ملف

ملاحظات في المسألة الطائفية الراهنة

طارق أحمد*

 

في الأصل، ليست لبشار الأسد شعبيةٌ جادّةٌ أو كاريزما بين العلويين. وعندما اندلعت الثورة جرى تمتين التلاحم حوله بوصفه عنواناً لاستمرار سلطة العلويين، ولحمايتهم من حساب السنوات الطويلة من التعسّف والاسئثار، دون أن تزداد القناعة بشخصه زيادةً تذكر. نمط البطل العلويّ حقيقةً هو رفعت أو ماهر الأسد. وعندما أبدى بشار بعض الترويّ (عدم “سحق” المظاهرات، والاكتفاء بتفريقها مع عددٍ من الضحايا أو من دونهم) خرجت مظاهراتٌ في بعض المناطق العلوية أطلقت هتاف “بشار عالعيادة وماهر للقيادة”، في إشارة إلى “تمدّن” الطبيب الذي درس في الخارج، ويبدو رخواً، والمتزوّج من سنّية. وعندما استفرغ بشار طاقات جيشه، وصولاً إلى الكيماوي والسكود، سكت هذا التذمّر عنه. ولكن عندما لم يجدِ كلّ ذلك عاد الشعور بأنه “فاشل”. من جهةٍ أخرى، فإن حافظ الأسد شبه إلهٍ عند العلويين، رغم أنه أعقد من أن يشبهوه. ولكنهم واثقون من قدرته على “حلّها”، بالتفاهم والتفاوض، أو بالسحق في وقته ومكانه وقدْره المناسبين، أو بمزيجٍ شاملٍ من كلّ ذلك. المهم أنه كان سيعبر بالعلويين هذه الأزمة الوجودية، كما عبر بهم إلى السلطة والثروة.

الآن، شعبية بشار الأسد المحدودة في حضيضها بالفعل، ولكن ما الحلّ؟ ما زال هو رمز توحّد الطائفة ومركزها وممثلها كـ”نظام” له علاقاته الدولية وموارده وإدارته الموحّدة لمناطق واسعةٍ من البلاد… إلخ. فمن البديل؟ لا بديل فعلاً، ولكن شعبية العقيد سهيل الحسن (النمر) في تصاعدٍ متسارعٍ وكبير. في معظم مناطق العلويين تُرى سياراتُ مكتوبٌ عليها “رجال النمر”، دون ارتباطٍ عسكريٍّ أو تنظيميٍّ به، بل انجذاباً للرمزية التي صنعها مزيجٌ من الوقائع والإشاعات. وقد قامت هذه الرمزية أساساً على القدرة على “الإنجاز”، أيّ –ببساطةٍ- على المزيد من الجرائم الوحشية وسياسة الأرض المحروقة التي أدّت إلى مقتل وجرح الآلاف، وإلى تشريد مئات الألوف، وإلى دمارٍ هائل. نعم، تتراجع شعبية بشار الأسد ولكن لصالح العقيد النمر، لا لصالح عبد العزيز الخيّر الذي ما زال مصيره مجهولاً في سجون النظام! فهل هذا التغيّر إيجابيّ؟

تتفاوت تقديرات عدد قتلى العلويين من الجيش وأجهزة النظام المسلحة وقوّات تشبيحه. ويصل بعضها إلى سبعين ألفاً. وهو عددٌ هائل بالنسبة إلى أقليةٍ تتراوح حول 8% من السوريين. يعرف العلويون أكثر من غيرهم أعداد القتلى وتوالي مواكب التشييع ووصول الجثامين من ساحات المعارك المختلفة في كلّ أنحاء سورية. ويشعرون الآن بعدميةٍ واضطرابٍ لا يبدو أمامهم مخرجٌ منهما. ووراء كلّ هؤلاء القتلى جروحٌ وآباءٌ وأمهاتٌ وزوجاتٌ، ووراءهم أيضاً مشاعر ثأريةٌ لدى الإخوة والأبناء والأصدقاء، وكذلك مشاعر ثأريةً ومظالم في المناطق التي كانوا يقصفونها دون رحمةٍ، ودون أن يفرّقوا بين من يسمّونهم بالإرهابيين وبين “حاضنتهم الشعبية”.

ليس الكلام السابق طائفياً، ولكن لا جدوى من تكرار الزجل التصالحيّ الذي ساد طويلاً بصيغته المتجاهلة للوقائع، ولم يفِد في اجتذاب العلويين أو “طمأنتهم” كما كان أصحابه يأملون. وإذا كان جمهور الثورة قد تقبّل هذا الخطاب في البداية، امتثالاً لآراء من اعتُبروا “رموز” المعارضة، أو رياءً، أو تجنباً لصدامٍ واسعٍ لا يبقي ولا يذر؛ فإن هذا الصدام قد حصل، وأصبح الوجه الطائفيّ الذي أسفر عنه النظام وحلفاؤه، وسلكته الثورة أيضاً، أمراً واقعاً لا يمكن تجاوزه بطيب الكلام.

في الحقيقة، ظهرت بوادر طائفيةٌ منذ بواكير أيام الثورة. وقيلت بالفعل كلمات “العلوية عالتابوت والمسيحية ع بيروت” في بعض المناطق التي كانت تعاني من تمييزٍ طائفيٍّ سلطويٍّ أشدَّ من سواها. ولكن هذه الشعارات لم تكن هي الطابع العامّ لشعارات الثورة وعقلها ومسارها حينها. وعندما أسمى السوريون جمعة 17/6/2011 بجمعة صالح العلي كان ذلك بهدف تجسير المسافة مع “الشركاء في الوطن” بالفعل، قبل أن يهشّم هؤلاء الشركاء بأعتى الطرق الممكنة أية جسورٍ محتملةٍ للتواصل، وأصبحنا في حالةٍ من الاستقطاب الطائفيّ الذي يتغذى بثاراتٍ دمويةٍ هائلة، مما يجعل معالجة هذا الموضوع بالغة العسر الآن.

حنطة15

برومو الشهيد ناجي الجرف