خميرة

عتاق، ومعتّق نبيدن!

الزير أبو جريدة

(أربعون عاماً، أربعون عاماً من النّضال..)
– كان أبو خالد مناضلاً قديماً، ثم عمل بالتجارة وبعد تقاعده أوى إلى كوخٍ على سفح إحدى الجبال في قريتنا حيث يمضي أغلب وقته بهدوء..
– هل تعرفه جيداً؟
– جلست معه عّدة مرّات قبل أن يصبح بالنّسبة لي إدماناً لا أقدر التّحرّر منه، كان جاراً لي، وروى لي كثيراً من قصصه..
– لو سمحت تتفضل معنا ساعة سؤال وجواب..
يخرج بكيس أسود على الرأس، ويغيب أسابيعاً لينتهي من السؤال والجواب، ثم يرجع بذات الكيس.. لتروي جروحه مذكراته التي خطها الجلادون على طول الأيام التي قضاها مشبوحاً (معلقاً) بسقفٍ من أسقف هذا الوطن الواسع.
– كان يحب الخلوة والهدوء، وساعده على ذلك منزلة الهادئ، ولكنني بحكم جيرته قررت أن أحصل على زيارة له مهما كلفني الأمر.. استغليت أنه يحب (العرق) وذهب إله حاملاً عرق الكلكه القروي اللذيذ.. عندما استقبلني بدا وكأنه على موعدٍ معي!
قبل أيامٍ من الإفراج عنه في إحدى الاعتقالات يأتينا خبرٌ من شاب شاركه الزنزانة..
-»أبو خالد وضعو تعبان..، في التحقيق يسب ويشتم إنهم يعانون بالسيطرة عليه.. أمس كان سيخرج، على باب السجن سألوه «رح ترجع تتظاهر؟» أجابهم بقرف: «سأتظاهر على باب سجنكم».. لو جاوبن (لأ) كان طلع!
وقال لنا أيضاً أنا كل من يقترب من غرفة التحقيق خلال جلسات أبو خالد يستطيع سماع صوت عظام جمجمته وهي تُخبَط على الأرض.. إنه هَرِمٌ من صوّان.
كانت الصور تتعاقب في مخيلتي واضحةً، كنت أستنشق عبيرها.. أخذني الشّرود لحظة وأحسست أن الزمن عاد بي إلى الكرسي المقابل لأبي خالد ومائدته المتواضعة بصحونها القليلة، رائحة صحن (الجعيفورة) المشهور بين ندامى العرق.. وسلطة الجرجير مع الثوم، رائحة خشب الطاولة الجافة ودوائر العرق تحت الكأس.. الصوت الصادر من المسجل الصغير ودخان سجائر أبو خالد، ذلك الرجل الجميل، كان وجهه مليئاً بأخاديد الزمن، أسمرُ البشرة، عيناه شهلاوان واسعتان بتعب، حنونتان بتعب، وتملؤهما الثقة بتعبٍ أيضاً، ويظهر جفناه كما لو أن جلدهما قد ارتخى بعد طول السنين، بينما حاجباه لم يبق فيهما الكثير من السواد، عقدتهما نتجت عن حالات عصبية لا نهائية في حياته، يغطي العقدة صفٌّ ناعمٌ من الشعيرات المتناغمة مع تجاعيد(كشّته) التي تتصالب بدورها مع تجاعيد أفقيّةٍ متوازيةٍ تغطي جبينه، بينما التجاعيد التي تنطلق من طرفي عينيه البعيدين حفرتها الساعات الطويلة التي قضاها تحت الشمس الحادّة.. ولا تنتهي سُمرة وجهه إلا عند بداية حدود لحيته المُهملة وشعرة الكثيف.. شيبٌ بشيب.. حتى صدرة يمتلئ بالشعر الأشيب.
– كاسك عمي..
-كاسك.!
