ملف

الجذور التاريخية للطائفية: انقلاب صلاح الدين

هيثم خوري*

تشكل الطائفية ظاهرة متعددة الأسباب، بعض هذه الأسباب سياسية، وبعضها اقتصادية، وأخرى اجتماعية، ولكن غالباً ما يتم إهمال الأسباب التاريخية، مع أنها برأيي هي أهمها لأنه غالباً ما يتم استخدامها لتأجيج الحقد الطائفي ولإدامة الانفعالات الطائفية السلبية اللاواعية لقرون مديدة.

يمكن تقسيم هذه الأسباب التاريخية إلى قسمين، القسم الأول يتكون من حوادث تاريخية، غالباً قريبة من حيث وقوعها الزمني، مازالت آثارها السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية قائمة حتى الآن، ولا بد من إصلاح هذه الآثار لطي صفحتها. أما الثانية، فحوادثها حدثت منذ أمد بعيد، وما نجم عنها نجم، وليس لها أي أثر عملي وواقعي على الحاضر، ولكن يتم استعادة ذكراها، اجترارها في الذاكرة الشعبية، للتعبئة الطائفية. يستخدم البعض هذه التعبئة كرد فعل دفاعي على خطر من طائفية مضادة، وهذا الخطر وهمي في كثير من الأحيان، ولكنه حقيقي في بعضٍ منها، بينما قلة قليلة تقوم باستخدام هذه التعبئة لزرع حقد طائفي تهدف من خلاله حشد الناس ليكونوا وقوداً لمطامعهما السياسية أو الاقتصادية.

انقلاب صلاح الدين على الدولة الفاطمية

واحدة من القصص التاريخية التي يتم تداولها لتأجيج الطائفية، هي حادثة انقلاب صلاح الدين الأيوبي على الخلافة الفاطمية، والتي يتم استغلالها من محرضي الطائفية على الطرفين، وهذه على سبيل المثال بعض العناوين المستخدمة والتي يمكنكم أن تجدوها على الشبكة العنكبوتية: “حقيقة البطل صلاح الدين الأيوبي”، “صلاح الدين أحرق كتب الفاطميين ومحا تاريخهم ودمر مصر”، “كيف قضى صلاح الدين رحمه الله على الرافضة في مصر؟”، و”خيانات الشيعة ومحاولاتهم الفتك بصلاح الدين الأيوبي”. وهذه ليست إلاعينات.

إذاً فما القصة الحقيقية لمجيء صلاح الدين إلى مصر وانهائه الدولة الفاطمية؟ وهل فعلاً كان صلاح الدين طائفياً؟

في المراحل الأخيرة من حياة الدولة الفاطمية، ازداد نفوذ الوزراء، فأصبح الوزير عملياً هو الحاكم الفعلي للدولة، وأصبح منصب الوزارة محط أنظار الكثيرين من قادة الجيش وكبار رجال الدولة. في أثناء حكم “العاضد لدين الله”، حدثت خلافات كبيرة على منصب الوزارة، فاستطاع العاضد بالتعاون مع بعض الأمراء التخلص من وزيره القوي “طلائع بن رزيك”، وأحلّ محله ابنه “العادل بن طلائع”، ظلَّ العادل وزيراً لمدة سنتين إلى أن خلعه والي الصعيد “شاور” سنة 558 هجرية (1163م)، ولم يهنأ “شاور” بالوزارة فخلعه “ضرغام”. هرب “شاور” إلى دمشق، واستنجد بواليها “نور الدين الزنكي” ليعيده إلى الوزارة، فأرسل “نور الدين” حملة سنة 559 هجرية (1164م) بقيادة“أسد الدين شيركوه”، ومعه ابن أخيه صلاح الدين، فهزم الجيش الشام يجيش ضرغام وأعاد شاور إلى الحكم، ولكن ما إن استلم شاور الوزارة حتى اختلف مع شيركوه، واستعان بـ “مري” الملك الصليبي لمحاربة الجيش الشامي، بعد معاهدة صلح عاد شيركوه إلى دمشق، ولكن نور الدين الزنكي بعثه مرة أخرى لمحاربة شيركوه، فاستعان هذا الأخير بالصليبيين مرة أخرى، عاد شيركوه إلى دمشق، ولكن الصليبيون طمعوا فأبقوا جنودهم في القاهرة، وسيطروا عليها من خلال سطوتهم لدى شاور، فاستنجد العاضد بنور الدين الزنكي ليخلصه من شاور والصليبيين، فأرسل نور الدين شيركوه، ومعه صلاح الدين، على رأس جيش شامي للمرة الثالثة، فطردوا الصليبيين من القاهرة وتخلصوا من شاور. تسلم “شيركوه” الوزارة سنة 564ه (1169م)، بناءً على رغبة العاضد، ولكن وافته المنية بعد شهرين ونصف من توليه الوزارة، فخلفه عليها “صلاح الدين”. فوراً بعد استلامه الوزارة، شرع بإزالة الدولة الفاطمية، فأبعد صلاح الدين رجال الخليفة الفاطمي عن القاهرة، وأضعف نفوذهم وأخذ اقطاعاتهم، وأسند مناصب الدولة إلى أنصاره وأعطى الأراضي إلى رجاله وقواده، كما أنه استولى على أموال العاضد وخيله ورقيقه، ومنعه من الاتصال بالناس، فصار سجين قصره، وجعل اسم نور الدين الزنكي يأتي في الخطبة بعد الخليفة الفاطمي. وبالرغم من دعوات نور الدين الزنكي المتكررة له بإحلال اسم الخليفة العباسي المستضئ بنور الله محل اسم الخليفة الفاطمي في الخطبة فإنه لم يفعل ذلك إلا قبل وفاة العاضد بأيام. لقد تمرد موالو الفاطميين في مصر على حكم صلاح الدين فحاولوا قتله ولجؤوا إلى الصليبيين ليساعدوهم على التخلص منه، ولكن صلاح الدين اكتشف ذلك واقتصَّ من مدبري التمرد.

