ملف

حرب طائفية في سورية بدون طوائف

سمير العيطة*

إشكالية المصطلح
من البديهيّ أنّه لم يعد ممكناً اليوم أن يتمّ تحليل مجريات الصراع في سورية وتحوّلاته وتصوّر آفاق الحلّ المستدام دون طرح المسألة الطائفيّة بشكلٍ واضحٍ وصادق. بل أنّ هناك أمرٌ جوهريّ يثير الكثير من الخلافات في التساؤل عمّا إذا كان الصراع في سورية طائفيّاً ببعض جوانبه أو بالأحرى في جذوره؟
الحديث عن الطائفيّة أمرٌ صعب من الناحية المنهجيّة. أوّلاً لأنّ المفهوم مرتبط بمشاعر انتماء، أي بالهويّة، وبالهويّة المذهبيّة والدينيّة بالتحديد، دون القوميّة أو الإثنيّة منها. ويُمكن لهذا الشعور بالهويّة أن يتغيّر مع الزمن، وأن يكون شديد البروز أحياناً أو أن تطغى عليه في أحيانٍ أخرى مستويات أخرى من الهويّة.
وغالباً ما يتمّ دمج الحديث عن الإشكاليّة الطائفيّة ضمن إشكاليّة أخرى يطلق عليها تعبير «مسألة الأقليّات». في حين لا توجد علاقة عضويّة بين الإشكاليّتين، إذ يمكن أن يكون هناك طائفيّة في مجتمعٍ لا توجد فيه «أغلبيّة» مذهبيّة من حيث الهويّة، كما في لبنان حيث لا معنى لتعبيريّ أغلبيّة وأقليّة من الناحية الدينيّة والمذهبيّة.
كذلك لطالما يتمّ الفصل بين الإشكاليّة الطائفيّة وبين تصوّر الناس في مرحلٍة تاريخيّة معيّنة للعلاقة بين الدين وبين الدولة والمجتمع. وهي علاقة أيضاً قابلة للتغيّر والتحوّل حسب الأفكار السائدة في العصر. بالتالي لا يُمكن طرح مسألة الطائفيّة بالشكل ذاته عندما تؤمن الجماعة في تصوّرها لهويّتها أنّ أسس الدولة وتنظيم العلاقات بين المواطنين ضمن المجتمع يجب أن يتبعا لتفسيرٍ معيّنٍ للدين أو حين يسود الإيمان بأنّ أمر الدين والاعتقاد هو أمرٌ فرديّ فقط بين الإنسان وربّه.
أضِف أنّه لا يُمكن طرح قضيّة الطائفيّة دون وجود طوائف، أي تنظيمات لمجموعات لها أجهزتها المؤسّساتيّة المذهبيّة التي تجعل هذه المجموعات تتصرّف بفرادة وبشكل شبه متناسق اجتماعيّاً وسياسياً ضمن المجتمع الأوسع. بالتالي يُمكن الحديث عن وجود طوائف في لبنان، ويُمكن الحديث عن طائفيّة سياسيّة. لأنّ هناك مؤسسات سياسيّة، دينيّة أو علمانيّة، تعمل لتنظيم حياة أبناء دينٍ أو مذهب ضمن جماعة متناسقة.
أخيراً لا بدّ من التذكير أنّ تعبير الطائفيّة ذو دلالات باللغة العربيّة لا تشابه كثيراً دلالاته بالأجنبيّة sectarianism، التي تدلّ على مشاعر التمييز والكراهية، التي تنمو بين فرقٍ ضمن مجموعة اجتماعية واحدة بسبب الأهميّة المعطاة لاختلافات يتمّ الإحساس بها بين أجزاء من هذه المجموعة بسبب الدين أو المذهب أو الطبقة أو حتّى التيارات السياسيّة، كالحديث عن الطائفيّة بين تركيبات الأحزاب الشيوعيّة. بالتالي تمّ استخدام دلالة التعبير الأجنبيّ لوصف الحروب الأهليّة التي عصفت بمجتمعات مختلفة، في حين تمّ نزع النظرة السلبيّة عن دلالة التعبير بالعربيّة على عكس تاريخه الذي برز في الأندلس مع ملوك الطوائف، كما كان الأمر مع طائفة اشبيلية وطائفة طليطلة.