– كم عمرك قلتلي؟
– عشرون عاماً.. (حاولت أن أنطقها بخشونةٍ علّها تصل لسمعه أربعين !..)
– هه.. كنت في عمرك عندما تطوعنا للحرب!
– سمعت أنك تقلدت وساماً
– انسى!.. باعوها العرصات!!
أبو خالد.. رجلٌ سردةْ.. إنه محاربٌ وسياسيٌّ قديم لم يستقل حتى (..) متيّمٌ بهويته السورية حتى الوله، ولم تكن الاعتقالات الكثيرة التي كان يتعرض لها خلال الثورة قادرةً على كسر همته، فهو يردد: عمي- ما حدا يقول رح نأجل مظاهر أو نلغي مظاهرة، التظاهر أهم شي!
موعد التّظاهرة كوقت الصلاة، لا يعرف الهَرَمُ والتّردد طريقاً إلى قلبه، ولا رسائل الخطر المبطنة في استعراضات الذكورة، وكان يحب أن يهتف بالشتائم التي طالت أرواح كل فراعين الماضي والحاضر.. رأيته مرةً يقف ببروده المُستفز وهو يجهز لفافة تبغه ويوزع نظرات الاستهزاء على كل من يبادله النظر، بارد كرياح الشمال، غاضب لحدّ التمتمة، كانت حركة شفتيه وشاربه توحي بأنه يجمع بصاقاً في فمه ليرميه في وجه أول شخص يتجه إليه.. لم أكن أعلم إن كان شُهل عينيه هو ما يجعلهم يعيدون حساباتهم تكراراً قبل التوجه إليه ومحاولة إخراجه من الميدان، أم بصقته التي قد تنطلق في أي لحظةٍ بوجه أي شخص قد يزعجه.. أم أنهم فعلاً يتعمدون عدم الاحتكاك بهؤلاء القدامى لصعوبة التوصل لحلٍّ معهم.. كان متجذّراً بالأرض يستظل بشجرة الكينا المشهورة، ويشعل سيجارته بهدوء، كانت أول مرةٍ أرى فيها سنديانة تستظل بشجرة كينا.. بينما تسود الفوضى المكان.
– كان صديقي منذ أمدٍ بعيد.. اختلفنا بوجهات النظر، ولكننا ما زلنا نشرب العرق معاً.. يقول إنه «يرى حراك الشعب للاختيار مابين الخرا.. والأخرا»، طيب ماشي بس لابدّ منو يا عيوني.. شو رأيك عمي؟؟
إنه يسألني رأيي! كنت أراقب يديه السميكتين وكرشه! راودتني ضحكةٌ لم أضحكها، لا تضحك في حضور الكبار على طاولة الندامى إلا في الوقت اللازم للضحك، وإلا ستقضي بقية حياتك تثمل في الزقاقات وحدك!
– لابدّ منه عمي..!!
أخوة الحفيانة.. باعوها.. نحن تعبنا عمي، نحن عبءٌ عليكم، أفكارنا صارت بالية ومكررة، اتركونا خلفكم فلستم بحاجةٍ إلى حمل جرحى الحرب، طريقكم طويلة!
– له يا عمي.. كيف كيف نسبقكم إن تركناكم خلفنا!!
– خليها لربك عمي.. أربعون عاماً، أربعون عاماً من النّضال، لم نستطع الاتفاق على موقف.
– لن أفتح جبهةً على كلامك.. اسمع، رأيت أبو صبحي.. يرسل إليك سلاماً!
– إذا بتريد تفضل معنا، سؤال وجواب
– هه!
ويغيب أبو خالد، يطول غيابه أسابيعاً، وتتضارب الأنباء حول تواجده، وعن كهولته المتعبة، ينتاب القلق كثيراً من رفاقه الذين يستطيعون تصور ما قد يحدث مع شخصٍ عنيدٍ ولا تعرف شيبته المهانة كأبي خالد.. أيامٌ أخرى تمضي، وما كان أسابيعاً صار شهوراً، وفجأة يأتي الخبر!!!…
– أبو صبحي نمر..
