خميرة

تغريبة فرج بيرقدار في سجون المخابرات السورية

د. حسان العوض

تعرض فرح بيرقدار لاعتقالين: الأول كشاعر من قبل المخابرات الجوية عام 1978 بسبب كرّاس أدبي شارك في إصداره مع عدد من الأدباء الشباب في جامعة دمشق.
والثاني كسياسي من قبل المخابرات العسكرية في 31/3/1987 بسبب الانتماء إلى حزب العمل الشيوعي. بعد ست سنوات من التوقيف أحيل إلى محكمة أمن الدولة العليا بدمشق «وهي محكمة استثنائية» فأصدرت بحقه حكماً بالسجن خمسة عشر عاماً مع الأعمال الشاقة والحرمان من الحقوق المدنية والسياسية، قضاها ما بين فروع الأمن وسجن تدمر الصحراوي وسجن صيدنايا العسكري.
ليست تغريبة فرج بيرقدار في سجون المخابرات السورية إلا واحدة من آلاف التغريبات السورية في سجون النظام الأسدي، ولا بد أنها تضاعفت بعد انطلاق الثورة السورية عليه.
في كتابه «خيانات اللغة والصمت» الذي صدرت طبعته الثانية عن دار الجديد مؤخراً، ينشر فرج بيرقدار نصوصاً مستوحاة من تغريبته في سجون المخابرات السورية.. وفي بداية الكتاب يعترف الشاعر الذي تطاوعه اللغة عادة، أن اللغة تخونه في توصيف الحيف الذي كان يحدث، ولكن الصمت (كان ولا يزال.. أكثر حيفاً وخيانة) ص5.
يتكون الكتاب من 18 نصاً أو شهادة مكتوبة بلغة أدبية رفيعة.. يتوزع في ثناياها الكثير من تفاصيل المعاناة الجسدية والنفسية التي يتعرض لها السجين السياسي لعل أبسطها الشتائم البذيئة التي تغدو على لسان المخابرات السورية من أدوات النداء.
في نص بعنوان «على شفا البصيرة» يقدم بيرقدار ما يشبه شرحاً لبعض المفردات التي وردت في النص، والتي هي بعض من وسائل التعذيب: الشبح على السلم- الفسخ- الدولاب- الكهرباء- الكرسي الألماني الذي يفضل الكاتب أن يسميه الكرسي النازي.
وفي نص «إلى الشرق» يروي الكاتب رحلته مع معتقلين سياسيين آخرين من فرع فلسطين إلى سجن تدمر حيث يتم استقبالهم بالسياط والكرابيج فيما يعرف بتسمية «التشريفة» التي لا تحمل من مسماها إلا النقيض.
ولعل أقسى الحكايات المؤلمة ما ورد في نص «دوائر ذات شهيق متصل» عن شرطي أحضر فأراً ميتاً وأجبر سجيناً على ابتلاعه من دون مضغ.
في نصه «تدمريات.. ما فوق سوريالية» يرسم الكاتب بالكلمات لوحات لا تنتمي إلى المدرسة السوريالية «ما فوق الواقعية» وإنما إلى المدرسة ما فوق السوريالية.. وقد سبق للشاعر فرج بيرقدار أن كتب في سجن صيدنايا عام 1993 قصيدة بعنوان «سوريا… ليات» منحوت لغوياً من كلمتي سوريا وسوريالي بصيغة جمع المؤنث السالم. وقد تم نشر القصيدة ضمن ديوانه «أنقاض».
اللوحة السادسة ترصد مشهد اقتلاع أذن سجين بالبانسه.
أما في اللوحة السابعة فيوجد عسكري يرفع مطرقة كبير «مهدّة» وينزل بها على منتصف العمود الفقري لأحد السجناء.
في نص «ستة عشر يوماً من الجمر» يروي الكاتب سير الإضرابات عن الطعام التي لجأ إليها مع زملائه السجناء اليساريين في سجن تدمر -حيث يبدو أن تقسيم معتقلي الرأي فيه يتم حسب انتمائهم السياسي- وذلك من أجل تحسين المعاملة، أو بشكل أدق: للتقليل من سوئها.. ويبدو أنها كانت تجدي أحياناً.. ويعلمنا الكاتب أن وضع الإسلاميين أكثر بؤساً (أما الباحات الأخرى التي تضم الإخوان المسلمين وبعث العراق وبعض التهم المتفرقة، فقد كان حالها أقسى وأكثر بؤساً وخطورة وتراجيدية) ص74.
في النصوص الأخرى نقرأ عن سجين نسي اسم أمه.. وسجين آخر زارته امرأة لأول مرة بعد أكثر من عشر سنوات على اعتقاله فاعتقد أنها أمه قبل أن تخبره (أنها أخته.. وأن أمه..!) ص170.. كما نقرأ عن سجناء اعتقلوا دون السن القانونية.. وفي نص «أغلى حلم في العالم» نقرأ عن سجين اعتقل بسبب (حلم ضبابي مشوش، فيه ما يشبه جنازة لمسؤول، أو عملية اغتيال، وربما انقلاب عسكري) ص122.
ضمن هذه الظروف التي يعيشها السجناء، من الطبيعي أن يروا في نومهم الكوابيس، ولكن في نص «قابلية مجنونة للعدوى» يكتب بيرقدار عن كابوس جماعي، وليس كوابيس فردية، ضرب أحد المهاجع ثم انتشرت عدواه إلى المهاجع المجاورة.
ينهي فرج بيرقدار كتابه بنص المرافعة التي تقدم بها أمام محكمة أمن الدولة العليا بدمشق، وينهيها بشكر أمه لأنها علمته (أن الحرية التي في داخلنا أقوى من السجون التي نحن في داخلها. ولهذا سوف تنتصر الحرية وتنهزم السجون) ص180.
في الذكرى السنوية الثانية لانطلاق الثورة السورية كتب الشاعر فرج بيرقدار قصيدة بعنوان «تشريقة» جاء في نهايتها (سآتي إلى حمصَ وحدي/ سآتي إلى حمصَ ألفا/ سآتي إليها حنان اًو زُلفى/ فحمصُ التي عمَّدتني/ وحمصُ التي أسلمتني/ يليق بها/أن أكون لها/ ألف حبٍ وحزنٍ ونهرٍ من الذكريات/ لتشفى وأشفى).
ما بين كابوس التغريبة وحلم التشريقة، ما زال فرج بيرقدار ومثله ملايين السوريين؛ فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر.

حنطة2235

برومو الشهيد ناجي الجرف