ملف

الطائفية في سورية ودور الصراع في إنعاشها

نور ورد*

“فسيفساء هشّ من القوة” هكذا وصفت مارثا كيسلر خبيرة الشؤون السورية في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية عام 1987 سورية. هذا البلد الذي يتكون بأغلبه من العرب المسلمين السنَّة في حين تُصنّف الجماعات الأُخرى كأقليات عرقية أو أقليات دينية، وأكبر الأقليات الدينية في سورية هم العلويون فالدروز فالإسماعيليون واليزيديون، وأيضاً المسيحيون الروم الأرثوذكس والكاثوليك. ويُشكّل العرب الأغلبية العددية، أما الأقليات العرقية الرئيسة فهم الأكراد والتركمان. وأيضًا هناك الشراكس و السريان والآشوريون والكلدان والأرمن الذين يمثلون أقلية عرقية ودينية في آن واحد.

يُردّ هذا التنوع لأسباب عدة، حيث تنبع الأديان الثلاثة التوحيدية الرئيسة (اليهودية والمسيحية والإسلام) من المنطقة الكبرى التي تشمل سورية، وقد أدى تكوّن مذاهب ومدارس مختلفة ضمن هذه الأديان إلى وجود طوائف عديدة. كما و كان لتعرض سورية عبر تاريخها إلى مجموعة من الغزوات والهجمات من قِبل مجموعات سكانية متعددة، مثل المغول والأتراك، دوراً في ذلك. في الوقت الذي كان الشرق الأوسط فيه ملجأً للمضطهدين سياسيًا أو دينيًا من الأقاليم المجاورة الذين استقروا في سورية والمناطق المحيطة بها، كما هو حال الأرمن والشركس.

يتميّز الشعب السوري بتنوع قوي في الأصول الدينية والعرقية، وإذا كان هذا التنوع يبدو نقطة قوة وغنى لسورية فإنه وبالقدر ذاته يبدو مقتلها في النهاية،  حيث لم تكن علاقة الطوائف الدينية في سورية عبر تاريخها على خير مايرام. ففي فترة الحكم العثماني استفاد سلاطين الدولة العثمانية من الخلافات الدينية بين أبناء البلد الواحد وعملوا على تعزيزها، فاستخدموا طرفاً لظلم طرف آخر وكنّوا عداءاً واضحاً للشيعة والعلويين والمسيحيين، وما زالت مجزرة الحي المسيحي في دمشق عام 1860 حاضرة في الأذهان. في حين وُسم عهد الانتداب الفرنسي بتحريض الولاءات الطائفية من خلال  تشجيع ظاهرة الانفصال والتخصصية بين الأقليات الدينية والقوميات، عن طريق منحهم حكماً ذاتياً في المناطق التي يشكلون فيها أغلبية محلية.

كما  شكل الفرنسيون بعد ذلك ما عرف باسم “القوات الخاصة للشرق الأدنى” التي استُخْدمت لحفظ النظام وقمع الفتن الداخلية، وكانت مكونة من العلويين والدروز والأكراد والشراكسة والأقليات الأخرى، وبالرغم من فشل كل المحاولات الفرنسية في تجزئة سورية إلى دول طائفية تحوي كل منها مجموعة من الطوائف تغلب فيها عددياً طائفة بعينها، إلاّ أنّ هذه المحاولات تركت آثارها بشكل واضح على المجتمع السوري.

بعد الاستقلال

في عام 1946 وبعد أن حققت سورية استقلالها برزت ضرورة  تعزيز بنية الدولة المستقرة و تكوين هوية وطنية سورية أصيلة و تأسيس دولة المواطنة؛ إلاّ أنّ  الصعوبات الداخلية ساهمت في إبقاء سورية ضعيفة وغير مستقرة سياسياً مما أتاح للأطراف الخارجية فرصة التلاعب بها. فعلى الرغم من بدء اهتمام الشباب السوري بالسياسة في أواخر الأربعينيات وبدايات الخمسينيات من القرن الماضي وظهور فكرة القومية والتغيير الاجتماعي المستمر بشكل يسهم بإضعاف الروابط الطائفية والإقليمية والعشائرية، إلاّ أنّ هذا لم يكن كافياً، إذ استمرت أهمية المجتمع الديني كوحدة سياسية واجتماعية مع كل ما يتبع ذلك من أجل الإبقاء على الولاء والالتزام الطائفي بالرغم انتشار ظاهرة اللامبالاة تجاه الدين.