– آخر اشتباكٍ كان في القرية المجاورة لهم، كانت قد قاربت على السّقوط ولم تصل إمدادات الذخيرة، ركب أبو صحبي قارباً ليعبر النهر تحت خطر النيران لينقل الإمداد لهم، وبقي يقاتل معهم حتى استطاعوا رد العدوان بتعاون شباب كلتا الكتيبتين.. كان صديقي يبكي على جهاز الإرسال وهو يسمع الحديث..
– سمعت إنو صار شيخ؟
– ملتزم منذ فترة.
– بوسلي لحيته كتير.. أبو صبحي نشمه منذ الصغر!
يُفتَح باب الزنزانة الجماعية فجأةً، فينهض المعتقلون بذات اللحظة واقفين
– علي!
– نعم (يرد صوتٌ مُتعبٌ من خلف العشرات الواقفين)
– تحقيق!
يتابع رفاق الزنزانة خطواته التعبة المتجهة إلى الجلاد ويحاولون بنظراتهم إيصال رسائل التشجيع والمحبة له قبل خروجه، لقد كان أخاً رائعاً لهم، يحبون التحلق حوله لسماع رواياته الكثيرة، والاحتكام إليه في نقاشاتهم وخلافاتهم.. وسماع تجاربه الطويلة في الحياة، كانوا يسألونه كثيراً عن طائفته الغريبة عن بعضهم، ويجيبهم وهو يضحك: «ولك عمي الله بيحبكم ليش خايفين منو؟؟ الدين هو أن تحب الله، المحبة تصنع (بني آدم)، والتعصب الأعمى يقتل هذا البني آدم».. ويقول: «أن المتعصب الذي يلغي دور العقل يتحوّل لإنسانٍ بدائي، توجهه غرائزه، ويتعامل مع أي مشكلةٍ كأنّها خطرٌ على مستعمرته أو قطيعه، فيتوحش أكثر من حيوانات البرية، ويسعى جاهداً إلى تعليم منطقته ورسم حدوده بالأطراف المقطوعة، بدلاً من حف جلده ببعض جذوع الأشجار»، كانت هذه الخواطر تمرّ بأذهانهم وهم يشيعونه بعيونهم حتى يخرج.
لم يعرف رفاقه بالزنزانة المدة التي قضوها بتبادل هذه الذكريات فيما بينهم، بينما يغيب أبو خالد هناك، تحت الكثير من طبقات الخرسانة الإسمنتية، جميعهم يعرفون غرف التحقيق الصغيرة المُعتمة التي تمتلئ بروائح الدماء البشرية المتفسخة، يعرفون أجهزة التعذيب واحدةً واحدة، من الكماشة إلى ما لا يعلم إلا الله من تجهيزات، ويعلمون أيضاً أنها تنهش الآن من جسد رفيقهم الشايب، فيكثرون الصلوات لأجله، يغيب لساعات وساعات، «يا جماعة طول أبو خالد»، يرددون بأصواتٍ قلقة، «الفاتحة يا شباب على نية الفرج على أبو خالد».. يتمتمون بهدوء، ليسوا كلهم مسلمين، ولكن كلهم يحبون أبو خالد!
وبذات الهمجية يفتح باب الزنزانة ويظهر ثلاثة جلادين، وقف الأسرى فور سماعهم صوت الأقفال، لكن هذه المرة لاستقبال أبو خالد، يرمونه باشمئزاز بينهم ويغلقون الباب.
لم يكن أبو خالد من عاد!
