ملف

طوائف بلا طائفية

رياض درّار*

 

لايمكننا التغاضي عن تصريحات بعض المثقفين والقادة السياسيين في موضوع الطائفية فإنها في معظمها ديماغوجية: أي لغة سهلة وشعارات فارغة ومزايدات ليس إلاّ.  إنهم حين يفرّون من حديث الطوائف إنما يقعون في مزالق الطائفية المستورة وراء كلمات التنفير والبغض وحتى التشهير بمن يسعى للخوض في الموضوع بعلنية وصراحة، أو بمن يدعو إلى ملتقيات لدراسة المسألة الطائفية والبحث في تأثيراتها خاصة في الأزمة السورية… الطائفية عقيدة أكثر خطورة وجدية مما نظن. إنها مغروسة في أعماق الوعي الفردي والجماعي والتخلص منها يتطلب عدة أجيال، والهروب منها إلى المسألة الوطنية لايكون منتجاً إذا لم نحدد مكان الطوائف في المسألة، وإذا لم نتخلص من جذورها في العقول .
نأسف حين نرى أنه لا يوجد حتى هذه اللحظة فكر جاد ومسؤول عن الطائفية في العالم العربي، ماذا يوجد إذن؟ يوجد كلام الطوائف فقط !!! أي ذلك الكلام الموروث أبا عن جد منذ مئات السنين والذي لا هدف له إلا تبجيل الذات وتحقير الآخر أو حتى تكفيره. ولهذا السبب المشكلة طويلة الأمد وستبقى، وإنه ما دامت لم تُحل المسألة الطائفية فكرياً فلا يمكن أن تُحل سياسياً في المدى المنظور.
كما أنه لا يمكن أن تفهم المشكلة الطائفية بشكل صحيح وعميق إذا ما بقينا سجناء دين واحد فقط. ينبغي أن نطلع عليها من خلال عدة أديان أو على الأقل من خلال الدينين الكبيرين (الإسلام والمسيحية) لكي نفهم الأمور على حقيقتها ومن خلال المعاناة التي عاشها من اكتوى بنارها. عندئذ سنعرف كيف حلت الدول المتقدمة المشكلة الطائفية بشكل جذري.
نحن نُخطئ إذ نظنّ أنّ داء المذهبية مقتصر على الإسلام، والسنة والشيعة، إلخ.. إنه موجود في كل الأديان. والذين قبروا الطائفية حاربوا لأجل ذلك عندما أسسوا لأول مرة المدارس العلمانية التي تعامل الجميع على قدم المساواة ولا تقيم أي تمييز بين الطلبة على أساس طائفي، ولكن أيضاً عندما كانت مناهجهم قد دفنت الجذور المؤسسة لها.
فهم الطائفية وفق معيار تفهم على أساسه، لا وفق هوى أو فهم دون ضوابط، فالطائفة هي: الجماعة والفرقة، فهم جماعة من الناس يجمعهم مذهب أو رأي يمتازون به دون غيرهم وهذا حق لا يمنع منه إلا مستبد برأيه أو بحكمه وحين يظهر التعصب على الجماعة حول مذهبها أو رأيها تبدأ الطائفية، والتعصب فيه محاباة الجزء دون الكل، لأن الطائفة أيضاً معناها الجزء والقطعة، فلو كانت الطائفية تعصب للكل لما كان فيها خطر،  والخطر هو على الانتماء الجامع للكل، على الوطن و الانتماء الوطني، فالطائفية هي تقديم ولاءات فرعية على الولاء الوطني العام، وتقديم مصالح جزئية على المصلحة العامة .
وإن الذي يدفع إلى التعصب الطائفي إنما ينتج من السياسة لا من طبيعة التنوع والتعدد، فحين تنحاز الدولة إلى فئة يقع الظلم بسبب ذلك على فئات أخرى، على طائفة أو طوائف أخرى، فالطائفية تنبع من خطر واحد، هو اعتماد الحكام على التلاعب بالمصالح الخاصة والمراهنة على علاقات تضامن دينية بديلة عن الوعي المدني الذي يحتكم لقانون عادل يشمل الجميع على قدر المساواة .
إن مفهوم التعددية الدينية أو الثقافية وحتى الإثنية – وإن قام ذلك التعدد على شكل من التدافع أو نوع من الانسجام – فهو حالة اجتماعية تنم عن التنوع الكبير الذي لابد منه طبيعة وفطرة (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين) لكن غياب مفهوم واضح للوطنية غيّب هذه السعة في التنوع الاجتماعي، والمذهبي، والديني، والإثني لأنّ نشاطاً ثقافياً وتعبيرات سياسية سادت في فترة الحضور القومي أرادت للأمة أن تتسم بالتجانس فنظرت إلى العصبيات والانتماءات الجماعية الفرعية بنظرة دونية، وخاضت معها