ملف

بخصوص التمييز بين الطوائف والطائفية

ماجد كيالي*

بات الحديث عن “المسألة الطائفية”، والصراعات الطائفية، والعنف الطائفي، والمخاوف الناجمةعن كل ذلك، يتصدر معظم النقاشات السياسية في الآونةالأخيرة، على خلفيةالصراعات الجارية في بلدان المشرق العربي، مع كل ما تنطوي عليه كل هذه المسائل من التباسات ومبالغات وتوظيفات متباينة، لاسيما أن هذا الحديث، على الأغلب، يخلط،أو لا يُميز، بين مفاهيم من مثل: الطوائف والطائفية والأقليات، بالنظر إلى خلفياتها ودلالاتها المتباينة.

في هذا الإطار أعتقد أنه ينبغي التمييز بين الطوائف والطائفية، فالطوائف التي هي ظاهرة تاريخية، اجتماعية ودينية، هي غير الفكر السياسي الطائفي، الذي يتضمن حمولات استبدادية، كونه يتأسس على مصادرة حرية الأفراد، وخياراتهم الشخصية، ويفرض عليهم الخضوع لتنميطات جمعية طائفية، بدعوى المشترك الديني لوحده.

هكذا ثمة في أي مجتمع مسلمون ومسيحيون، وأيضاً، ثمة فوق ذلك، في كل طائفة دينية، مذاهب شتى، حيث ثمة أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت وآخرون ضمن المسيحية، وثمة سنة وشيعة وإسماعيليون ودروز وعلويون ضمن المسلمين. وإذا احتسبنا أن ثمة هوية طبقية وأخرى ثقافية، فهذا يعني أن ثمة عدة طبقات من الهوية في الشخص الواحد، الأمر ينطبق على الجماعات أيضاً، من دون أن يقلل ذلك من المشتركات، أومن الهوية الوطنية الجمعية.

القصد من ذلك توضيح أن المشكلة في المجتمعات لاتكمن في وجود الطوائف، بوصفها جماعات بشرية تشكلت عبر التاريخ، فهذا أمر طبيعي، وقد أمكن التعايش معه، لاسيما أن هذه يمكن أن تشكل عامل إغناء وتنوع  وإثراء حضاري وثقافي لأي بلد. لذا فإن المشكلة تكمن تحديداً في الفكر السياسي الطائفي، الذي يحيل هذه الطوائف إلى وحدات اجتماعية مختلفة عن بعضها، حتى من الناحية الهوياتية، ناهيك عن إصراره على إنتاج الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي الذي يعيد إنتاج هذه التمايزات، بأشكال شتى، وضمنها، إقامة جدران بين المجتمع الواحد، وإيجاد صيغ دستورية، وقانونية تؤبّده. المشكلة، أيضاً، تكمن في التلاعب بالمسألة الطائفية، أي بالطوائف، وتوظيفها في إطار الصراعات السياسية، صراعات القوة والسلطة والهيمنة، وهو ما بات واضحاً في سعي النظام السوري إظهار نفسه باعتباره مدافعاً عن طوائف معينة، رغم أنه ينظر إليها باعتبارها مجرد “أقليات”، كما في السياسات التي تنتهجها حكومة المالكي في العراق.

وإذا كان من الخطأ، والعبث، إنكار انقسام مجتمعات البلدان العربية، من الناحية الدينية والمذهبية (وكذاالإثنية)، كغيرها من المجتمعات في البلدان الأخرى، فإن الاعتراف بهذا الواقع لايعني أن هذه المجتمعات تفتقد إلى العوامل التي يمكن أن تُعزز هويتها، وكيانيتها، بوصفها مجتمعات متجانسة، لاسيما مع عوامل مشتركة عديدة وعميقة، مثل اللغة والثقافة والتاريخ ونمط العيش المشترك، فضلاً عن الدولة.

 

عوامل بروز النزعة الطائفية

ثمة عوامل دفعت نحو بروز النزعة الطائفية، والصراعات الطائفية، في الظروف الحالية، أولها: السياسات التي تنتهجها إيران إزاءالعالم العربي، مع أذرعها السلطوية والمسلحة في عديد من البلدان (حزب الله في لبنان والأحزاب المسلحة الموالية لها في العراق وربما في اليمن). وثانيها: عمليات القتل والتدمير الأعمى، بالطائرات والدبابات والمدفعية، التي ينتهجها نظام الأسد إزاء مناطق بعينها في سوريا. وثالثها: السياسات التي بات المالكي ينتهجها في العراق.  ورابعها: المشكلات والتحديات المتعلقة بالمواطنة والديمقراطية وبناء الدولة في بلدان “الربيع العربي”.