و مع الحراك الشبابي في خمسينيات القرن الماضي، انتشرت الأحزاب العلمانية في سورية كالنار في الهشيم مثل الحزب السوري القومي الاجتماعي والحزب الشيوعي وحزب البعث الذي شكل قمة تطلعات السوريين وخصوصاً أبناء الريف السوري والأقليات الدينية التي رأت فيه مخرجاً من عزلتها وإطارها الاجتماعي الضيق ووضعها كأقليات، إلاّ أنّ هذه الأحزاب عموماً وحزب البعث خصوصاً اعتمد في حراكه على القنوات الاجتماعية  التقليدية وبذلك ساهم في استمرار الولاءات الطائفية والعشائرية في الحياة السياسية السورية بما يتنافى وأهدافه الإيديولوجية التي تتبنى المبادئ القومية.

استمر التنافر الطائفي والعرقي وخصوصاً مع مسيرة حزب البعث وحتى استيلائه على السلطة عام 1963. وقد كان الحزب نفسه مسرحاً للعديد من  الخلافات الطائفية والمذهبية التي أرخت بحملها على القوات المسلحة السورية، ما أدّى إلى انقلاب عام 1970 وتسلم حافظ الأسد السلطة وقد عمد مباشرةً إلى محاولة إرضاء الأغلبية السنية في سورية، وعمل في الوقت نفسه على استقطاب الأقليات كحامي لها من أي خطر قد يتهددها. وصولاً إلى حركة الإخوان المسلمين وأعوام الصراع على السلطة مع الأسد الأب وما طرحه الإخوان من خطاب طائفي في حراكهم المسلح، ورد النظام السوري بمجزرة حماة عام 1982 التي أنهت الصراع مع الإخوان ومهدت لحكم النظام لأعوام طويلة قدم النظام السوري نفسه فيها كصمام الأمان الوحيد للبلاد.

النظام والحراك الشعبي 2011

في رد فعله الأولي على الحراك الشعبي السلمي عام 2011 لم يخرج النظام عن طبيعته، فراح  يُسوّق لشبح الاقتتال الطائفي والحرب الأهلية. وعمل على استفزاز السلاح من خلال البطش الذي واجه به المتظاهرين السلميين، ولم يجد أي مقاومة في ذلك، فالحركات السلفية في سورية والإسلاميون كانوا بانتظار فرصتهم المواتية  للانتقام منه وإنشاء دولتهم الإسلامية، ويصعب تحييد دور الضخ الطائفي الذي مارسته فضائيات عربية على مدى عشرة أعوام مضت.

بدأ  الخطاب التكفيري يتصاعد مع تطور الحراك السوري، وراح النظام يستغله بكل إمكاناته ونجح بحشد الأقليات الدينية والقومية – بشكل نسبي لكنه فعال- إلى جانبه والقتال معه حتى النهاية. وترافقت استثارة النظام للحس الطائفي مع خطابات طائفية أطلقتها المعارضة السورية من إسلاميين و”علمانيين”، وراحت تُطالعنا يومياً مقابلات ومقالات لأهم مثقفي سورية تتبنى الخطاب الطائفي وتتجه نحو شق الصف الاجتماعي وحشد المشاعر الطائفية واستثارتها. ونجح النظام والمعارضة “المتطرفة” بإقناع الجميع بأنه صراع طائفي على حكم سورية، وانحرف الحراك السلمي السوري الشعبي الذي خرج مطالباً بالحقوق الأساسية للإنسان السوري، وأُجبر على تغيير طريقه بفعل آلة البطش التي تصدت للتظاهرات السلمية والضخ الطائفي الهائل الذي رافقه. وبرغم ذلك برزت مواقف إنسانية اتخذها السوريون عندما تعرض أبناء طائفة أخرى للإبادة بسبب معتقدهم. ومن المؤكد أن قصة عدرا العمالية  ستبقى ماثلة للأذهان عن استثارة الحس الإنساني وانتصاره في النهاية لدى الإنسان السوري.