بعد أن أحكم صلاح الدين قبضته على شؤون الحكم، اتجه إلى نشر المذهب الشافعي في مصر فعيّن عبد الملك بن درباس الشافعي قاضياً للقضاة، واستبدل القضاة الشيعة جميعاً بقضاة شافعية، وعمل على إنشاء المدارس لتعليم المذهب السني، فكانت المدرسة الناصرية والتي كانت تعلم المذهب الشافعي، ثم أسس مدرسة تعلم المذهب المالكي، ثم تبعه أفراد أسرته ورجال دولته بإنشاء مدارس أخرى لتدريس المذهب السني. ويقول المقريزي، في كتابه “المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار”، عن كيفية انتشار المذهب الشافعي في مصر: “فلما كان في سنة ست وستين أبطل المكوث من ديارمصر. وهدم دار المعونة بمصر وعمرها مدرسة للشافعية. وأنشأ مدرسة أخرى للمالكية. وعزل قضاة مصر الشيعة وقلد القضاء صدر الدين عبد الملك بن درباس الشافعي. وجعل إليه الحكم في إقليم مصر كله. وعزل سائر القضاة-في الأقاليم- واستناب قضاة شافعية. فتظاهر الناس من تلك السنة بمذهب مالك والشافعي. واختفى مذهب الشيعة إلى أن نُسي من مصر. ودار المعونة كانت بمثابة سجنأ وداراً للشرطة في أيام الدولة الفاطمية.

لاشك أن صلاح الدين كان منذ اليوم الأول لاستلامه الوزارة يهدف إلى القضاء على الدولة الفاطمية، وإنشاء دولته الخاصة، الدولةالأيوبية، ولكن دافعه في هذا لم يكن طائفياً، على الأغلب كانت دوافعه مزيجاً من رغبته الشخصية في إنشاء دولته الخاصة، وأيضاً نظرته أن الدولة الفاطمية وصلت بحتمية تاريخية إلى نهايتها نتيجة الفساد الذي وصلت إليه. كذلك فإن نشره للمذهب الشافعي في مصر لم يكن مدفوعاً بدوافع مذهبية محضة، فلم يُعرف عن صلاح الدين ورعه وارتباطه بالمذهب، ولكن على الأغلب كان هدفه من هذا سياسياً، فهو عاش في عصر الدويلات المذهبية والحروب الدينية، حيث الولاء للدولة يُفترض الولاء للدين أو المذهب، هكذا ولضمان ولاء أهل مصر له نشر المذهب الشافعي فيها. أيضاً، هل يُلام أتباع الفاطميين بتمردهم على صلاح الدين؟ لقد عمل على إنها دولتهم! ومن المهم التأكيد أن دافعهم الأول من التمرد كان سياسياً وليس مذهبياً.

لهذا كله يجب الامتناع عن استخدام حادثة التاريخ هذه لتأجيج سعير الطائفية، وبالأحرى يجب إدانة مثل هذا الاستخدام بقوة، لأنه ببساطة مناقض للحقيقة التاريخية هذه الحادثة حدثت منذ وقت بعيد، وليس لها أي أثر اقتصاديٍّ أوسياسيٍّ أو اجتماعيٍّ على الوقت الراهن، يجب تركها للمؤرخين ليحكموا عليها، ولكن يجب أن نتذكر أن إنشاء صلاح الدين لدولته ربما كان له عاملاً حاسماً بطرد الصليبيين من هذه البلاد.

لكن هناك درسٌ علينا أن نتعلمه من حادثة انقلاب صلاح الدين على الدولة الفاطمية، وهو أن الدول الدينية والمذهبية بطبيعتها دول غلبة، ولا يمكن أن تكون بأي حال دول عدالة ومساواة وتسامح ديني، وهي دول قائمة بشكل دائم على الشك والريبة من الآخر المختلف عنها دينياً ومذهبياً، وبالتالي هي بشكل من الأشكال تنمي الصراعات بين الجماعات الدينية والمذهبية المختلفة، أو ما نسميه في عصرنا الحالي الطائفية.

 

————

طبيب وكاتب سوري*

حنطة24 حنطة25

برومو الشهيد ناجي الجرف