حروب سيطرة وعداوة وسعت لتغييرها ما جعلها تدافع عن نفسها وتحتمي أكثر وراء ولاءاتها وزعاماتها ومكوناتها الثقافية، مما جعل التكون الوطني يعيش أزمة، فلم يستطع أن يخلق نسيجاً يفرض خصوصيته ولم تتكون الوحدة السياسية التي تتفهم قانون الوطنية الجامع في دولة موحدة، دولة لا يضيرها تعدد الطوائف والاثنيات في المجتمع، ذلك أن الدولة التي تقوم على المساواة، وتكافؤ الفرص، دولة تقوم على عقد اجتماعي بين أفراد أحرار ومستقلين تجمعهم مبادئ مشتركة، ويقوم تنافسهم على الاختيار بين برامج للقوى السياسية، مثل هذه الدولة لاتخشى التنوع ولا التعدد الإثني والديني والمذهبي إذا بقي في إطار الاجتماع العام دون تدخل في السياسة أو تدخل السياسة فيه .
عندما لا تكون هناك سياسة موحدة تعطي كل ذي حق حقه سيتراجع الولاء إلى القبيلة أو الدين، والقبيلة عصبيات متنافسة والدين مذاهب وطوائف متعددة وبينها تاريخ من الخلافات والصراعات لابد أن تستيقظ بغياب سياسة جامعة تتمثل بالدولة التي لا يجب أن تميل إلى قسم من المجتمع، لأنها إن فعلت ساهمت في تأجيج الصراع الطائفي بترجيح كفة جزء من المجتمع على الآخرين.
إن ميل الدولة إلى جزء من المجتمع يشجع الروح الإنقسامية، ويبث سموم التجزئة الإثنية والطائفية، وهي تبقى بصورة خفية بسبب قوة الدولة وسيطرة مشروعها إلى حين تضعف الدولة فتظهر هذه المكونات على السطح بصورتها السلبية، وتناحرها التقليدي، وشعاراتها العدائية .
في حالة ظهور التنافس الطائفي لا يكون المرجع الثقافي والأساس التاريخي للإنقسام إلا أداة للتذكير والتحفيز وكسب المؤيدين، وفي هذه الحالة لا تكون الطائفية ورقة اعتماد الناس للتعبير عن أنفسهم بل الهدف السياسي هو الذي يشد الدين والعصبيات وراءه ويتغذى بها، وفي هذه الحالة يصبح للصراع السياسي والعنف والقتل تبريرات دينية تخدم أصحابها، وتسيء للقيم السامية للدين، وللأخلاقيات والمرجعيات التي تؤسس للجماعات .
لاشك أن المستفيدين من تأجيج هذا الأتون طبقة المصالح والنخب التي ترتبط بسياسات وولاءات لاعلاقة لها بالدين ولا بالأقوام ولا بالمشاعر المشتركة التي تعزز قيم التضامن سواء الديني أو العصبي.
إن الطريق الذي يسحب البساط من أصحاب المصالح التي تستغل الولاءات في السياسة أن نفصل الدولة عن نشاط المجتمع، فالنشاط الديني والثقافي والمحاور الاجتماعية الأخرى تتضامن وتتكافل وتتنافس، ولكن لاتنقل ذلك إلى مستوى الدولة، فالدولة تعتمد بناء الشأن العام، وتتحمل المسؤولية في تقديم المصالح العامة للجميع من صحة وتعليم وخدمات عبر بُنى ومؤسسات عمومية تخدم التعاقد الاجتماعي كله ولا تكون بخدمة طبقة ولا عائلة أو فئة أودين على حساب غيره.
فحيادية الدولة عامل مهم في تكوين الوطنية، وفي الحفاظ على الوحدة وتماسك المجتمع من الانفراط، مع السماح بحرية الحركة في إطار المجتمع المدني للجميع للتعبيرعن ثقافة أو انتماء أو ولاء للمعتقد .
في المجتمع المدني تتحرك الأعراف، وتستمر التقاليد، وتتفاعل الحوارات، ويقابلها المجتمع السياسي الذي تلتقي فيه الجماعات السياسية على أهداف وقواعد وعلاقات غايتها الوصول إلى الحكم، وطريقها التنافس الخلاّق وليس الصراع الدامي، ووسيلتها صناديق الانتخاب وتداول السلطة، والخضوع للقانون الذي يضمن معاملة متساوية للجميع دون تمييز في أصل أو عقيدة أو انتماء طائفي أو مذهبي.
فالرابطة السياسية هي التي تحشد الولاء العام، والقيم العامة والتوجهات المشتركة، وباسمها تقوم الدولة وليس باسم الدين أو العقيدة أو القبيلة أو العصبية، عداك عن أن تكون باسم العائلة كما نراها في بلادنا.

 

ـــــــــــــــــــــ
*معارض وباحث إسلامي

photo.php

 

برومو الشهيد ناجي الجرف