كان للإعلام الموالي والمعارض دور رئيسي في تطييف الحراك بكل الأشكال الممكنة، وترافق كل ذلك مع مئات الفيديوهات التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي (مشاهد التقطيع والذبح وقطع الرؤوس)، ردت عليها بعض فئات المعارضة بالتوجه بخطاب تطميني  إلى الأقليات بدلاً من تكوين خطاب مقنع جامع تتوجه به إلى كل السوريين. ذلك كله ترك أثره حتى على الأقليات التي فضلت الحياد في البداية، وكان لخطاب المعارضة السورية الأثر الأكبر في خروج هذه الأقليات عن حيادها ولكن لصالح النظام هذه المرة. في الوقت ذاته لم تقم المعارضة باستنكار عمليات الذبح والتقطيع وإنما تصدّت دائماً لتبريرها. واستمرت بالتسويق لمناطقها “المحررة” تلك المناطق المحررة فعلياً من التكوين السوري ومن الفسيفساء السورية، لأنها أصبحت مناطق بلون واحد قادم من ألفي عام مضت فُرض فرضاً على السوريين.

من المُجْحف القول أن الطوائف السورية كانت متناحرة بشكل دائم و تريد أيّ منها محو الأخرى.  لكن هذا لا يعني أن هذه الطوائف كانت منفتحة على بعضها أو أنها تتقبل الآخر بالشكل الذي يتطلبه مفهوم العيش المشترك،  وفي الوقت نفسه جمعها وجود هاجس طائفي مكونه الأساسي الخوف من الآخر، يُعززه الشعور بالأمان ضمن الجماعة الطائفية، كما أن العامل الاقتصادي كان واضحاً في تجذير التباينات الطائفية، إذ كان ضعف التوازن في التنمية بين الريف والمدينة سبباً آخراً لتعميق الخلاف الطائفي بحكم التوزع الجيوسكاني في الساحل السوري مثلاً. كل ذلك كان من الممكن ألا يكون لولا الفشل القانوني والاقتصادي والإداري والقضائي على مدى العقود الماضية المتمثل بغياب دولة المواطنة وسيادة القانون وقمع الحريات العامة والإلقاء بالشعب في لجة الفقر والجهل، وتعريضه للتعسف السلطوي والفساد الإداري والقضائي، وانتشار المحسوبيات، واعتماد الولاءات المصلحية كآلية لعمل مؤسسات الدولة، كل ذلك هدد المنظومة الاجتماعية بالانهيار، وكان في الوقت ذاته وسيلةً لاستمرار حكم النظام.

وفي حين بدا النظام السوري للكثيرين علوياً (أو أرادوا أن يروه كذلك) لكنه لم يكن إلا نظام المصالح الخاصة. كما أن الطريقة التي قدم بها النظام نفسه كصمام أمان قوي ووحيد لوحدة المجتمع وعدم انهيار الدولة كانت من أهم أسباب استمراره في الحكم حتى الآن و جعلته الأقدر على حشد الأقليات في سورية إلى جانبه وقد ساهم في كلّ ذلك قدرته الدائمة على تشكيل شبكات مافيوية تكنّ له الولاء من منطلقات تبدو طائفية ظاهرياً في الوقت الذي تحكمها فيه مصالح اقتصادية في العمق، في حين أن  المعارضة السورية التي حاولت أن تقوم بذات الدور لم تستطع تقديم نفسها إلاّ كبديل طائفي عن النظام.

يأخذ الصراع في سورية حتى هذه اللحظة شكلاً مُتحولاً تصعب قولبته وتوصيفه يسوده الهاجس الطائفي إذ تُبرَّر أقبح المجازر من منطلق طائفي و تتوقف حدود الإدانة على طائفة المجرم تماماً كما تتوقف حدود التعاطف على طائفة الضحية، و يتدخل المعتقد الديني لتوصيف الجرائم فالمجزرة ممكن أن توصف بأنها عملية استشهادية!.

الضرورة الآن في سورية هي لوقف القتل من قبل جميع الأطراف، ولا يمكن أن يتم ذلك قبل التوقف عن تبرير القتل والتعامي عن المشكلة الطائفية ومحاولة تجميلها بمشاهد أجراس الكنائس وصوت الآذان في الإعلام. ومن ثم تفعيل آليات العدالة الانتقالية والتنمية المتوازنة بما يحقق في النهاية السلم الأهلي و البدء ببناء سورية (الدولة) دولة سيادة القانون والمواطنة تكون فيها حرية المعتقد حقاً مقدساً  للإنسان يصونه القانون و يصون حريته في التعبير عنه ضمن حدود المواطنة.

———————

محامية – مركز المواطنة المتساوية

حنطة26 حنطة27

برومو الشهيد ناجي الجرف