هل كان هناك حقاً مشكلة طائفية قبل الثورة؟
انطلاقاً من كلّ هذا، يُمكن طرح السؤال الأساس الأوّل: هل كان هناك حقّاً مشكلة طائفيّة في سوريّة قبل اندلاع الثورة؟
قد يتفق الكثيرون على الإجابة بالنفي على هذا السؤال. إذ شهدت سورية في السنين الأخيرة صعوداً مهمّاً للهويّة القوميّة الكرديّة، خاصّة بعد أحداث 2004، ولكن أقلّ بكثير ممّا شهدته العراق وتركيا. كما شهدت تراجعاً للهويّة العربيّة وهو تراجعٌ عامّ تشهده المنطقة برمّتها، من جرّاء هزائم الحلم بالتوحّد أو الاندماج حتّى بالحدّ الأدنى، وتغيّر معنى العروبة مع انتقال ثقلها من دمشق والقاهرة إلى دول الخليج. لكن الهويّة المذهبيّة والدينيّة لم تكن حقّاً على صعود. وربّما أتى ذلك من جرّاء تواجد دولة نوعاً ما قويّة في سورية، وأيضاً من جرّاء الاشمئزاز الذي خلقته في نفوس السوريين حروب لبنان الطائفيّة ومن ثمّ حرب العراق الأهليّة في 2006 و2007. بل ما كان ينمو في سورية هو الهويّات الإقليميّة بشكلٍ عامّ، مثل التنافس بين الشام وحلب، ومثل صعود الهويّة الحورانيّة بشكلٍ لافت، بحيث يُمكن بشكلٍ ما وضع صعود الهويّة الكرديّة في سورية في هذا السياق. وكان اختيار – وليس انتخاب لأنّ لا انتخابات حرّة منذ زمنٍ طويل – أعضاء حكومة كما أعضاء مجلس الشعب في سورية يراعي التوزيع المناطقي والتوزيع المذهبيّ على السواء، ولكن دون تخصيصٍ حصريّ كما في لبنان.
إلاّ أنّ السوريين كانوا يعيشون قبيل الثورة، وإن بشكلٍ أقلّ حدّة بكثير من غيرهم، أزمة تحوّل في مستويات الهويّة تعيشها البلدان العربيّة بشكلٍ عامّ. وهي ظاهرة موجودة اليوم حتّى في أوروبا. ما يُمكن تجربته بوضوح عندما تسأل مصريّاً عن ترتيب أولويّات هويّاته بين العربيّة والمصريّة والإسلاميّة (أو القبطيّة)، وتميل إجابته اليوم على عكس الأمس بشكلٍ واضح إلى أولويّة الهويّة الدينيّة. أو أن تسأل السعوديّ السؤال ذاته. فعلى هذا السؤال، لم يكُن السوريّ يجيب بأولويّة الهويّة الإسلاميّة، أو السنيّة أو الدرزيّة أو الإسماعيلية أو العلويّة.
بالرغم من ذلك، انخرط بعض المفكّرين والسياسيين في سورية في إضفاء بعدٍ طائفيّ ضمنيّ على خطابهم، خاصّة وأنّ أغلب كتاباتهم كانت تظهر في صحفٍ لبنانيّة لانعدام حريّة الرأي في سورية في ظلّ الاستبداد. تأثّروا بالطابعٍ الطائفيّ السائد في لبنان، وبالإسقاط الطائفيّ على الصراع حول الوجود العسكريّ السوريّ في لبنان، ومنه على الصراع السياسيّ والاجتماعيّ في سورية. وقد برز ذلك جليّاً خاصّة بعد التحوّل الكبير سنة 2004، بعيد الغزو الأمريكيّ للعراق، وتفاقم التنافس الإيرانيّ-السعوديّ، ما تمّ تفسيره، بعد اغتيال رفيق الحريري على أنّه صراع شيعيّ-سنيّ بدل أن يكون صراعاً إقليميّاً ودوليّاً على الأرض اللبنانيّة وعبر اللبنانيين. ضمن هذه التحوّلات، انقسم ورثة التيّارات اليساريّة السوريّة الانقسامات التي عاشتها التيّارات اللبنانيّة، على أسسٍ طائفيّة، أي بين 8 و14 آذار. وانجرف الكثير من هؤلاء المفكّرين السوريين تدريجيّاً نحو الـ14 لمناهضتهم السلطة الاستبداديّة في سوريّة، المتحالفة مع الـ8 ولأنّ نموذج الحريريّ بات يجسّد نوعاً ما طموحاتهم في التغيير، وأيضاً لأنّ اغتياله نقل سورية من سياسة العمل على توازن التأثيرين السعودي والإيرانيّ إلى الانخراط في معركة دامية مع أحد الطرفين. واللافت أنّ هذا كان يحدث في حين أنّ الهويّة الشعبيّة الإيرانيّة كانت تنمو لتعطي الأولويّة للفارسيّة قبل تلك الشيعيّة؛ وأنّ حسن نصر الله، زعيم حزب الله، وهو تنظيم شيعيّ محض، كان أكثر الشخصيّات شعبيّة ضمن جميع المذاهب في سورية لمناهضته إسرائيل.
