ملف

الوجه الحقيقي للثورة السورية

*بسام يوسف

 

دائماً ما تضعني أسئلة المحور الذي تتناولونه في معضلة، فهي أسئلة تتعدّد وتتمدّد،إلى الحدّ الذي يصبح حجم الردود عليها غير مناسب لمجلّة، لكنّني وبكلّ الأحوال، سأحاول ما أمكنني الاختصار، رغم صعوبة ذلك.
إذا كانت التعدّدية دينيّة أو سياسيّة أو قوميّة أو…، وفي أيّ مجتمع، محصورة فيه ولا تتعدّاه إلى الدولة، فإنّها تكون في صيغتها الطبيعيّة، أعني في صيغتها الداعمة لتطوّر هذا المجتمع، لكنّ عند انتقالها إلى حيّز الدولة، فإنّها تتحوّل إلى الصيغة الهادمة له أو المعيقة لتطوّره.
إذا كانت الطائفة جزءاً من التعدّد الدينيّ لمجتمع ما، فإنّ الطائفيّة هي محاولة نقل الطائفة من حيّز التساوي مع المكوّنات الأخرى إلى حيّز السيطرة أو التميّز لهذه الطائفة أو تلك على حساب باقي طوائف ومكوّنات المجتمع، هذه السيطرة أو التميّز، هي جذر مشكلة اجتماعيّة تتفاقم وتتفاعل لاحقاً لتصل إلى الدولة، أي أنّها تنتقل إلى مايمكن تسميته بالطائفيّة السياسيّة؛ وهنا يمكن القول باختصار: إنّنا نكون قد وصلنا إلى الصيغة الأخطر في العلاقة السياسيّة التي تربط مكوّنات ذلك المجتمع
في واقعنا السوريّ -أو الإسلاميّ عموماً- لم يتم إنتاج العلاقة السياسيّة المناسبة لولادة المجتمع المغتني في تعدّده، لا بل، تمّ الاحتفاظ المتعمّد بصيغة تضادّ هذه المكوّنات وتنافرها،لمصلحة المحتلّ أو لمصلحة السلطة القائمة. باختصار: تمّ فتح الباب أمام التعدّدية للانتقال من الحيّز الاجتماعيّ إلى الحيّز السياسيّ لضرورات متعدّدة سواء أكانت سياسيّة (احتلال أوسيطرة أنظمة شموليّة تشبه الاحتلال) أو ثقافيّة (سيطرة الثقافة الدينيّة أو الشبيهة بها كالإيديولوجيّات الشموليّة) وكلّ هذا منع بقاء التعدّدية في إطارها الاجتماعيّ. لابل،جعل من اجتياحها لحيّز السياسة أمراً بالغ السهولة،يضاف إلى ذلك، أنّ كلّ النخب الثقافيّة أو السياسيّة أو الدينيّة في مجتمعاتنا اشتغلت على- أو ارتبطت بـ – برامج أكبر من الوطنيّة، إذ ربط الشيوعيّون مشروعهم بالمشروع العالميّ لصراع اليسار مع «الإمبرياليّة العالميّة» وكذلك فعل الإسلاميّون عندما اشتغلوا على المشروع الإسلاميّ الواسع، ولم يكن القوميّون أفضل حالاً، فقد ألغوا مشاريعهم الوطنيّة لصالح المشروع الأكبر أي المشروع القوميّ، والأدهى من ذلك،أنّ كلّ هذه المشاريع كانت ترى في المشروع الوطنيّ عقبة في وجه مشروعها «الأكبر» بعبارةأخرى، تمّ تجاهل العمل على المجتمعات المحلّيّة، وتمّ إهمال تكريس الثقافة الوطنيّة في مستوى النُّسُج الاجتماعيّة الوطنيّة، لا بل غُيّبت هذه الثقافة عبر ربط هذه النُّسُج بما هو خارج حدود الوطن، الأمر الذي منع نشوء الدولة الحقيقيّة بصيغها القانونيّة والدستوريّة والسياسيّة، لتنشأ بدلاً عنها الدولة الشموليّة المرتبطة بالمقدّس أو بالفكرة الأكبر، وتحت شعار هذا المقدّس أو الأكبر، تمّ سحق كلّ المشاريع الوطنيّة، وكلّ الأحزاب وكلّ الأوجه المدنيّة أو الثقافيّة أو السياسيّة لهذه المجتمعات
في كتابه (نظام الطائفيّة… من الدولة إلى القبيلة) اعتبر الدكتور برهان غليون أنّ الطائفيّة تنتمي إلى ميدان السياسة لا إلى مجال الدين والعقيدة، وفي هذا جانب كبير من الحقيقة، لكنّ المشكلة الأهمّ- كانت ولا تزال –هي إقحام الدين والعقيدة في مجال السياسة، أي في إضعاف الوطنيّ والسياسيّ لصالح السلطة أو الإيديولوجيا
