ملف

الطائفية وفشل الدولة الوطنية

حسام ميرو*

لا يمكن مناقشة المسألة الطائفية في سورية خلال السنوات التي تلت الحراك العام في آذار 2011 دون التوقف عند مغزى الحراك نفسه من منظور اجتماعي اقتصادي، فالمسألة الطائفية ليست مفصولة عن التطور الاجتماعي الاقتصادي لأي مجموعة بشرية، خاصة إذا ما اعتبرنا الطائفية، وهي كذلك، إحدى تجليات الفوات العام، أي تأخر مجمل البنى عن مطابقة الواقع في صيرورته التاريخية.1
أتى الحراك العام في سورية ليعكس وصول الأزمات العديدة إلى ذروة لم يعد بالإمكان معها استمرار الأحوال على ما هي عليه. وإذا كانت موجات الربيع العربي قد أعطت دفعاً للحراك السوري إلا أن عوامل هذا الحراك كانت مختمرة في الواقع السوري نفسه، فإذا ما أخذنا إحدى تجليات الأزمة السورية في بعدها الاجتماعي/ الاقتصادي من منظور خط الفقر، فإن نسبة السوريين المصنفين تحت هذا الخط كانت حوالي 30.1% في عام 2004، أي قبل انطلاقة هذا الحراك بسبع سنوات، وبناءً عليه يمكن لنا أن نتخيل نسبة السوريين التي كانت واقعة تحت خط الفقر في عام 2011
لكن، وكما يعلمنا الدرس التاريخي فإن العامل الاقتصادي لا يمكن أن يفسر لوحده ظاهرة اجتماعية / ثقافية ما، لكنه يساعد على فهم الواقع الذي تتحرك فيه تلك الظاهرة، وكيفية إنتاج تجلياتها المختلفة، ومن هنا فإن تردي الواقع الاقتصادي في سورية يمكن له أن يسلط الضوء على أحد معطيات الأزمة التي أنتجت الحراك السوري، كما أنه يساعد على فهم البيئة التي راحت تغذي الطائفية. 1
إن النظام الاقتصادي السوري في الشكل الذي كان عليه عشية الحراك هو نظام هجين، يتسمُ بصفةٍ رئيسية، تتمثل بسيطرة الدولة المحسوبية عليه، ومن هنا فإن ليبرالية هذا النظام هي ليبرالية مشوهة لا تنتجها آليات السوق، وإنما هيمنة النظام السياسي الشمولي، والذي يرفض أن يكون الاقتصاد حلبة منافسة طبيعية، كما رفض وما زال أن تكون السياسة حلبة طبيعية للصراع، وليس احتكاراً العنف، كما جرى قبل الحراك، وما زال.1
وعلى الرغم من كل الشعارات التي رفعها النظام حول عملية التحديث والتطوير بعد عام 2000، إلا أن وعي النظام بالحاجة إلى التطوير والتحديث بقي مرهوناً في إطار تجميل صورة النظام، وهو ما أدى إلى إعادة صياغة القوانين في مجال التجارة والاقتصاد وتنظيم سوق العمل بما يتماشى مع توجهاته الجديدة، والتي أفضت لاحقاً إلى تضييق دائرة المستفيدين من النظام الاقتصادي، وهو ما عنى فعلياً تقييد النشاط الاقتصادي بعدد قليل من المحسوبين على الدائرة الأولى المقربة من رأس القرار، وكل ذلك أفضى فعلياً إلى تقليص حجم وفعالية الطبقة الوسطى، وفي الحساب التراكمي لهذه العملية خلال عقدٍ كامل كان التهميش هو النتيجة الأكثر وضوحاً في الفضاء الاجتماعي/ الاقتصادي.1
وإذ كنا نحاول فهم أسباب صعود الهويات ما قبل الوطنية على ضوء العقد الأخير على أقل تقدير، ومن بين تلك الهويات الهوية الطائفية، فإن صعود هذه الهوية مرهون بالعقدين الاجتماعي والوطني، وهما العقدين اللذين تعكسهما تعاملات الدولة مع مواطنيها.1
وكلما تراجعت مكانة الدولة الوطنية فإن الفرصة تكون سانحة لصعود الهويات ما قبل الوطنية، لا سيما مع تراجع إمكانات حضورها وشرعيتها، ومن هنا فإن صعود الهوية الطائفية يشكل مرآة تعكس الدرجة التي انهارت فيها وطنية الدولة، وانهيار وطنية الدولة هو نتاج حالة تراكمية، وليس مسألة ينتجها ظرف محدد مهما كان حدياً وقاسياً، فمن الخطأ المنهجي أن نعتبر أن صعود الهويات الطائفية في سورية قد بدأ مع مواجهة النظام للحراك بالعنف، لكن يمكننا القول إن استخدام هذا الكم غير المسبوق للعنف من قبل «مواطنين» ضد «مواطنين» مثلهم نتيجة طبيعية لانهيار وطنية الدولة، وغياب حس المواطنة.1
لقد فشلت الدولة السورية بعد الاستقلال أن تنتج دولة المواطنة والمواطنين، وبالتعريف فإن دولة المواطنة هي الدولة التشاركية، والتي تقوم سياسياً على الديمقراطية، وكان فشل تجربة الدولة السورية في التأسيس لمبدأ التشاركية في الحكم أثره العميق في تغذية الهويات الثانوية
ولئن كان ممكناً أن تبقي الدولة الهويات الثانوية تحت السيطرة نتيجة ممارساتها القهرية، وشبكات النفوذ والمصالح، إلا أن جملة من المتغيرات، ومن ضمنها تقلص شبكات النفوذ والمصالح، وزيادة رقعة الفئات المهمشة، كانا من ضمن العوامل التي أدت إلى تفجّر حالة الحراك السوري، كما أن آليات التعامل مع هذا الحراك من قبل السلطة سمح بحالة انهيار سريع للعقد الاجتماعي والوطني، وظهور التعبيرات الدالة على الهويات ما قبل الوطنية، بوصفها ثمرة الفشل التاريخي للدولة السورية ما بعد الاستقلال، وفشل الدولة الوطنية في أن تكون دولة كل المواطنين.1
وفي هكذا حال، فإنه
من الطبيعي أن نشهد حالة من التطييف للصراع في سورية، وأن نشهد في الوقت نفسه استثماراً إقليمياً للمسألة الطائفية في سورية، فما زالت دول الإقليم في معظمها تتشارك حالة الفوات التاريخي السياسي والاقتصادي والاجتماعي، كما أنها لم تنتقل بعد من دولة الغلبة إلى الدولة التشاركية، وما زالت تستثمر جدياً في استمرار حكمها في كل الأيديولوجيات والعقائد التي لا تنتمي إلى منظومات ما قبل المواطنة.1
ـــــــــــــــــــــ
*رئيس تحرير جريدة البديل

 

حنطة7

برومو الشهيد ناجي الجرف