خميرة

الحكام يأكلون الحصرم

عبد الرزاق دحنون

1
يقول أهل اللغة: الميم في كلمة حصرم زائدة مأخوذة من الحصر وهو العجز عن النطق. والحصير الملك سُمي بذلك لامتناعه عن الأعين.
قال الشاعر:
قماقم غلب الرقاب كأنهم
جند لدى باب الحصير قيام
وعامة الخلق لا يرون رعاتهم ملوكاً كانوا أو أُمراء أو سلاطين أو أباطرة أو رؤساء دول أو قادة أحزاب، فالراعي يحصر حاله ضمن نطاق ضيق فيسمى حصيرا. قال تعالى: وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا. وسميت جهنم حصيرا لمنعها من فيها من الخروج. و في عصرنا الحديث هذا نادراً ما نجد الحاكم يخرج إلى الناس دون حرس وأمن، بل نراه محاصراً من كل جانب، وكأن بينه وبين الرعية ثأراً متروكاً. والسؤال ما الذي يمنع الحاكم من التحرك بحرية، بحيث ينزل إلى الشارع ، يقابل الناس، يدخل بيوتهم، في أي وقت يشاء؟ هل العيب فيه أم في الرعية؟ و كيف نشأت هذه الجفوة بين الحاكم والمحكوم؟ وهل الحاكم المؤتمن على رقاب العباد يتصرف وفق أهواء السلطة أم وفق مصالح الخلق الذين هو راعيهم والمسؤول أمامهم وأمام الله عن أحوالهم و أموالهم وأعراضهم وحياتهم؟مع العلم أن الحاكم يستمد سلطته من الجماهير الغفيرة التي يحكمها، وهو ملزم بتحقيق رغباتها لا رغباته، وهو المسؤول عن معيشة رعاياه. بل وأكثر من ذلك إن وجود فقراء الأرض هو بحد ذاته توبيخ من الله لأهل السلطة التي تجنح في طبعها نحو الاستبداد، ويكون عبد الرحمن الكواكبي محقاً في تسمية كتابه طبائع الاستبداد.
2
وقد كان السيد المسيح لطيفاً ليّناً مع المساكين غليظ القلب مع أهل السلطة والمال، واعتبر الغنى من الكبائر التي تمنع مرتكبيه من الدخول إلى ملكوت الله. وقد تشدد في هذا المعيار، فرفض دخول الأغنياء في جماعته. ونحن نجد اليوم في المجتمعات العربية من يملك مليارات الوحدات النقدية وغيره يكسب قوته اليومي بالتسول أو بأي وسيلة أخرى يقوم بها على حساب كرامته الشخصية أو على حساب جسده. والبشر من عمال وفلاحين وحرفين -خارج مؤسسات الدولة- تهلك أجسادهم في العمل ولا يجدون في نهاية عمرهم إلا الذل والحاجة. وهاهم على الطرقات -من المحيط إلى الخليج- يُكافحون في سبيل لقمة عيش كريمة بعد أن بلغوا أرذل العمر. على كل حال على أهل الفكر والثقافة أن يتواضعوا عند دراسة تجربة الأنبياء في الشرق، لأنها في النهاية حركة جماهيرية مستمرة حتى اليوم، وفيها الكثير من الخبرة والتجربة وكذلك هي تجربة مشاعية صادقة، وما لحقها من تشويه لا يتحمل وزره الأنبياء، لأن الأنبياء تعذَّبوا في مسيرتهم حتى أصبح القطيع البشري الذي يشرفون على رعايته أكثر مودة ولطفاً وأنساً. وهنا ملاحظة مهمة لا بد من إظهارها تتعلق بالعلاقة بين الراعي والرعية، فقد قال سقراط في معرض رده على أفلاطون: إن أي رجل دولة مسؤول يستوجب القصاص منه والحكم عليه بالفعل؛ لأنه ترك القطيع البشري الذي يرعاه أكثر شراسة مما كان عليه حين تولى أمره.
3