من ناحية أخرى، من الواضح أنّ التديّن كان على صعود في سوريّة، خاصّة لدى أبناء المذهب السنيّ. ما نتج عن عوامل عديدة، منها انحسار فكر النهضة الذي انطلق خاصّة من الأزهر وإيديولوجيّات فترة الاستقلال الأولى العربيّة والقوميّة السوريّة والشيوعيّة وأخرى غيرها. وهذا التديّن ظاهرة عالميّة في عصرنا، حتّى في أوروبا وروسيا التي كانت قد شهدت حركات تاريخيّة قاسية في مناهضتها للأديان. إلاّ أنّ ظاهرة التديّن تخصّ المسلمين بشكلٍ أكثر حديّة منذ الصراعات في أفغانستان والشيشان وأحداث أيلول، والموجة العالميّة التي باتت تمزج بين الإسلام والإرهاب. ولكنّ العامل الأساس في سورية يبقى تسارع هجرة الريف إلى المدينة، وصعود التديّن لدى القادمين الجدد إلى ضواحي المدن الكبرى والمدن الصغيرة التي نمت بشكلٍ متسارع. ولأسبابٍ اجتماعيّة انتشر التديّن لدى هؤلاء بأشكالٍ أكثر تشدّداً منه لدى الحضريّون القدامى أو أبناء الريف الريفيّون. واللافت هو صعود التديّن المتشّدد لدى أبناء البداوة، مع أنّهم تاريخيّاً كانوا الأكثر تمسّكاً بإسلامٍ حضاريّ وثقافيّ منه دينيّ متزّمت. إلاّ أنّ صعود هذا التديّن في سوريّة لم يعنِ تزايداً بشكلٍ عامّ للانغلاق بين المذاهب والأديان، ولا حتّى تغيّراً في تصوّر الدولة وفيما تمّ فصله بين ما هو دنيويّ فيها عمّا هو دينيّ، وإن ازدادت حساسيّة الموضوع كما تبيّن ذلك حين تمّت محاولة تغيير قانون الأحوال الشخصيّة.
كما أنّه لا يُمكن الحديث عن وجود طوائف في سورية بالمعنى الكامل للكلمة. إذ لا يتموضع الدروز أو العلويّون أو الروم الأرثوذكس انطلاقاً ممّا تمليه عليهم قيادات روحيّة أو علمانيّة ضمنهم. وكذلك لا يتموضع السنّة على أنّهم سنّة، تديرهم قيادات سنيّة وتراتبيّة دينيّة. وفي الحقيقة، بقي معظم التأطير الاجتماعي في سورية ينبني على أسس إقليميّة مناطقيّة أكثر منها طائفيّة. حيث يُمكن الحديث عن قيادات ورموز شاميّة أو حلبيّة أو حورانيّة أو ديريّة أو حمصّية، وفعاليّتها الاجتماعية مهما كان مذهبها.1
وقد شهد التاريخ الحديث لسورية، خاصّة في المدن حيث أغلب السكّان، كثيراً من الزيجات المختلطة بين الطوائف، إسلاميّاً بين السنّة والعلويين والدروز والإسماعيليّة، ومسيحيّاً بين الروم والموارنة وغيرهم. كما شهدت زيجات مختلطة بين الإثنيّات القوميّة، كبين الأكراد والشركس والتركمان والعرب. ولكنّ تنمية المعرفة بالأديان والمذاهب بقيت ضئيلة ومحصورة، وبقيت كثير من عناصر الجهل بالآخر كامنة في المجتمع بالرغم من نموّ التعليم، دون أن يعيق ذلك حقّاً التواصل الاجتماعيّ.
ثلاث إشكاليات طائفية أساسية
إلاّ أنّ ثلاثة إشكاليّات أساسيّة ذات بعدٍ «طائفيّ» كانت تعيشهما سورية.