هذا يفيد، أولاً، بأن  “المسألة الطائفية”  تفجّرت بنتيجة التنازع السنّي- الشيعي في بعض بلدان المشرق العربي، أي بين أصحاب الديانة الواحدة، لا بنتيجة التنازع الإسلامي ـ المسيحي، ما يؤكد أنها لم تنشأ على خلفية دينية. وثانياً، أن هذا التنازع، أو التصارع، نشأ حديثاً من حوادث سياسية، لا من خلافات دينية، لاسيما من جهة محاولات إيران مدّ نفوذها في عديد من البلدان، لتعزيز مكانتها الإقليمية، ومن تداعيات الاحتلال الأمريكي للعراق، الذي سهّل قيام نظام سياسي طائفي فيه، ومن اندلاع الثورة السورية، ومن مساندة إيران وقادة العراق و« حزبالله » (في لبنان) للنظام السوري، ومن السياسات الطائفية التي انتهجها المالكي في العراق لتهميش خصومه، وتعزيز سلطته. وثالثاً، إن هذا الوضع إنما هو تحصيل حاصل للواقع الذي اشتغلت عليه النظم الاستبدادية، ملكية كانت أو جمهورية، طوال عدة عقود، لتأبيد تسلّطها على المجتمع، وتكريس تحكّمها به، فهذه النظم لم تسعَ إلى بناء الدولة الحديثة، دولة المؤسسات والقانون والمواطنين، بل إنها كرّست الانتماءات ما قبل الوطنية  (الطائفية والمذهبية والإثنية والعشائرية والجهوية)، باستمرائها اللعب على  “العصبيات الطائفية” (والإثنية).

هكذا فإن المشكلة لا تكمن في وجود الطوائف الدينية، أو في الكلام عنها، وإنما تكمن في الطائفية السياسية التي تحاول أن تمنح تلك الطوائف، باستغلال مشتركها الديني، معنى هوياتياً، مغلقاً ومطلقاً ومتمايزاً، ما يسبغ عليها وظائف ومصالح سياسية محدّدة، إزاء الطوائف الأخرى، على رغم أن أصحاب الفكر الطائفي هم على الأغلب من غير المتدينين، كونهم فقط أصحاب مصالح وأصحاب سلطة، ما يُفسر تركيزهم على العامل الهوياتي أكثر من العامل الديني.

هكذا فإن الفكر السياسي الطائفي هو فكر استلابي، إذ يستلب الإنسان الفرد، بحرمانه من مجاله الخاص، أي من حريته، ومن حقه في المساواة مع الآخرين من المواطنين الأفراد،وذلك بإخضاعه لسلطة الطائفة المتعينة دينياً، أو مذهبياً، والتي هي في واقع الأمر كناية عن هيمنة لجماعة، أو لطغمة، مهيمنة في الطائفة ذاتها، وهذا هو المعنى السياسي للفكر الطائفي. وتالياً لذلك فإن الفكر السياسي الطائفي يصدر عن وجهة نظر تقسم المجتمع بطريقة أفقية، لا عمودية، بحيث تغدو الطوائف وكأنها بمثابة بيئات متجانسة، في حين أنها في الواقع متباينة سياسياً وثقافياً ومصلحياً، وفي وضعية كهذه يجري تنميط الأفراد ومصادرة خصوصياتهم وخياراتهم الفردية، كما يجري وضع الطوائف في مواجهة بعضها، في إطار من العصبية والانغلاق إزاء الآخر.

نظرتان غريبتان

فوق هذا وذاك فإن خطورة الفكر السياسي الطائفي تكمن في سعيه لتطييف المجتمع، وبالتالي إعاقة تحقيق الاندماجات المجتمعية، وفق مفهوم المواطنة، الذي يتأسس على الإنسان الفرد، بمعزل عن أي تمايزات بينه وبين غيره، من الأفراد، وأيضاً بمعزل عن أية جماعات أوّلية ينتمي إليها، هذا الفرد، وضمنها الجماعة الدينية. ولنلاحظ أن الطوائف الدينية، من وجهة نظر الفكر السياسي الطائفي الهوياتي والمغلق، تغدو بمثابة «أقليات»، وهذا تنتج منه نظرتان خطيرتان، أولاهما توحي بأن هذه الطوائف غريبة عن مجتمعها، وثانيتهما أن هذه الطوائف لها امتدادات إقليمية، بمعنى أن الأولوية ليست لانتمائها إلى بلدها وإنما لانتمائها إلى طائفتهاالممتدة.

لهذه الاعتبارات كلها تبدو الفكرة الطائفية والصراعات الطائفية، مزيفة، وظالمة، وعبثية، ومدمرة، تنطوي على تلاعبات وتوظيفات، لاتخدم إلا أقلية، لكنها الأقلية التي تتحكّم بالسلطة أو بالطائفة ذاتها. ولعل هذا ماقصده برهان غليون (في كتابه: “نظام الطائفية، من الدولة إلى القبيلة”) باعتباره أن “الطائفية تنتمي إلى ميدان السياسة لا إلى مجال الدين والعقيدة”.

طبعاً ليس القصد من كل ما تقدم نفي أن ثمة مظاهر  طائفية للصراعات الدائرة اليوم في العالم العربي، وإنما القصد منه تأطير هذا الصراع، ووضعه في مكانته الحقيقية، في إطار الصراعات الدائرة على المكانة والقوة والسلطة في العالم العربي.

