خميرة

شقائق نعمان على سرير موت

أيمن سليمان

لا كلام تقوله معرة النعمان من بعيد، صمت مقطوع اللسان تلوح به المدينة المنكوبة، أو ركام من الكلام والذكريات يتراءى لزائر ألف المكان وأدهشته رائحة نساء المدينة الجميلات ما قبل الحرب.
صوت «القبضة اللاسلكية» ينبئ باقتراب طائرة حربية قيل أنها جاءت لتعيد ركام المدينة إلى حضن الوطن.. لكنها نسيت في كل غارتها السابقة أنه: كيف لعاشقة لحضن من تحب أن تعانق بيدين مبتورتين.
استقبلتنا الطائرة في مدخل المدينة الشمالي، اشتعلت المضادات الأرضية، واستنفر الحاجز الذي وصلنا للتو إليه، مقاتلون يرفعون بنادق في مواجهة طائرة حربية يعرفون اختلال المواجهة لكن عيونهم المتحدية تقول شيئاً أخر.. تحلق الطائرة و»تنتكس» لتنفذ هجومها بينما كان السائق جانبي يردد الشهادتين ويذكرني بترديدهما…يمتلئ المكان بالصوت المتفجر «بووووم» يصلنا غبار مخنوق، ورائحة موت مكررة.. ويتطاير ركام الأبنية بملل إلى كبد السماء لكن كمن يحاول طعن الهواء عبثاً، فالركام اللامتناهي كسر بديهية الأصوات، الحمام وحده ينجو بدهشة وينزعج من غبار القصف!
لا هواء في المدينة، رائحة البارود تخنق الشوارع، حجرٌ يدمر حجر، ركام من الذكريات يلف بقايا البيوت المهجورة.
الساعة السابعة مساء اقترب موعد الإفطار وبينما أحاول أن استمع للأصوات القليلة التي تنبعث من المدينة، تعود الطائرة من جديد وكأنها تؤقت موعد قصفها لحظة تجمع الناس للإفطار.
لا أضواء في المدينة صوت بعض المولدات الكهربائية يأتي من بعيد لكنها لا تستر الصمت العميق للمكان ولا تغير في وحشة المكان ولا بنكهة الموت شيئاً.
العنوان العام للموت يمكن تجاهله بكشف تفاصيل من أصر على الحياة هنا… بالقرب من أحبة غادروهم أو من ذكريات ثقيلة لا تستوعبها حقائب النزوح أو الهجرة.
بعد صلاة التراويح بقليل ثمة ما يشبه السوق بضع محلات يمكن عدها بعضها للألبسة والبعض الأخرى للمواد الغذائية وضعفها للوقود.. أضواء بسيطة وما بين محل وأخر ثمة ما يذكرك بموت حصل هنا.
تذكرني المرأة الجميلة التي عبرتني قبل قليل بأن الحياة كان يمكن أن تكون أفضل في هذا المكان وكان يمكن لهذه المرأة الجميلة أن ترسم تفاصيل وجهها فرحاً وتوهجاً أكثر… لكن السماء التي تتخلل أحلام تللك الفتاة والرب.. تمر منها طائرات تجعل منها أرملة أو يتيمة أو مفجوعة بابن أو بأخ أو أخت أو حبيب..
لا تشعر وأنت في المعرة بوجود فاصل بين ليل ونهار الإحساس بالزمن معدوم وكأن ثقباً ما أصابه لا يمكن التكهن بأن الناس تنام هنا لا تملك هذا الاحساس هنا لا تشعر بان الصباح شيء طبيعي بل نافذة أكبر من القلق وموعد مفضل للقصف.
الساعة 11 صباحاً ثمة من يبحث في زاوية ما عن جدار كامل.. لم تدركه قنبلة فراغية أو صاروخ وطني.. يبدأ الشاب العشريني بالرسم على الجدار.. دهان أسود فقط بين يديه…اقترب منه قليلاً دون أن أحاول تشتيت انتباه..يرسم بيد متمرسة وحزينة مقاتلاً باللون الأسود الغامق يدير ظهر لهذا الدمار ويحمل بيده غيتاراً وعلى كتفه بندقية!
فيما يمكن تسميته نهاية الشارع ثمة عناصر لفصيل مقاتل لا تكف القبضات اللاسلكية بين أيديهم تحذرهم من الطائرة التي انطلقت قبل قليل من مطار حماة العسكري.
تجمع الحامدية القريب من معرة النعمان والمحاصر من قبل الثوار يعتبر خاصرة الموت للمدينة معظم الدمار الحاصل في المدينة والقرى المحيطة بها كان من مدفعية هذا التجمع.
بعد تفاصيل موت كاملة في الأجزاء الجنوبية والشرقية للمدينة، صوت آذان العصر يكسر الموت المتجمد حولنا ونحن نتجه نحو الجهة الغربية للمدينة حيث يبدأ خيط رفيع للحياة وللهواء، عربات خضار قليلة، أطفال يتجمعون قرب عربة لبيع الملابس وأخرى لبيع الألعاب.. وكأن الحياة تكتشف نفسها للمرة الأولى هنا ببدائية.
الغروب في آخره، نتجهز للمغادرة.. والمدينة التي يكاد الناس فيها شيئاً نادراً يمكن ملاحظتهم بكثافة في المقبرة الممتدة من غرب المدينة وصولاً إلى ما تبقى من «كفررومة»..في باحة الموت المترامية الأطراف تسير نسوة ويمكن تمييز كثرة القبور الجديدة.. غصة عميقة تحاصر حنجرتي مرة أخرى لا أشعر بالسماء ولا بالهواء ولا بجسدي لكن السائق بجانبي يعيدني إلى الحياة- الكابوس، بالقول: المنطقة القادمة مكشوفة للقنص..

حنطة2238

حنطة

اضف تعليق

اضغط هنا لإضافة تعليق

برومو الشهيد ناجي الجرف