الأولى أنّ السلطة القائمة اعتمدت على نظام «عصبيّة» (بالمعنى الخلدوني للكلمة) لترسيخ استبدادها، أي أنّ السلطة أطّرت جماعات اجتماعيّة معيّنة في أجهزة الأمن والقوّات المسلّحة للولاء المطلق لها. وقد كانت هذه العصبيّة قد برزت في ستينات القرن الماضي، ولكنّها لم تكن حقّاً علويّة. إذ أنّ المنتمين إلى هذه العصبيّة من العلويين، كانوا من مناطق ومدن وقرى معيّنة في جبال اللاذقيّة، دون غيرها كانت تناهض السلطة. هكذا يُمكن تفسير بعض صراعات الأجنحة في السلطة ضمن هذا السياق، وكذلك الأرضيّة التي قام عليها أوسع حزب معارض للسلطة القائمة، وهو حزب العمل الشيوعيّ. أضف أنّ هذه العصبيّة لم تكن ذات بعد واحد، بل أنّ الحوارنة والديريين وأجزاء من ريف حلب وإدلب وحمص كانت عناصر رئيسيّة من هذه العصبيّة. لهذا السبب كان انطلاق الثورة السوريّة في درعا وحوران قد شكّل شرخاً قاسماً في نظام «العصبيّة» للسلطة السوريّة.
أمّا الإشكاليّة الثانية فتتمثّل في جراح أحداث 1979 إلى 1982 التي لم يعمل أحدٌ حقّاً على تدميلها. كانت هذه الأحداث قد قامت على خلفيّة صراع ضدّ ترسيخ حافظ الأسد لحكمٍ استبداديّ لا سابق له في البلاد، قبع الكثيرون من ناشطي النقابات والجمعيّات سنيناً في السجون لتجّرئهم على مواجهته. إلاّ أنّ الصراع سرعان ما تحوّل إلى صراعٍ «طائفيّ» على خلفيّة الصراع بين حاكمين مستبدّين، أحدهما غزا إيران بعد الثورة التي قامت ضدّ الشاه وثانيهما دعم إيران ضدّ هذا الغزو. وقد تجذّر هذا الطابع الطائفيّ مع استفراد تنظيم الإخوان المسلمين في قيادة مواجهة مع السلطة السوريّة، وفي تمحور الصراع بشكله الداميّ في مناطق احتكاك مذهبيّة هي حماة وريفها، وجسر الشغور وجبل الزاوية. وخلال ثلاثين سنة تلت هذه المحنة الدامية، لم تبذل السلطة والدولة السوريّة الجهد الذي كان ضروريّاً للئم الجراح الذي نتجت عن مقتل عشرات الألاف خلال المواجهات أو في السجون. ولم يبذل المعارضون السياسيّون أيضاً أيّ جهدٍ في ذلك. بالتالي، استفاقت هذه الجراح لدى طرفيها بالرغم من أنّ الانتفاضة على السلطة لم تكن تحمل في بداياتها أبعاداً طائفيّة.
الإشكاليّة الثالثة هي أكثر حداثة. حيث تزامن الغزو الأمريكي للعراق مع تحوّلات اجتماعية كبرى في منطقة الجزيرة السوريّة. إذ دفعت قرارات اتخذتها سلطة الأسد الابن إلى انهيار المنظومة الاقتصادية-الاجتماعية في هذه المنطقة بشكلٍ خاصّ، وإلى هجرة نصف سكّانها إلى مناطق أخرى في سورية سنوات 2003 و2004، وكذلك إلى إفقار أغلبيّة السكّان الباقين فيها بشكلٍ مدقع. هذه المنطقة تقطنها عشائر مرتبطة ارتباطاً عضويّاً بعشائر العراق والعربيّة السعوديّة. هنا أيضاً تتحمّل السلطة السوريّة مسؤوليّة تاريخيّة، خاصّة حين أوقفت مشاريع التنمية ومكافحة البطالة هناك، وحين تلاعبت بالتنظيمات المتطرّفة في الحرب الأهليّة العراقيّة، في نشوء مشكلة «طائفيّة» حديثة العهد في سورية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأحداث العراق الطائفيّة العشائريّة، بالرغم من عدم وجود احتكاك طائفيّ سوريّ في هذه المناطق، بل تنافر عشائريّ عربيّ-كرديّ. من هذا الرحم خرجت تنظيمات جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية، كتنظيمات «طائفيّة» متشدّدة نمت ضمن الواقع العشائريّ كما بين الحضريين المستجدّين.
الطائفية: خيار النظام الاستراتيجي لاحتواء الثورة
هناك إجماع على أنّ انطلاقة الثورة السوريّة لم يكن لها أسس طائفيّة. بل كانت انتفاضة على استبداد، شبابيّة في طابعها، ومدينيّة، في سياقٍ كان يؤكّد على وحدة الشعب والمواطنة. وقد جاء القمع ضدّها، عبر استخدام السلطة لأجهزة الدولة، ومنها الجيش، عنيفاً مفرطاً. ما أخذ إلى إضعاف الجيش والشعب سويّة.