فليس الصراع الجاري في سورية على السلطة هو صراع طائفي، حتى لو تلبس مظاهر طائفية، في بعض مظاهره، وإنما هو صراع ضد طغمة حاكمة، أو ضد عائلة، صادرت البلاد والعباد، وصادرت الحريات وامتهنت الكرامات، على مدى أكثر من أربعة عقود من الزمن، حولت فيها سورية إلى ملكية خاصة يتوارثها الأبناء من الآباء.

من ذلك يمكن أن نستنتج أن سورية، أو غيرها، لم تحكمها يوماً طائفة معينة، فلا السنة حكموا باعتبارهم سنة، ولا الشيعة حكموا باعتبارهم شيعة، ولا العلويون باعتبارهم علويين. فالسلطة هي دائماً سلطة أقلية، بمعنى أقلية من الأفراد، وليس الجماعات الإثنية أو الدينية؛ وهذا ينطبق على النظام في سورية (والعراق وليبيا واليمن وتونس ومصر…) حيث ثمة عائلات بعينها حكمت واحتكرت السلطة.

على ذلك يتّضح أن حلّ المسألة الطائفية، وهي مسألة سياسية أصلاً، كما قدمنا، لايتمثّل بإلغاء الطوائف، فهذه لا يمكن أن تنتهي، كما لا يكمن في تجاهل وجودها، وإنما يتمثّل بالاعتراف بوجودها، وبرواياتها، ومعتقداتها، مثلما كان على مدى قرون، ومثلما هو حاصل في دول العالم المتمدن، كما يتمثل إخراج الطوائف من حيّز تلاعبات السياسة وتوظيفات السلطة.

 

ونخلص من كل ذلك إلى أن مشكلة التطرف لا تكمن في الدين بحدّ ذاته، أي دين، لا في طقس العبادات، ولا في المبادئ المتعلقة بمعاملات البشر. وبدورها فإن مشكلة التعصّب الطائفي لاتكمن في الطوائف، بوصفها وحدات مجتمعية تشترك كل منها بصفات معينة، وإنما تكمن في كيفية توظيف بعض البشر لهذا الدين أو ذاك، ولهذه الطائفة أو تلك، في مصالحهم الخاصة، وفي صراعاتهم على السلطة. فوق كل ذلك ليس ثمة ترابط حتمي ومطلق بين الطوائف والتعصّب الطائفي، فالأولى هي نتاج تطوّر تاريخي طبيعي، ديني واجتماعي وثقافي، بينما الثانية (الطائفية) هي مجرد نظرية في التفكير السياسي، ينتجها بعض من البشر لخدمة مصالحهم الشخصية والسلطوية، من دون صلة بالتديّن، بل وقد تكون نقيض ذلك لا سيما من جهة استغلالها الدين في لعبة السياسة والسلطة والمصلحة. تبقى ظاهرة العنف، فهذه ليست بالضرورة نتاجاً بديهياً وحتمياً للدين والتدين، ولالوجود طوائف في المجتمع، بقدر ما هي نتاج للصراعات على السلطة والغنيمة، فضلاً عن أنها بمثابة وسيلة النظم التسلطية لترسيخ سيطرتها.

عموماً فقد استطاعت معظم المجتمعات تخطي عتبة التطرّف الديني بأشكال متعددة، ومثلاً، فثمة ثورات الإصلاح الديني في أوروبا (في القرنين 16 و17) التي حدّت من استبداد الكنيسة (لا سيما في ألمانيا وبريطانيا)، وثمة العلمانية التي نجمت عن الثورة الفرنسية (1787) التي فصلت الدين عن الدولة (مع ضمان الحريات الدينية)، وثمة العلمانية الأمريكية التي حمت الدين من تسلّط الدولة، وجعلت له مجاله الخاص والمستقل والمحترم.

وبالنسبة للطوائف فقد ابتدع البشر فكرة دولة المواطنين الأفراد، الأحرار والمتساوين، وهو إنجاز للتيار الليبرالي الذي اعتبر الشخص بمثابة قيمة عليا، وله مجاله الخاص الحر والمستقل، بغض النظر عن أي انتماءات أولية،وهذا مبدأ مؤسس للحداثة.

أما مسألة العنف فقد تم التغلّب عليها، إلى حد كبير، بواسطة اعتماد الديمقراطية، التي تتأسس على المشاركة السياسية، والفصل بين السلطات، وتداول السلطة بواسطة صناديق الاقتراع.

هكذا فعن طريق كل ذلك ثمة مجتمعات ودول استطاعت أن تحد من نزعات التطرف والتعصب والعنف، وثمة مجتمعات ودول ما زالت على الطريق، وضمنها مجتمعاتنا.

 

—————————-

كاتب سياسي فلسطيني – سوري*

 

حنطة19 حنطة20

برومو الشهيد ناجي الجرف