والله يا أخي أنا كنت موجوداً، في هذه اللحظة بالذات كنت فوق رأسه.. كان جسداً ممزقاً ينزف الألم من كل مكان، لم يكن أبو خالد من عاد، تمتم البعض هذا ليس أبو خالد.. عندما لفوه ببطانيته.. رأيت وطناً مكسور الجناح، مثقلاً بطعنات الخيانة.. ذهب إلى غرفة التحقيق، وعاد -بدلاً منه- جسداً يتنفس ما بقي له من النسمات التي استطاع تهريبها من كل نقاط التفتيش التي مر بها قبل دخوله الزنزانة.. نسماتٌ أحضرها من المساءات الصيفيّة المشوبة بدخان الحطب ورائحة اليانسون اللاذعة أمام منزله.. عاد جسداً يختصر ذكرى أربعين عاماً من العبودية لأقدمٍ شعب وجد على سطح الخليقة… عاد أول سوريي دَمْشَقَ في بناء أول نافورةٍ شامية ليشهد اغتصاب ياسمينها المُشرّش وكل عصافيرها، ليشهد محرقة جديدةً لكل موزاييك دمشق وصبايا حمص وموسيقى حلب، وريل العراق، وديار حمد، وشتائم مظفر النواب، وحادي العيس الذي يطوف صحاري الشام..
عاد إلى أحضان رفاقه الحزانى، ينقّل عينيه بين وجوههم المتجمعة فوقه بألم..
– يا شباب اتركوا أبو خالد ياخد نَفَسْ
– ينتفض مجدّداً «فشروا الكلاب!»
طول بالك يا أبو خالد.. بكرة بتفرج.. ومنطلع بالنصر.. منطلع عالحياة الجديدة.. ومنحتفل ومنسهر ومنسكر..
يا للسماء! «الله وكيلك يا عمي آخر لحظات من حياة أبو خالد صاح فيهن هالكلمتين» ينهض على قدميه وهو يدفع بيديه كل من كان يحاول أن يبقيه مستلقياً، ويصرخ بكل ما يملكه صوته الأجش من صلوات أمهاتهم اليومية وبكاءهن:
– سوف نسكر.. كلنا سنسكر وإنتو.. وأنا.. بدنا نسكر كلنا بس لما بيسقط الجحش ابن الجحش…!!!!
و كما النسور تحلق إلى أعلى نقطة تصلها حتى تسلم الروح.. سلم روحه وهوى جسده الذبيح بيننا..
***
– العزيز تصير كلها اعزاز ربعه!.. وصلنا
فضلت عدم الدخول إلى خيمة العزاء المنصوبة للشهيدٍ بعد أن صُليَ عليه صلاة الغائب، جلست على الرصيف خارجاً، حاولت أن أتقبل ما حدث، لم يعد جسد أبي خالد من رحلته الأخيرة، ربما روحه رفضت ذلك، وفضّلَتْ أن يدفن بأي مكان، لتبقى رسالة منه إلى الأجيال القادمة، كل كمشة من تراب هذا الوطن عانقت يوماً شهيداً مجهول الهوية قد يكون أنا أو أنت أو أحد إخوتنا، فضل أبو خالد عدم الرجوع، ليجعلنا نرى كل مراقد الشهداء مرقداً له، لنقف أمام كل ضريح ونخاطب أبي خالد ونقرأ له الصلوات البسيطة التي نحفظها، علّها تدخل السكينة لروحه الهائمة..
– ما الذي كنت تتمتم به؟ (يقاطع صاحبي شرودي)
– كنت أقول:
رحت ما گلت رايح وين الوداع اختنگ ناعي القدر ما گدر ينعه
رد لهلك وودع كل الأحباب لبوك اشلون تمشي وما تودعه؟
هاي امَّك تريدك فرحة العين واخوتك رايدينك ضوه وشمعه
على اطراف الأصابع نعشك انشال العزيز اتصير كلها اعزاز ربعه
صارت طشَّت الجاكيت جمرات على صدر اليحبك ألف لسعه
الصوره والورد والمستهلات اذكريني يايُمَّه، ومن يسمعه(1)
——
(1): جابر الشكرجي: شهيد الزفاف

حنطة2236 حنطة2237

برومو الشهيد ناجي الجرف