حصيدة

الرقة بين سندان البراميل ومطرقة السكاكين

أسعد حنا

باتت من العادات اليوميّة لسكان المناطق السورية تفقد السماء والطرقات أمام بيتهم بعد أن يغسلوا وجههم (في حال توفر المياه)، فيخرج السوري الساكن في المناطق المؤيدة ليتفقد الشارع أمام بيته فإن كانت الحركة طبيعية هذا يعني أنه لا اشتباكات اليوم ويمكنه الخروج والدخول وممارسة حياته الطبيعية، أما إذا كانت الناس تركض والمحلات مغلقة والسيارات مسرعة، فهذا يعني أن الأمور ليست على ما يرام. كذلك الأمر بالنسبة للسوريين الذين يقطنون المناطق المعارضة، فهم يتفقدون الأرض والسماء، فبعد التأكد من أنه لا اشتباكات في حاراتهم (والتي انتهت منذ زمن بعيد مع النظام بحيث لم نعد نشهد اقتحامات برية للمناطق الخارجة عن سيطرته وإنما مجرد تدمير همجي لها) ينظرون للسماء عالياً باحثين عن نقاط سوداء تدب الرعب والموت في قلوبهم. كانوا سابقاً عند مشاهدتها يهرعون للاختباء في الملاجئ لاعنين النظام المجرم الذي دمر البلد من أجل بقاء شخص متربص بالحكم رغم رفض الشعب له وشاتمين هذا الجيش الذي انحاز للطاغية ضد الشعب الثائر، أما بعد 11 سبتمبر عندما أطل أوباما معلناً حربه على الإرهاب في سورية والعراق فقد أصبح الطيران طيرانين: أحدها يحمل نمرة سوريّة ويقصف من تحت سقف الوطن، والآخر يحمل نمرة دولية ويقصف من فوق سقف الوطن.

سقف الوطن الذي انتهكته صرخات المواطنين السوريين عندما طالبوا بحريتهم بينما لم تنتهكه طائرات التحالف التي دعاها النظام لتتحالف معه عند تنفيذ غاراتها على الأراضي السورية، فبات المواطن السوري في الرقة يترقّب كافة أنواع الطيران التي لا يختلف مصير المدنيين تحتها فكلها لا تحمل سوى الموت والدمار.

شهدت مدينة الرقة موجة نزوح كبيرة بعد دخول تنظيم الدولة الإسلامية إليها وبشكل خاص النشطاء الإعلاميين وعائلاتهم بسبب ممارسات التنظيم ضدهم واعتقالها لعدد كبير منهم بحجة تعاملهم مع الدول “الكافرة” إذ قام التنظيم باعتقال وإعدام بعض الناشطين وتغييب بعضهم الآخر حتى يومنا هذا.

خرج بعض القومجيين والناشطين المقيمين خارج حدود الوطن ليقولوا بأن على التحالف إبادة المدينة التي اتخذها التنظيم كعاصمة له بحجة أنّ كل من يسكنها هم موالوون لتنظيم الدولة أو عناصر فيها واصفينهم بالدواعش، متناسين أنّ إعاقة معارضة الخارج تركت معظم الناس اللاجئين في دول الجوار الذين لا حول لهم ولا قوة تحت البرد والمطر في الشتاء وحر الشمس في الصيف غير آبهين لهم، مما دفع السكان لالتزام بيوتهم والتقيد بما يمليه عليهم التنظيم ليحافظوا على ما تبقى من كرامتهم تحت سقف بيتهم الذي يقيهم شر الائتلاف ومؤسساته. فأصبحوا ينامون على حد سكاكين التنظيم ويصبحوا على قرع براميل النظام ويختبؤون من غارات التحالف.

بعد الغارات الأخيرة التي شنتها الطائرات الحربية على مدينة الرقة بشكل مكثّف لمدة أسبوع راح ضحيتها مئات الشهداء من المدنيين دون إلحاق أي أذى بحق التنظيم، تم تقاذف التهمات بين النظام والتحالف ومع أنه خرجت مئات التظاهرات في مختلف بلدان العالم لتتضامن مع الضحايا إلا أنه لم يتم إصدار أي بيان من الأمم المتحدة لتعزية الضحايا أو إدانة للنظام، أو اعتذار عمّا حصل.

من ينظر للحياة في داخل الرقة يجد هناك أنواعاً عدّة لحياة السوريين في الداخل، فمنهم من اختار مبايعة التنظيم ليتنعم بالخيرات التي يغدقها التنظيم على أنصاره من خدمات وسلطة وجاه، ومنهم من بايع التنظيم خوفاً على حياته وحياة أسرته ليتمكن من البقاء في منزله ويتقي شر التشرد واللجوء بالخارج وبطش التنظيم بالداخل، وقسم آخر من الناس بقي حبيس منزله ملتزماً الصمت يتحسس رقبته كل يوم من سكاكين التنظيم ورأسه من غارات التحالف. إضافةً لعدد قليل من الناشطين الإعلاميين الذين لازالوا يعملون في الداخل مخاطرين بحياتهم من أجل إيصال صوت وصورة الواقع المبكي الذي آل إليه أهل الرقة.

 

حنطة33

برومو الشهيد ناجي الجرف