غير مصنف

دولة المواطنة: وصفة مُجرّبة في مواجهة دول الطوائف

فائق حويجة*

الأسئلة:

  1. كيف نستطيع تعريف الطائفية، وما الفرق بين الطائفة والطائفية والطائفية السياسية؟.
  2. كيف يُنظر إلى تعدد وكثرة الطوائف في سورية، أين تكمن جذور الطائفية، وكيف ظهرت حساسيتها فجأة في ظل انحسار الدولة؟
  3. هل كانت الطائفية أداة من أدوات النظام، أم أن النظام بطبيعته نظامٌ طائفي البنية؟
  4. هل ما ينطبق على النظام ينطبق على الثورة، هل نحن إزاء ثورة سنية في مواحهة نظام علوي، أم أننا نشهد ثورة شعب مقموع نهض لأسباب تتعلق بالكرامة أساساً؟
  5. كيف نفسر عدم انغماس الأقليات فعلياً في الثورة، مع علمنا أنّ التهميش لم يميز بين منطقة وأخرى، ولا بين طائفة وأخرى.
  6. أخيراً، ما هو الطريق الأسلم للخروج من مأزق الطائفية الذي بات مهدداً حقيقياً للإنسان السوري؟

أجوبة الأستاذ فائق حويجة:

1- لن أدخل في المعنى اللغوي للطائفة باعتبارها تجمعا من الناس …     فالمقصود من “الطائفة” في هذا السياق، هو الدلالة على مجموعة من الناس تتلاقى على معتقد معين وتمارس طقوساً مشتركة  تعبر من خلالها عن تصورها ومعتقداتها  بما في ذلك تصورها للخلق والخالق ضمن بيئة اجتماعية محددة.                                              أي أن الأمر يقتصر في حدود هذا اللفظ على ما تراه هذه الجماعة عن نفسها ضمن سياق اجتماعي وبالأخص ثقافي محدد، ودون أن تتوسع هذه النظرة للمجموعة عن نفسها بحيث تتحدد به بمعزل عن التمايزات الاقتصادية والاجتماعية وبالتالي السياسية بين أفراد هذه المجموعة البشرية ضمن إطار المجتمع – والدولة –  الذي تنوجد فيه.

أما الطائفية فهي تدلل على النزوع بهذا  الواقع وتصعيده – إيديولوجياً-  وبدرجة ما سياسياً إلى مستوى تحديد الذات من خلال هذه الصفات في مواجهة الآخر المختلف، كمرحلة أولى، ثم النزوع بهذا التصور إلى درجة التعالي على الآخر والنظر إليه ليس كمختلف بالمعنى الثقافي المحدود، بل كـ  “متخلف” في أحسن الأحوال، وكنقيض بكافة المعاني الاجتماعية والإنسانية  – وربما الوجودية –  في أسوأها!.

باختصار، وإذا استعرنا التعريف الماركسي للطبقة، يمكن القول أن الطائفة هي مجموعة من الناس موجودة  بذاتها، أما  الطائفية  فهي  وعي هذه المجموعة  لذاتها و في مواجهة الآخر. أي الانتقال من وضعية المجموعة بذاتها إلى وضعية المجموعة لذاتها.

أما الطائفية السياسية فهي مأسسة الطائفية بوصفها نظرة إيديولوجية للذات والآخر ضمن نسق مؤسساتي سياسي يُحدّد المرء، ليس بحسب مؤهلاته وقدراته ووضعه الاقتصادي والاجتماعي ضمن إطار الدولة، بل ضمن انتمائه الطائفي المفروض عليه بحكم الولادة، وبغض النظر عن قناعاته الفردية وعما يراه عن نفسه .. وبالتالي تعمل الطائفية السياسية على استدامة الوضع الطائفي مقونناً ومؤسساً على مستوى بنية الدولة وأجهزتها.