امتثلت هذه الأجهزة لأوامر القمع، من جرّاء هيمنة السلطة عليها عبر «العصبيّة» المتعدّدة الأبعاد، على عكس حالة مصر، ولكن أيضاً لتزامن تطوّر الأوضاع في سورية مع تلك في ليبيا، حيث انتهى أمر «الثورة» هناك بتدخّلٍ أجنبيّ يشابه ذلك الذي حدث في العراق وبانفلات البلاد إلى ميليشيات متصارعة.
لكن القول أنّ السلطة قامت بالقمع لأنّها بطبيعتها طائفيّة يشابه القول أنّ الثورة كانت أيضاً بطبيعتها طائفيّة. فالسلطة قمعت لأنّها سلطة استبداديّة، وكانت تعرف أنّ انتصار ثورة سلميّة يعني نهاية الاستبداد أو رحيلها أو تقاسمها السلطة مع آخرين. هذا مع أنّه هناك طائفيّون عملوا منذ البداية على هذا الأساس، على كلا الطرفين، لكنّهم كانوا في البداية هامشيين.
رأس هرم السلطة كان أوّل من استخدم ورقة إثارة النعرة الطائفيّة في خطابه الشهير في 30 آذار 2011 بعيد اقتحام مسجد العمريّ في درعا. ففي حين كان معظم السوريّين متخوّفين من اندلاع أزمة كبرى، خطب الرئيس السوريّ عن «التحريض على المحور الطائفيّ»، وأنّ هناك من يُشعل الفتنة ويرسل رسائل لأبناء طوائف تخيفهم من الطوائف الأخرى، وأنّ الناس تمّ إنزالهم إلى الشوارع على أسسٍ طائفيّة. هذا التفسير الطائفيّ لمظاهرات درعا، غير المثبت في الوقائع، والتحريضيّ بطبيعته، هو أوّل ما وضع الأزمة السورية في سياقٍ طائفيّ. بل أن طابعه التحريضيّ كان قد مثّل أحد الخيارات الاستراتيجيات التي اتبّعتها السلطة لاحتواء انتفاضة لم تكن في أوائلها حتّى تطالب برحيلها، بل فقط بإصلاحات سياسية. ثمّ بدأت الأمور تسوء أكثر مع تمعّن السلطة في الحلّ الأمنيّ، وتسريب السلطة بعدها بأيّام، وعن قصد، تسجيلاً لعمليّة قمع في قرية البيضا قرب بانياس أثار النعرات الطائفيّة.
في الوقت ذاته، برز تحريضٌ طائفيّ مرآة للتحريض الذي دفعت إليه السلطة، مع انقلاب مواقف دولٍ كانت تساند تلك السلطة في فترات سابقة للأزمة، خاصّة من قبل دولٍ خليجيّة ووسائل إعلامها ومراكز أبحاثها. ولم يكن هذا الانقلاب حقيقة ردّة فعل على تصرّف السلطة في سورية، وإنّما هو الآخر نتيجة قرار تموضعٍ استراتيجيّ تجاه مجمل أحداث ما سمي الربيع العربيّ، تطوّر منذ المظاهرات الكبرى في مصر قبيل سقوط حسني مبارك. هكذا كان واضحاً أنّ المنطقة مقبلة على تغيّرات كبرى يمكن أن تطيح بمعظم منظومات السلطة القائمة. بالتالي اختارت هذه الدول التحريض، وعلى الأخصّ التحريض الطائفيّ، في محاولة لوأد الأسس الفكريّة للربيع. كما دعمت عن سابق تصميم تيارات الإسلام السياسي دون غيرها. بالتالي برزت خطابات مضمونها طائفيّ كالحديث عن الأغلبيّة والأقليّة في السياق السوريّ. ثمّ جرى تحريض «أهل السنّة» صراحة للانتفاضة على الحكم الأقلويّ. وبرز شيوخ دين على القنوات الفضائيّة يصيحون بخطابات طائفيّة صريحة. هكذا لا يُمكن عزل هذا التحريض حينها عن انتشار التطرّف تدريجياً لدى شرائح واسعة من الشعب السوريّ، ما أدّى لاحقاً إلى ظهور التنظيمات المتطرّفة ونموّ أرضيّة شعبيّة لتنظيم الدولة الإسلامية والنصرة.
ولم يأتِ التحريض الطائفيّ فقط من دولٍ خليجيّة تدعم تيارات الإسلام السياسيّ لخدمة أهدافها، مثل قطر، بل أيضاً من دولٍ غربيّة مثل فرنسا وبريطانيا. هي أيضاً اعتمدت تيارات الإسلام السياسيّ كحتمية صاعدة مع الربيع العربيّ، ودعمتها بشكلٍ ملحوظ أكثر بكثير من دعمها للتيارات السياسية الأخرى. كما لعبت على وتر مسألة الأقليّات مثلما كانت تلعبه خلال الحقبة الاستعماريّة.
