خميرة

أنا والذباب والحزب وأشياء أخرى

مصطفى تاج الدين موسى

في طفولتي كان لدي هواية غريبة أمارسها بمتعة.
طيلة النهار أتجول في حديقة البيت لأصطاد بيدي السريعة عشرات الذبابات وأجمعها في علبة كبريت.
وفي المساء أصرخ على إخوتي وأبناء الجيران، ثم أرفع أمامهم علبة الكبريت، وأنتظر دقيقة وهم يحبسون أنفاسهم في صدورهم، ثم أفتحها فجأةً ..لتحلق الذبابات اللطيفة عالياً، وكأنها بالونات ملونة.. في مشهدٍ رائع ومنعش للروح (هكذا كنت أشعر)..
والدتي حاربتْ هوايتي هذه بكل الوسائل وعندما يئست، جلست إلى جواري لتحاورني وتقنعني بأن هذه الكائنات قذرة، فشرحتُ لها آنذاك:
ـــ الذبابة هي بالأصل كانت فراشة ملونة.. لكنها عندما أكلت من التفاحة المحرمة غضب الله عليها و..
لم تستوعب أمي فلسفة طفلها، لكن الرفيق والدي (وللأمانة) شجعني على ممارسة هوايتي، وقال لأمي أن هذه الهواية هي هواية بروليتارية بامتياز.
لكن، أول قصة قصيرة كتبتها في 1998 كانت عن ذبابة، بسردٍ سريالي مرتبك للغاية، ومنفر للأمانة، وعندما قرأها والدي قال لي:
ـــ هل أنت ابني؟.. أم ابن كافكا؟..
في صيف 1999 كنت بمعسكر للمواهب الأدبية في اتحاد شبيبة النظام، آخر يوم جاءت صبية جميلة ومعها مصور.. وفهمنا أنهما من برنامج للمنظمات الشعبية.
مشرف المعسكر اقترح عليها أسماء بعض المراهقين، وكنت أحدهم.
اقتربت مني، وريثما يجهز المصور آلته أجرت معي بروفة سريعة مكونة من أسئلة كلاسيكية، وكان أن سألتني:
ـــ ما هي هواياتك؟..
أجبتها فورا ً:
ــ اصطياد الذباب..
شهقت:
ــ أتتكلم جادّاً؟..
ـــ وهل يوجد بيننا مزاح؟..
امتعضتْ وقالت لي بغضب:
ـــ أثناء التصوير، قل من هواياتك: المطالعة الأدبية، وقد شجعني الحزب كثيراً واهتم بموهبتي..
ـــ حاضر..
بدأ التصوير وأعادت عليّ نفس الأسئلة، إلى أن سألتني:
ـــ ما هي هواياتك رفيق مصطفى؟..
أجبتها وبسرعة :
ـــ من هواياتي الحركة التصحيحية.. وقد صلح الحزب حركاتي.. عفواً.. وقد حرك الحزب تصليحاتي.. عفواً.. وقد خرب الحزب.. عفواً.. وقد تحزب الخرب.. عفواً… و… و… و…..
يومها ارتبكتُ كثيراً، أما هي فكادت أن تصفعني، وظللتُ بعد ذلك لسنوات أتابع برامج المنظمات الشعبية على قناة البرنامج العام، لكن لم أشاهد اللقاء.
والدي قال لي مرة، أن اللقاء عرض في برنامج (طرائف من العالم).
أقلعتُ عن هوايتي هذه منذ سنوات.
البارحة كنت في السوق عندما بدأت الاشتباكات، فرجعتُ إلى البيت مسرعاً، ثم دخلتُ باب البناء وأنا أتنفس الصعداء.
شاهدتُ ابن الجيران وهو يصطاد الذباب وبمتعة في المدخل.. انحنيتُ إليه وقلت:
ـــ الذبابات كائنات قذرة..
أجابني بغضب:
ـــ لا يا عمو.. الذبابة بالأصل كانت فراشة ملونة، لكن الله عاقبها لأنها..
قاطعته :
ـــ لأنها أكلتْ من التفاحة المحرمة..
ابتسم لي فرحاً وقد عثر أخيراً على من يفهم فلسفته، قبلته ثم صعدتُ الدرج، وقبل أن أغيب عن نظره ناداني (يا عمو) استدرتُ إليه، فقال بحزن:
ـــ لا أحد يعرف ما قد يحدث لنا في الأيام القادمة.. قد أذبح في أي لحظة، مثل أطفال بانياس والبيضا.. لهذا، ياعمو.. الذبابات أمانة في رقبتك…

حنطة2242

برومو الشهيد ناجي الجرف