يروي الطبري في تاريخه أن عمر بن الخطاب صادف في تجواله الليلي أرملة تطبخ الماء، فيسألها عن السبب، فتخبره أنها تُسكت به جوع أولادها حتى يناموا. ثم تستطرد الأرملة قائلة: الله بيننا وبين عمر. فيعترض عليها موضحاً إن عمر لا يدري بهم. فتجيبه يتولى أمرنا ويغفل عنا. ويضيف الطبري أنها كانت تقول له وهو يساعدها في طبخ الدقيق بعد أن أحضره لها: جزاك الله خيراً أنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين. تقصد أنت أحق بالخلافة منه، وعدم علم الحاكم بأحوال الناس لا تعفيه من حقوقهم عنده. والحكاية بهذا التفصيل تحتمل الشك، لصعوبة تصديق كيف أن امرأة بسيطة تفهم مهمة السلطة على هذا النحو الذي لا يتيسر في الوقت الحاضر للكثير من المثقفين والسياسيين. ولكننا نقول إن صحة الوعي لا تتعلق بثقافة الفرد بقدر ما تتعلق بتجربته الحياتية، فالحكمة الشعبية تنطق بها أفواه العامة. وفي رواية ترجع إلى صدر الإسلام عن تابعي يدعى أبو مسلم الخولاني، من أهل اليمن، دخل على خليفة أموي فخاطبه بعبارة أيها الأجير، ولما استنكرها الخليفة بين له: نعم أنت أجير استأجرك رب هذا الأغنام لرعايتها. وإذا كان الحاكم أجيراً عند الناس فمن حقهم خلعه عندما يخل بشروط العقد الذي أبرمه معهم. وهناك قاعدة فكرية خطيرة ترجع إلى كونفوشيوس وتوسع فيها أهل الفكر في الحضارة الإسلامية: إن أخلاق الناس تتبع سلوك الحاكم، فإن كان عادلاً مستقيماً عدلوا واستقاموا وإن جار وسرق جاروا وسرقوا. وهذه القاعدة تدعم فكرة سقراط السابقة. وقد سأل معاوية بن أبي سفيان الأحنف بن قيس عن الزمان فقال: أنت الزمان فإن صلحت صلح وإن فسدت فسد. وتعود المعادلة من جديد إلى معاوية الذي رسم الخط السائد لحرية الفكر بقوله الشهير: إننا لا نحول بين وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين السلطان.
4
يقول أبو سليمان البُستي في كتاب (العزلة) إن سبب فساد الحاكم هو غياب النقد وما يلقاه من المدح والتملق من الحاشية والأدباء. وتحدث الماوردي في (نصيحة الملوك) وهذا الكتاب لا يزال مخطوطاً توجد منه نسخة وحيدة في المكتبة الوطنية في باريس. قرأه هادي العلوي البغدادي فقال: يقع الكتاب في 98 ورقة مكتوبة بخط جيد يرجع تاريخ نسخه إلى عام 1007 هجرية.وفيه يتحدث عن أسباب سقوط الحكام فأرجعها إلى سببين كبيرين هما الحكم الوراثي وغياب المعارضة. الأول لأنه يعطي السلطة للوريث دون النظر إلى مؤهلاته فينتج عنه ظهور حكام ضعفاء عديمي الكفاءة فيعجزون عن إدامة سير الدولة في طريق الازدهار فيقع الضعف والانحلال في أوصالها. أما المعارضة فغيابها يترك الحاكم يتمادى في فرديته فتتراكم أخطاؤه إذ لا يجد من يكشفها له بل إن المداحين من الحاشية والأدباء يطوقونه بهالات التبجيل والحكمة والعصمة فيصدق هو فيصبح خطؤه مأثرة وخطيئته إحساناً ولصوصيته إيثاراً واستبداده رحمة. وحسب الماوردي فالحاكم يقع فريسة أخطائه وأهوائه التي تتفاقم فتضع دولته على حافة الانهيار.

 

حنطة2239

برومو الشهيد ناجي الجرف