غالباً ما تفتك الطائفيّة،أوّل الأمر وقبل كلّ شيء، بالرابطة السياسيّة التي هي أساس قيام الدولة بالصيغة الوطنيّة، أي بالعقد الاجتماعيّ الذي ينظّم علاقة الأفراد المكوّنين لمجتمع ما، ثمّ تفتك لاحقاً بالمجتمع المدنيّ، لتصل أخيراً إلى الفتك بالدولة ذاتها وبكلّ مؤسّساتها بالعودة إلى سورية والمشكلة الطائفيّة فيها، فإنّ التعدّدية الدينيّة أو الطائفيّة أو القوميّة هي مُعطى تاريخيّ وجغرافيّ لسورية ولبلدان هذه المنطقة عموماً، لكنّ المشكلة،أيضاً، ليست هنا، بل هي في عدم الاشتغال على هذا التنوّع لجهة صياغته وطنيّاً، وبالتالي فقد ظلّت هذه التعدّدية قابلة للتجيير لصالح أهداف لا وطنيّة عندما انفجرت الثورة السوريّة، والتي هي في جوهرها وحقيقتها وأسبابها ثورة شعب ضدّ نظام طغيانيّ مافياويّ، سارع النظام إلى استحضار الصيغة المتناحرة لهذه التعدّدية (وأقصد البنية المتعدّدة للمجتمع السوريّ) ووضعها في خدمة هدفه المتمثّل بإجهاض الثورة السوريّة وإسقاط أهدافها، فعمد إلى طمس وجهها الوطنيّ الجامع لكلّ مكوّنات المجتمع وألبسها ثوب الطائفيّة، لكي يضمن تفتيت هذه المكوّنات ووضعها في تضادّ فيما بينها، بينما ظلّ هو محتفظاً بنواته الصلبة العابرة للطوائف والمرتكزة أساساً على مصلحة فئات متعدّدة في بقاء هذه السلطة، والمتشاركة في لعبة الفساد والارتزاق، ومستقطباً إلى جانبه من اقتنع بالوجه الطائفيّ لهذه الثورة، متفوّقاً بذلك على المعارضة التي لم تنجح في سحب الشرائح ذات المصلحة الحقيقيّة بالثورة إلى جانبها، كما فشلت أيضاً في الاحتفاظ بقسم مهمّ ممّن كانوا معها في بداية الثورة، بناء عليه، لايمكن اعتبار هذه الثورة هي: ثورة السُّنّة ضدّ نظام علويّ، رغم كلّ الجهود التي بذلت من أجل إلباسها هذا الثوب، ورغم تقاطع مصالح الكثيرين في الداخل والخارج في اعتماد هذه الصيغة، ورغم فشل المعارضة السوريّة في تسويق الوجه الحقيقيّ للثورة، لا بل على العكس، فقدساهمت هذه المعارضة بشكل فعّال في تكريس ما اشتغل عليه النظام، أي تطييف الثورة.
إنّ انكشاف النظام أمام أغلب مكوّنات المجتمع السوريّ وانفضاح بنيته وانهيار بناء مقولاته وشعاراته، لم يكفِ لكي يتراجع الوجه الطائفيّ عن مشهد الثورة السوريّة، ولا يزال هذا الوجه عائقاً حقيقيّاً أمام انتقال الثورة إلى تحقيق أهدافها، والتي تبدأ باسقاط صيغة النظام السابقة للانتقال إلى صيغة النظام الديمقراطيّ الوطنيّ القائم على المواطنة المتساوية، ولعلّ هذا ما جاء كنتيجة لسنوات من القتل والتدمير والعمل الممنهج لتكريس الوجه الطائفيّ، ولدفع المكوّنات الطائفيّة إلى دوّامات الحقد والثأر.غ
لكي يتمّ الخروج من هذا المأزق الحقيقيّ، يجب العمل حثيثاً على إعادة الاعتبار للأسباب الأساسيّة في انفجار الثورة السوريّة، ولا بدّ من أجل هذا من إنجاز مشروع وطنيّ يتجاوز الطوائف وكلّ أنواع التعدّد في المجتمع، مشروع تقتنع فيه هذه المكوّنات بأنّ مصلحتها الحقيقيّة هي في هذه الصياغة من العقد الاجتماعيّ ومن الصيغة السياسيّة للدولة القادمة، ولا بدّ أيضاً من استبدال الواجهات السياسيّة للمعارضة السوريّة، هذه الواجهات التي لم تعد قادرة على اقناع السوريّين بأنّها حامل حقيقيّ لمشروع وطنيّ، أو أنّها قادرة على حماية هذا المشروع
ـــــــــــــــــــــ
*رئيس تحرير جريدة كلنا سوريون

 

حنطة4 حنطة5

برومو الشهيد ناجي الجرف