التحريض الطائفي، أتى إذاً بمبادرة من السلطة، إلاّ أنّه نما ككرة الثلج مع تطوّر الصراع في سورية وانتقاله تدريجيّاً من صراعٍ بين سلطة وشعب، إلى صراعٍ مسلّح، ثمّ منذ صيف 2012 إلى حربٍ إقليميّة على سورية. تمّ دفع الصراع إعلاميّاً ومن ثمّ عبر ضخ المال والسلاح لكلا الطرفين إلى صراع سنيّ-شيعيّ. وتمّ التعتيم على التظاهرات التي تطالب بالوحدة الوطنيّة وإبراز تلك التي تلجأ إلى شعارات دينيّة ومذهبيّة. وتمّ دعم مقاتلي المعارضة الأكثر تشدّداً وعزل أولئك الذين حافظوا على رؤية وخطابٍ غير مذهبيّ، كالضباط المنشقين عن الجيش السوريّ. وفي المقابل، وعندما فشلت السلطة في قمع التظاهرات ومن ثمّ المقاتلين المسلّحين وضعف الجيش النظاميّ، جنّدت ميليشيات محليّة على أسسٍ طائفيّة واستدعت ميليشيات أخرى على نفس الأسس من الخارج.
هكذا انزلقت السلطة في الفخّ الذي نصبته، كما انزلقت في نفس منطقها القوى الإقليميّة والخارجيّة المناوئة لها. وأخذ الطرفان البلاد إلى حربٍ أهليّة عبثيّة.
خطاب المعارضة نأى المرجعيات الدينية عن الثورة
مرّ الآن على انطلاقة الانتفاضة الشعبيّة ما يناهز أربع سنوات، كما مرّ على تحوّلها إلى حرب أكثر من سنتين. ومع تطوّر الصراع ظهر الاصطفاف الطائفيّ بين المواطنين خافتاً في البداية ومن ثمّ بشكلٍ جليّ.
بالطبع، تتحمّل الطبقة السياسية السورية مسؤولية كبيرة في عدم درء هذا التحوّل. فعندما نادت بعض أطياف المعارضة «لا للطائفيّة» واجهتها أطياف أخرى بشعار «إسقاط النظام بكلّ رموزه وإركانه»، مع كلّ ما يحمل هذا الشعار الأخير من التباس طائفيّ ضمنيّ. خاصّة وأنّ الطيف الذي رفع هذا الشعار، أي المجلس الوطنيّ، يتضمّن تنظيم الإخوان المسلمين كمكوّنٍ أساسيّ، مع كلّ ما يحمله هذا التنظيم من موروث جروحات فترة 1979-1982. ولا يعني ذلك تجنياً على حقّ هذا التنظيم في العمل السياسي في سورية، بل أنّ تواجده مع مكوّنات أخرى كانت هي أيضاً متحالفة مع نظام صدّام حسين السابق كمكوّنات أساسيّة في المجلس الوطنيّ قد ساهم في انزلاق الصراع إلى صراعٍ طائفيّ، برز هذا مثلاً عندما جرت أحداث ذات طابع طائفيّ في مدينة حمص، ندّد بها معارضون ومن ثمّ رئيس المجلس الوطنيّ، ما دفع المجلس لإصدار بيان يشير إلى أنّ رئيسه لا ينطق سوى باسمه الشخصيّ. كما برز خلال العمل على «العهد الوطنيّ» الجامع لرأب صدع انقسام المعارضة السوريّة، تحضيراً لمؤتمر توحيد المعارضة في القاهرة صيف 2012، حيث كانت أكبر النقاط الخلافيّة هي رفض تنظيم الإخوان المسلمين الإشارة لشعار «الدين لله والوطن للجميع»، الذي كان شعاراً مؤسّساً للدولة السوريّة في مرحلة النضال من أجل الاستقلال، ومواجهته بمقولة «الدين لله الوطن للجميع».
كذلك عملت الكثير من القوى السياسيّة الأخرى المحسوبة على العلمانية على مقولة «الأغلبيّة والأقليّة»، مع ما تضمّنه ذلك من إشارة إلى وجود أغلبيّة في سورية تدين بالمذهب السنيّ. وانخرطت في خطابٍ إعلاميّ يدين مثلاً عدم انخراط مدينتي دمشق وحلب في الانتفاضة على أنّها «عمالة للنظام»، بمعنى العمالة لطائفة النظام.

