ملف

في تعريف الطائفية: إشكاليّة البيئة السورية

علاء الدين الزيات – ناشط مدني

اختار الأستاذ علاء الدين الزيات الإجابة على الأسئلة بشكل منفصل.

  1. كيف نستطيع تعريف الطائفية، وما الفرق بين الطائفة والطائفية والطائفية السياسية؟
    مدرسياً، ثمة تعاريف عديدة تمتلك سياقاً تاريخياً وخصوصية جغرافية. وهي ليست بالمسألة الإشكالية، ربما إشكالية البيئة السورية في (التحريم والاباحة) وأقصد تداول بنى مجتمعية واسعة لاعتماد الطائفية (مذهبية أو فكرية أو مناطقية) مع رفض لفظي لمضمونها، وحين نضيف عامل صراعات السلطة داخل وخارج النظام ومع امتدادات إقليمية (حيث تتجاوز الطائفية حدود الجغرافيا السياسية) نعي أهمية ترك التعريف المدرسي جانباً والبحث في خصوصية تاريخية – جغرافية مميزة، وهذا يدفع للتركيز على الأسئلة الخمسة الباقية.
  2. كيف يُنظر إلى تعدد وكثرة الطوائف في سورية، أين تكمن جذور الطائفية، وكيف ظهرت حساسيتها فجأة في ظل انحسار الدولة؟
    ليس من مشكلة في التعدد الطائفي في سورية إلاّ في نمونزعتها لإعاقة مشروع الدولة، تقدمها عليه أو اعتماده وسيلة لمراكمة المكاسب. وبدلاً من طواف يجعل الهوية الوطنية مركز إبداعه وتمسكه لتكون جزءاً من هوية إنسانية عامة. تُستبدل الطائفية نموذجها المُستعلي والمبني على أوهام التفوق العددي مرّة، أو التاريخي مرّة، أو القانوني مرّة، أو المنتزع بحكم السياق مرة أخيرة.

إن أمانٍ عابرة للحدود، وتحالفات تُبنى على أسس طائفية تدفع بمشروع الهوية عقوداً للخلف وتُتيح تداولاً جديداً لمفاهيم الوطن والشعب والتاريخ المشترك وحتماً وبالأهم حول المستقبل، هذا واقع الحال اليوم. هي ليست حساسية لهجات ومزاج ديني ومنظومة أعياد وثقافة مطبخ ومشروبات، هي تُخوم تمييزٍ جعلتها الإدارات المتعاقبة وسائل عزل وارتهان وأدوات قمع، ولم تنجُ المعارضات من اتباع وسائل مضادة مشابهة بالعمق، كردود أفعال، سواء باعتماد السياسة فقط كشكل من أشكال الصراع على السلطة، وتقديس الخاص (الطائفي) بديلاً للوطني.

  1. 3. برأيك، هل كانت الطائفية أداة من أدوات النظام، أم أن النظام بطبيعته نظامٌ طائفي البنية؟
    بين البنية والأداة ثمة فارق حقيقي، فالأول تكويني عضوي والثاني مؤقت، الطائفية في سورية بفرادة مميزة تمتلك المعنيين في تبادل أدوار بحسب الحاجة، وليست دعوة لتوفيقية في الإجابة بقدر ما هي دعوة لقراءة السياق التاريخي لتطور الصراع الطائفي في سورية.

وللتوضيح يجب الإشارة إلى طائفية تتجاوز المفهوم الضيق للعلويين كحكام لسورية منذ 1970 بل الإشارة الى منظومة تطييف عامة تعتمد التناقضات التي تتجلى في الفروقات (تاريخية وفقهية وفولكلورية وتراثية … الخ) لصياغة مفهوم مجتمعي لإدارة المجتمع وفق ذلك من فوق.

كانت مركزية الدولة الأمنية عابرة لكل ذلك ولكنها قادرة على توظيف التطييف (بنوعيه الداعم والمناوئ) في تنظيم صراعات لا تلغيه ولا تقلل من قبضة النظام في الإمساك بالجميع (الثمانينات – التسعينات – واليوم)

  1. هل ما ينطبق على النظام ينطبق على الثورة، هل نحن إزاء ثورة سنية في مواجهة نظام علوي، أم أننا نشهد ثورة شعب مقموع نهض لأسباب تتعلق بالكرامة أساساً؟
    المعنى الرئيسي للحدث السوري هو الأزمة المجتمعية العامة: توقف مشروع التنمية والتراجع التدريجي لمفاهيم هوية وطنية ووطن. لا يُقلل ذلك مطلقاً من وجود معاني حقيقية للتجديد والتغيير في بنى مجتمعية مشاركة في الحراك، ولكن أثرها تراجع أمام نهوض قوى ذات رؤى أضيق محلية ومناطقية وطائفية ومدعمة بامتدادات إقليمية (كلامي ينال جميع أطراف النزاع بلا استثناء)، إنّ الطابع الانفجاري للنزاع متعدد الأقطاب لم يُبقِ لمعنى التغيير اليوم إلاّ اعتباره مشروعاً تحت التأجيل. فاستشراء صراعات محركها مفهوم السلطة بصورته الأضيق قدم لتاريخية الأزمة السورية وقوداً إضافياً، وأبعدها عن مسارها المحتمل أي أن تكون بوابة الدولة العصرية الحديثة.

رغم لبوس طائفي شديد في التداول الشعبي وانقسام عمودي كشرخ عميق في المجتمع السوري فاقمته أحداث السنوات الأربع الأخيرة، لكن عمق الصراع ليس كذلك، بعض مفاصله نعم ضمن وظيفية إدارية وأمنية نعم، ولكن بقي المضمون الأهم فشل منظومة الدولة عن تنمية حقيقية للمجتمع والاكتفاء بدور رب العمل الاستثماري الريعي والتابع.

  1. كيف نفسر عدم انغماس الأقليات فعلياً في الثورة، مع علمنا أنّ التهميش لم يميز بين منطقة وأخرى، ولا بين طائفة وأخرى؟

سيكون السؤال مصاغاً بطريقة واقعية أكثر لو حاولنا القول ماذا قدم مشروع التغيير في سورية من حوافز لمنافسة مجمل مقولات مشروع النظام الكبرى (الإدارة – الاقتصاد – العلاقات الدولية – العربية – فلسطين …) حتماً سيكون إجراء تنافس مع منظومة حكم مستقرة ومستندة إلى اقتصاديات تديرها بكل صلابة، مع شراكات دولية طويلة ومتجذرة.  المقارنة ظالمة بلاشك، ولكنها ضرورية لإدراك المخرج، هل هناك حاجة لرشوة الأقليات بخطاب يمنح أفضليات وتطمين إضافيين ينافس النظام؟

لا أظن ذلك يخدم لأننا بهذه الطريقة نعود لإقصاء مفهوم المواطنة ونجذر انتقائية التعامل مع الوحدات وفق الولاء، وهي واحدة من مقولات الحكم الحالي ومن عوامل تفجر الأزمة بشكل متعدد المحاور، ستكون للمرحلة الانتقالية في سورية الكثير من العقبات ولكن لا يمكن تجاوزها بنجاح دون مسطرة قياس المواطنة المتساوية كعنصر محدد.

حنطة16
 

برومو الشهيد ناجي الجرف