ملف

الواقع الطائفي في سورية بين الإنكار الإيديولوجي والصلابة المحققة

بكر صدقي*

دأبت الثقافة السورية على التعاطي مع موضوع الطوائف والطائفية كما لو كانت عاهة يجب إخفاؤها، أو أن الحديث العلني عنها أمر مشين وغير لائق، فضلاً عن كونه ضاراً سياسياً. وهكذا كنا إزاء مستويين من السلوك، أولهما علني يحرص على إخفاء العاهة المشينة، ويتحدث عن وحدة وطنية وتعايش لا مثيل لهما في العالم؛ والثاني سري يتم تداوله في المجالس الضيقة، يمكن تلخيصه بالعبارة الشهيرة (أنا أكره الطائفية والطوائف الأخرى غير طائفتي) يعود هذا السلوك الفصامي، إلى حد كبير، إلى هشاشة الهوية الوطنية السورية التي لم تر النور يوماً. بالمقارنة، نلاحظ أن الحديث العلني عن الانتماءات الطائفية في لبنان وتركيا، على سبيل المثال، سلوك سوي لا يعيبه أحد على أحد. وعلى رغم الاختلاف الجذري بين هاتين التجربتين، لا يمنع التناول العلني الطبيعي لموضوع الانتماءات الطائفية في البلدين، من وجود قوي – كلاً على طريقته – لهوية وطنية متفاخرة. وإذا كان النظام السياسي اللبناني قائماً أساساً على تقسيم طائفي للسلطة، ويشكل فيه حزب الله، اليوم، امتداداً إيرانياً داخل الجسم الوطني اللبناني، فالوطنية اللبنانية المتفاخرة لم تفقد شيئاً من تأثيرها حتى لو تمثلت بما يمكن تسميته بـ»نمط الحياة اللبنانية»، ناهيكم عن هذا الالتفاف الجامع حول المؤسسة العسكرية الذي شهدنا فصله الأخير في معركة عرسال، وفي تركيا المنقسمة بحدة بين كردها وأتراكها، وسنييها وعلوييها، وعلمانييها وإسلامييها، ويسارها ويمينها، فضلاً عن انطواء نسيجها الاجتماعي على أقليات ميكروسكوبية بالقياس إلى بحر المسلمين السنة (الأرمن والسريان واليهود واليونانيين والتركمان والشركس وغيرها من الجماعات) نلاحظ نزعة وطنية قوية لا تستثني حتى الكرد الذين تشكل هويتهم القومية عصبية فاعلة بقوة في مسلكهم السياسي، بخلاف الجماعات الأخرى. وتأتي العصبية العلوية في المرتبة الثانية من حيث فاعليتها وأثرها على مسالك الأفراد. لكن كل هذا التنوع وكل تلك التنافرات لا تمنع وجود ما يمكن تسميته بـ«ذهنية تركية» و«نمط حياة تركي» و«قيم اجتماعية تركية» و«ثقافة تركية» يجمعها في هوية وطنية واحدة إزاء «الغرباء». مع ضرورة الاستدراك أن صفة «التركي\التركية» في العبارات السابقة منسوبة إلى تركيا وليس القومية التركية، يكمن وراء هذه الوقائع شيء من القبول العام بالإطار الوطني، الأمر الذي افتقدت إليه الثقافة السياسية في سورية. هذه الثقافة التي طالما تعاملت بازدراء مع الحدود الوطنية القائمة بوصفها من نتاج الاستعمار البريطاني – الفرنسي، وآمنت بأنها طارئة وإلى زوال لمصلحة الوطن العربي أو الأمة الإسلامية أو القومية السورية. 1
ولكن هناك سبب آخر لإخفاء «العاهة الطائفية» يضاف إلى هشاشة الهوية الوطنية السورية، يتعلق بالانتماء الأقلوي لقمة النظام الذي أرسى أسسه حافظ الأسد، وهو الأهم في جعل أي حديث عن الطوائف من المحرمات التي تستحق شديد العقاب. صحيح أن نظام 23 شباط البعثي – اليساري هو من وضع اللبنات الأولى لهذا النظام، لكنه لم يكن غير مقدمة تمهيدية للحكم المديد الذي سيقوم بتحويل سورية إلى مملكة وراثية متمحورة حول هويتها الأسدية
برأيي أن الأسد قام بصفقة مع الشيطان فحواها تأبيد حكمه في نظام قائم على تراتبية طائفية تمنح طائفته العلوية (وهي أقلية عددياً) موقعاً مميزاً في بنى السلطة (الدولة العميقة) مقابل إنكار وجودها في الوعي العام. بكلمات أخرى: كان العلويون موجودين في كل مكان بصورة ظاهرة، في أجهزة المخابرات التي هي مقر القوة الأول، وفي قيادات الجيش، وفي الإعلام، وبعد التوريث في عالم المال والأعمال والوجاهة الاجتماعية. ولكن مع تخليهم الطوعي، في العلن، عن هويتهم العلوية بوصفها هوية دينية – ثقافية. هذا ما جعل وجودهم العلني في الفضاء العام «غير مرئياً» بحيث يراهم جميع السوريين وينكرون وجودهم في الوقت نفسه. من أمثلة هذا الإنكار المكابر تمسك حزب العمل الشيوعي، في ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته، برفض وصف نظام الأسد بأنه نظام طائفي، وقوله عنه «نظام يحمل بعض السمات الطائفية». الأمر الذي ما زال سائداً، في السنة الرابعة من الثورة، لدى كل «المعارضة المقبولة» وأعني بها كل القوى التي تتحدث عن أفق وطني ديموقراطي علماني، وترفض أي إشارة إلى الاختلافات القائمة في البنية الاجتماعية بين مختلف الجماعات الدينية أو المذهبية أو الاثنية أو الثقافية، وتتحدث عن «شعب سوري واحد» غير موجود إلا في الأوهام الإيديولوجية.
الواقع أن «الشعب السوري الواحد» أو الهوية الوطنية السورية، كانت رهاناً أساسياً من رهانات الثورة، وليس واقعاً متحققاً. بل إن من أطلقوا هذا الشعار وألحوا في تكراره كانوا مدفوعين بهاجس غيابها الواقعي. فقد كانت وحدة الشعب في مواجهة النظام الدكتاتوري الشرط الشارط لسرعة إنجاز الثورة لأهدافها. وإذ اتضح بسرعة أن السوريين منقسمين بحدة حول هدف التغيير، وأن قسماً لا يستهان به منهم يرى في التغيير ما يتعارض مع مصالحه الفئوية، دخلت الثورة مساراً عسيراً غيَّر الكثير من مقدماتها الزاهية.
يتطلب تغيير واقع الحال هذا مروراً إجبارياً عبر طريق الاعتراف بواقع الانقسامات في المجتمع، وأن الجماعات السورية ذات مصالح وتطلعات متباينة، وفي بعض الحالات متعارضة. فتمويه واقع الهيمنة العلوية على النظام السياسي ولَّد طباقه البديهي في صورة المظلومية السنية التي وجدت تعبيرها في الإسلام السياسي والإسلام الجهادي.1
ـــــــــــــــــــــ
*كاتب سياسي

حنطة6

برومو الشهيد ناجي الجرف