أدّى كلّ هذا إلى خسارة المعارضة السوريّة لأيّ دعمٍ من المرجعيّات الدينيّة من مختلف المذاهب. هذه المرجعيّات الدينيّة لا تأخذ عادةً في بلدٍ مثل سورية مواقف سياسيّة، بل تمتثل لما تمليه عليها الدولة من مواقف. خاصّة وأنّ جزءاً منها أصلاً موظّف لدى وزارة الأوقاف. كذلك تنأى مرجعيّات مذاهب ما يسمّى «الأقليّات» عن التدخّل في الصراعات السياسية، انطلاقاً من التوافق الاجتماعي الذي أسّس الدولة. هذا الوضع يشبه وضع مصر، ولكن يختلف على ما عليه الأمر في الخليج أو في لبنان. ومع تطوّر الصراع، أصرّت بعض أطياف المعارضة على أن تأخذ هذه المرجعيّات الدينيّة موقفاً مسانداً صريحاً لها، خاصّة عندما تبنّت أنّها «الممثّل الشرعيّ والوحيد للشعب السوريّ». إلاّ أنّ هذا الموقف لم يتّسم بالحدّ الأدنى من العقلانية في حين تعتبر هذه المرجعيّات نفسها مسؤولة عن رعايها، القاطنين أصلاً في كنف السلطة. ولم يؤدّ الإصرار ومن ثمّ الاتّهام علانية بالتواطؤ في القمع إلاّ إلى عزل أطياف المعارضة هذه عن المرجعيّات، مع أنّ أغلبها كان يتعاطف ضمنيّاً مع الانتفاضة الشعبيّة في بداياتها، وينبذ القمع الدامي الذي ترتكبه السلطة. ما فاقم من الشرخ الطائفيّ.

ترسّخت المشاعر الطائفيّة فيما بعد بشكلٍ أكبر مع تشرذم القوى المناهضة للسلطة على الأرض وانفصامها عن الأجسام السياسيّة، كالمجلس الوطنيّ والائتلاف، وعسكرتها بشكلٍ كبير. وبالتالي أصبحت لمعظم الكتائب المقاتلة بنى تنظيمية تعتمد على مرجعيّات دينيّة وشرعيّة، أغلبها تميل نحو التطرّف، بدل المدنيّة منها. وأتى مقاتلون أجانب يقاتلون معها تضامناً على أسسٍ طائفيّة. وفي المقابل، انخرط حزب الله الشيعيّ في الصراع وتمّ حشد ميليشيات عراقية وأجنبيّة على أسسٍ طائفيّة. وأضحى الصراع يخاض ويفسّر على أسسٍ طائفيّة، بعيداً عن نهجه الأوّل.
انزلاق الصراع هذا نحو الطائفيّة جعل كثيراً من المواطنين يعزلون أنفسهم عنه. وهذا الانعزال لم يخصّ فقط أبناء المذاهب المسيحيّة، وكذلك الدرزيّة والإسماعيليّة، بل أيضاً الأكراد كمجموعة قوميّة لها أحزابها السياسيّة العريقة، وفي العموم أغلب السنّة والعلويين. فأغلب المواطنين السنّة قد هجروا إلى المناطق الخاضعة للسلطة حتّى ولو كانوا يحمّلون هذه السلطة مسؤوليّة ما حصل. وأغلب المواطنين العلويين باتوا يعيشون في رهاب الانتقام الطائفيّ. ورويداً رويداً انقلبت مشاعر التعاطف مع الانتفاضة الشعبيّة والسخط من قمع السلطة، لدى معظم المواطنين والمرجعيّات الدينيّة التقليديّة إلى تخوّف من المعارضة، ومن ثمّ إلى مناهضة صريحة لها مع نموّ التنظيمات المتطرّفة وانتشار الدمار في البلاد.
يبقى السؤال مطروحاً حول كيفيّة الخروج من الصراع الدامي العبثيّ الحالي، الذي يأخذ اليوم صبغة طائفيّة، وحول كيفيّة بناء صيغة مستقبليّة للعقد الاجتماعي في سورية ولنظام الحكم يفكّك تدريجيّاً التشنّج الطائفيّ الذي أصبح واقعاً.