2- لا أتفق مع المقولة التي تقول أن في كثرة الطوائف غنى وتنوع وفسيفساء جميلة  إلى آخر ما هنالك من شعر جميل وكاذب في آن، إلاّ في بلاد حققت اندماجها المجتمعي وبنت دولة المواطنة، أمّا في سوى ذلك من البلدان التي مازالت تعيش مجتمعياً في النمط تحت الوطني – وبغض النظر عن الأسباب –  فإن التغنّي بالطوائف لا يعدو كونه محاولة يائسة  للهروب من لغم سينفجر يوماً ما، إن لم يكن في طور الانفجار. وربما تكون لحظة الانفجار مرهونة إلى حد بعيد بغياب الدولة خصوصاً في بلد مثل سورية لم تعرف – برأيي المتواضع – طريقا إلى بناء الوطنية السورية  بشكل آمن ومستدام. فإضافة إلى حداثة بناء الدولة السورية، وفي الفترة القصيرة التي عاشت فيها سورية شكلاً من أشكال دولة المواطنة في الخمسينيات من القرن الفائت، وعندما كان بالإمكان تعزيز الوطنية السورية، تقاسم المجتمع – ممثّلاً بالأحزاب السياسية الموجودة – ثلاثة رؤى ترفض الوطنية السورية: الأولى بدعوى القومية العربية تحت عنوان الأمة العربية الواحدة، والثانية بدعوى الخلافة الإسلامية، والثالثة بدعوى أمة العمال والفلاحين الأممية. وفي الحالات الثلاث غابت الوطنية السورية، أي أنه لم يعمل على بناء الوطنية السورية الجامعة لدى التيارات السياسية والإيديولوجية الفاعلة في تلك الحقبة الديموقراطية. ثم مع مجيء حكم البعث تماسكت الدولة السورية  بقوة القمع، لذلك بقيت عوامل الانصهار والتوحد المجتمعي ضعيفة. ومع بداية الانتفاضة السورية وتحولها إلى أزمة مستدامة، ومع غياب حضور الدولة – إضافة للتدخلات السلطوية والإقليمية ذات اللون المذهبي والطائفي- صار عدم بروز الطوائف والطائفية بأقبح الأشكال شبه مستحيل في مجتمع لم يستطع التوحد والاندماج في وطنية واحدة إلاّ بقوة وجود الدولة. لذلك لا أعتقد أن ثمة مفاجأة في الأمر: غياب الدولة عن المجتمعات التي لم تستطع بناء دولة المواطنة – بغض النظر عن الأسباب – سيؤدي إلى التمترس خلف التشكيلات الاجتماعية ما قبل الوطنية.

3- 4 -5 – لم يكن  النظام  في رأيي، في يوم من الأيام، طائفي البنية ولكنه استخدم –ويستخدم – الطائفة والطائفية إضافة لأسلحة أخرى خدمة لمصالحه وحسب الحاجة. والموضوع من وجهة نظري ليس عند النظام، بل عند القوى العلمانية أو التي تدعي ذلك وإن لم تستخدم هذه اللفظة، والتي شاركت النظام باستخدام السلاح الطائفي واعية أو غير واعية، لنتذكر أن أغلب المعارضات التي انبثقت أو ازدهرت مع بداية الانتفاضة حذّرت  – لفظياً للأسف-  من الانجرار إلى الملعب الطائفي للنظام، لكنها رويداً، رويداً تحوّلت من السكوت عن الأفعال الطائفية لما سمته “قوى الثورة والمعارضة ؟؟” إلى التبرير المشفوع بالتأييد لها إلى الاحتراف في الملعب الطائفي القذر ..! وذلك تحت عناوين ويافطات من قبيل أنّ النظام الطائفي (والمقصود طبعاً العلوي) يقتل الشعب (السنّي طبعاً) فيصبح كل ما يفعله هذا الشعب “السنّي” مقبول ومطلوب كطريق لابد منه لإسقاط النظام “العلوي”.

المأساة – برأيي – أنّ أحزاباً وقوى وتيارات وشخصيات عامة  كانت تُحسب في خانة الوطنية والعلمانية ساهمت في تغذية هذه الحرب الطائفية القذرة، وفي بعض الحالات عن سبق الإصرار والترصد!.                                                                            فالحديث عن  ثورة شعب ضدّ الاضطهاد والإجرام “العلوي أو النصيري” ساهم في تحويل أهداف الانتفاضة في الحرية والكرامة ودولة المواطنة إلى تجييش لـ “السني” ضد الآخر المختلف: العلوي، أو غير السني بصفة عامة كما حوّل الصراع الإقليمي المتمحور حول المصالح في نهاية المطاف، إلى مواجهة للتمدّد         “الصفوي المجوسي” وليس الفارسي أو الإيراني إذا سلّمنا جدلاً بوجود هكذا تمدد.

