتهم وأطروحاتهم وكتاباتهم كلها تكرس عقداً جنسية مستوطنة لديهم اشتغل عليها الضمير الجمعي المستبد كمنتج لسلطة ذكورية تقوم على العنف وتكريس دونية المرأة، وبالتالي راحوا يعهّرون النساء انطلاقاً من هذا الحامل الثقافي بدلاً من الإتيان بحجج فكرية تفند السلوك البشري وتظهر الاختلاف وتقدم براهينها..
أين ضمير العالم مما يحصل لدينا؟ وهل الاغتصاب أو التحرش الجنسي هو وحده المشكلة الأساسية التي تتطلب حلا إسعافياً، أم إن هناك مشكلة أكبر تضع العالم والدول الضالعة بمصائبنا أمام سؤال التاريخ؟

حنطة2234

برومو الشهيد ناجي الجرف