في البداية لا بدّ من الإشارة أنّ الصراع قد تغيّر في طبيعته في الآونة الأخيرة مع سيطرة تنظيم الدولة الإسلاميّة على مساحات واسعة وإنشائه «لدولة» ومع اتجّاه جبهة النصرة وحلفائها وَجهة مماثلة. أوقع هذا التغيّر التشنّج الطائفيّ في خيارٍ بين التحالف مع التنظيمات المتطرّفة أو حتّى مبايعتها وبين مهادنة السلطة لمواجهة هذه التنظيمات. وهذا الخيار كان مرّاً في جميع أحواله لما تقوم به السلطة من قصفٍ عشوائيّ للمدنيين. إلاّ أنّ هذا الخيار يغيّر من طبيعة التشنّج الطائفيّ ذاته، إذ أنّه يضعه ضمن المسلمين السنّة بين التوجّهات المتطرّفة والتوجّهات الأكثر انفتاحاً تاريخيّاً، وليس بين «الأغلبيّة السنيّة» و»الأقليّات». فمن ناحية، يدفع إنشاء «خلافة إسلاميّة» الالتباس الذي يقوم عليه الإسلام السياسي إلى نهاياته. فها هي هذه الدولة تطبّق الشريعة والحدود حسب التفسير السائد أنّها صالحة لكلّ زمان ومكان. ويخلق منظومة مرآة لولاية الفقيه التي يناهضها الإسلام السياسي السنيّ. ومن ناحية أخرى، تطرح مواجهة الخلافة الإسلاميّة مسألة التوافق الاجتماعيّ على فصل تفاسير الشريعة عن إدارة الدولة بشكلٍ صريح، إلاّ أنّ الخروج من هذا الخيار يتطلّب إنهاء الشعور بالظلم الذي تعيشه فئات شعبيّة عريضة من جرّاء القمع الدامي الذي تمارسه السلطة في سورية، ومشاعر الخذلان تجاه الدول الإقليميّة التي تركت سورية تدمّر وشعبها يُقتل. ما يعني إطلاق عمليّة تغيير سياسيّ جوهريّة، إلاّ أنّ التغيير الجوهريّ أضحى عمليّة معقّدة. فمن ناحية هناك حرب قائمة متعدّدة الأطراف، تلعب فيها المصالح الإقليميّة دوراً رئيساً. ومن ناحية أخرى هناك انفصام حقيقيّ بين المعارضة السياسيّة وبين القوى العسكريّة والمدنيّة في أرض الواقع، انفصام تمّت أيضاً تغذيته من قبل قوى إقليميّة ودوليّة. بالتالي يتطلّب السير نحو الخروج من الصراع عملاً متزامناً على المستويين السياسي الكليّ والمحلّي على الأرض. كلاهما له تعقيداته،الحلّ السياسيّ الكليّ، وإن أتى نتيجة لانهيار السلطة، لا يُمكن أن يقوم على محاصصة طائفيّة، إذ لا وجود لطوائف بالمعنى الحقيقيّ للكلمة في سورية، كما في لبنان. بل يجب أن يتمّ إرساء عهد وطنيّ وآليّات مؤسسيّة تعطي الارتياح بالنسبة للشعور بالظلم وتطمئن على مستوى عدم هيمنة تفسيرات مذهبيّة، أيّاً كانت، على مشروعٍ وطنيّ. وبالحقيقة يجب أن تأتي هذه التطمينات أكثر من قيادات معتدلة محسوبة على الإسلام السنيّ منها ممّا يسمّى الأقليّات، على الصعيد الوطني كما الإقليميّ. بحيث تبقى سوريّة على مسافة متوازنة من مصالح ما يدعى بالمحورين السنيّ والشيعيّ،لكن أيّ حلّ على الصعيد الكليّ لا يمكن أن يكتب له النجاح دون الانطلاق من حلول محليّة تزيل الاحتقانات والأحقاد التي تراكمت مع الحرب على الصعيد المحليّ. وفي الحقيقة الأولويّة هي للعمل على هذا الصعيد، لأنّ الصراع يخاض أساساً على الأرض وليس في أروقة السياسة العالميّة أخيراً كثيراً ما يثار أنّ الحلّ في سورية يجب أن يتبع اتفاقاً إقليميّاً ودوليّاً كي يتفق السوريّون. لكنّ التجربة التاريخيّة تعلّمنا أنّ الحلّ يقع أوّلاً وأخيراً على عاتق السوريين. فكما حدث عند الانفكاك عن الدولة العثمانيّة وتأسيس الدولة الأولى، يكفي أن يتواجد لدى السوريين مجموعة من الشخصيّات النافذة التي تنبذ الشحن الطائفيّ وتحرص على نموذج البلد المتعدّد الأديان والمذاهب والأعراق كي يكون لأيّ حلّ أسس حقيقيّة. لا معنى عندها للتمييز بين ديموقراطيين وإسلاميين، بل بين طائفيين وأولئك الذين يقولون بالمساواة في المواطنة.
ـ

ـــــــــــــــــــ
*كاتب سياسي – منبر النداء الوطني

 

 

حنطة10 حنطة11 حنطة12 حنطة13 حنطة14

برومو الشهيد ناجي الجرف