بهذا الفهم يصبح من المفهوم عدم انخراط “الأقليات” في “الثورة” – إذْ مع اعتراضي على طريقة صوغ السؤال- فإنني أعتقد أنّ أشخاصاً كُثر من مختلف “الملل والنحل” قد انخرطوا في انتفاضة الشعب السوري المطالب بالحرية والكرامة ودولة المواطنة، لكن إعلام النظام صوّر الأمر على أن ثمة حرب كونية أداتها التكفيريون الإسلاميون في مواجهة نظام الممانعة العلماني المنفتح ..  إلخ.                                                               أما الممثل الإعلامي للمعارضة ممثّلاً بمحطات الجزيرة والعربية و.. و .. فقد اختار زاوية  تصوير معاكسة ترى أن الصراع يتمحور في مواجهة النظام (العلوي – النصيري – المجوسي – الإيراني) والكافر بالمحصلة. الأمر الذي دفع قطاعات كبيرة من الطائفة العلوية للتشكك في هذه الانتفاضة، وهو ما انسحب على “الأقليات” الدينية والطائفية بعد تجذر لغة الخطاب التحريضي الطائفي لدى وسائل الإعلام المختلفة. يُضاف لذلك أن القوى والشخصيات المعارضة التي كان يمكن لها أن تقوم بدورٍ إعلاميّ – على الأقل –  من منظور وطني، إما أنها بلعت لسانها في مواجهة بوادر التحولات ذات الطابع الطائفي في الانتفاضة السورية، أو أنها بررتها، أو أدلجتها بدعوى أن “السنة هم الأمة” ولا يُخشى منهم بالمعنى الطائفي. إلى آخر ما هنالك من ترهات متثاقفة ساهمت في إيصالنا إلى مانحن فيه.

بالمختصر: أعتقد أن السكوت عن المؤشرات الأولى لتحول انتفاضة الشعب السوري باتجاه (الحرب الطائفية المقدسة) وصولاً لـ  (دولة الخلافة) في ظل الاستنقاع الناتج عن عدم القدرة على الحسم من قبل بعض القوى والشخصيات “المعارضة” ذات الصوت العالي كانت بداية الهزيمة بالمعنى الأخلاقي والإنساني – ولكي لا يصطاد أحد- أنا لاأتكلم عن هزيمة عسكرية أو ماشابه ففي الثورات والانتفاضات يحدث أن تنتصر الثورات أو أن تُهزم تبعاً لموازين القوى المحلية والإقليمية .. إلخ. أنا أتحدث عن  الهزيمة الأخلاقية والسياسية والإنسانية التي يتحمل وزرها ذات القوى والشخصيات “المعارضة” ذات الصوت العالي والتي مازال صوتها – رغم كل المياه التي مرت – عالٍ!.

6- أعتقد أن المخرج الوحيد من الوضع الطائفي لم يكن ولن يكون إلاّ بفصل الدين عن الدولة، أي ببناء النظام العلماني دون لف أو دوران. لأن “الفسيفساء المزركشة الجميلة” لن تكون كذلك إلاّ عندما لا يكون بالإمكان اللعب فيها في الحقل السياسي، أي عندما يُمنع الدخول إلى نطاق الفعل السياسي العام من بوابة الدين أو الطائفة. ولأن الأمر بالغ التعقيد في الواقع السوري نتيجة تضافر الظروف التاريخية مع الأزمة المركبة التي يعيشها المجتمع السوري اليوم، فإننا قد نحتاج إلى مراحل وسيطة ومتدرجة مع ضمانات كافية للجميع على طريق إعادة إنتاج الوطنية السورية مقرونة مع بناء دولة المواطنة: الوصفة المجربة في مواجهة دولة الطوائف.

 

 

حنطة17

حنطة18

برومو الشهيد ناجي الجرف