حكايا البيدر

بقعة ضوء… قرية الشغور

حسن ممس

على ضفة وادٍ فوق النهر الأبيض كان من المقرر أن يقام عليه سدٌّ عظيم، وعلى بعد عشرة كيلومترات عن مدينة جسر الشغور على طريق جسر الشغور – اللاذقية، وبين أشجار الصنوبر والزيتون والتفاح والفاكهة. تحتضن الطبيعة الخلابة قرية الشغور ثاني قرى ريف جسر الشغور في عدد السكان إذ بلغ عدد سكانها وفق إحصائيات التعداد السكاني عام 2004 قرابة ثمانية آلاف نسمة.

عانى أبناء هذه القرية من ظلم النظام من ثمانينيات القرن الماضي أيام حكم الرئيس حافظ الأسد ووصولاً إلى حكم وريثه بشار إذ قام الأب باعتقال خمسة وعشرين شاباً عام 1981 تراوحت فترة اعتقالهم من عشر سنوات إلى ثماني عشرة سنة، ثلاثة منهم لم يبصروا النور حتى يومنا هذا ومصيرهم ما زال مجهولاً.

قرية الشغور من أوائل قرى ريف جسر الشغور التي شاركت في الحراك الثوري ضدَّ نظام الأسد فقد قامت مظاهرات  فيها مطالبة بالحرية وبإسقاط النظام، كما شارك شبابها كتفاً إلى كتف مع شبَّان مدينة جسر الشغور الثائرة في المظاهرات.

نتيجة لذلك الحراك الثوري قامت قوات الأسد بعد دخولها إلى مدينة جسر الشغور في شهر تموز عام 2011  بتوجيه قوة كبيرة قوامها كتيبة من القوات الخاصة بقيادة ضابط برتبة عقيد مدعومةً بسرية دبابات وعدد كبير من العربات المصفحة وناقلات الجند باقتحام هذه القرية، وقد تمت السيطرة على القرية واحتلالها، ولاقى أبناؤها شتَّى ألوان العذاب والإذلال من قبل قوات الأسد المتمركزة فيها. فهم ممنوعون من الخروج إلى حقولهم حيناً،  ومُجبرون على العودة – إن سمح لهم بالخروج إلى حقولهم-  إلى القرية في وقت محدد حيث كانت تحتجز بطاقاتهم الشخصية عند عناصر الجيش عند الذهاب إلى الحقول وإعادتها لهم عند رجوعهم منها، إضافة إلى منعهم في أكثر الأوقات من مغادرة القرية إلى جسر الشغور لشراء الحاجيّات أو المواد التموينية أو العمل.

في نهاية عام 2012 اضطرت قوات الأسد مُرغمة على الانسحاب من القرية، خاصة بعد أن أصبحت قواتهم مكشوفة لأسلحة أبطال الجيش الحر الذين استطاع تحرير عدد من القرى من الجهة الغربية للقرية وخاصة قرية الزعينية التي كانت مقراً للفوج 35 ( قوات خاصة) الذي أُبيد معظمه وفرَّ عدد قليل مع بعض الضباط منه ليتمركز على التلال المحيطة بمفرق الشغور والذي انضمت إليهم القوات المنسحبة من القرية بعد أن انشقَّ عدد كبير من هذه القوات وانضموا إلى صفوف الجيش الحر.

قامت قوات الأسد بتحصين قواتها عند مفرق الشغور فحفرت خنادق للأفراد والدبابات وناقلات الجند، وحصنَّت قمم الجبال المشرفة على المفرق وعلى قرى ريف جسر الشغور الشرقي والشمالي بأسلحة قوية. لكنَّ كلَّ تلك التحصينات والتعزيزات والقوات لم تكن لتمنع أبطال وثوار القرية والقرى المجاورة من دحرهم فقد باغتوا قوات النظام في ساعة مبكرة من صباح 25/1/2012 وحدثت معركة قوية أودت بحياة 171 جندياً من جنود الأسد وفرار الباقيين نحو جسر الشغور مخلفين أسلحتهم وجثث قتلاهم على سفوح الجبال وفي الأبنية التي كانوا يتمركزون فيها.

حاولت قوات النظام مرات عديدة على مدار ثلاثة أيام استعادة السيطرة على المنطقة وسحب جثث قتلاها لكنَّها لم تفلح بسبب الحماية الجيدة التي وفرها الجيش الحرّ للموقع.

منذ ذلك اليوم تجدد الحقد في نفوس قوات النظام على هذه القرية فبدأ بتوجيه ضربات عن بعد. فدفعة صواريخ في يوم، ومجموعة قذائف مدفعية في يوم آخر وكأنّه لم يبقَ مكانٌ ثائرٌ في سورية سوى قرية الشغور. لكنَّ معظم تلك القذائف كانت تسقط في الأراضي الزراعية وبين الجبال والوديان وظلَّ الأمر على هذا النحو إلى أن كان يوم16/2/2013 حيث سقط أوَّل صاروخ في بيت سكنيٍّ لعائلةٍ ربُّ أسرتها رجل عاجزٌ يدعى محمد بديع شيخ عبد الله وقتل أربعة من أحفاده في غرفة واحدة إحداهما طفلة في الثالثة عشرة من عمرها وثلاثة أطفال تتراوح أعمارهم بين سبعة أعوام وعامين. وتتالى مسلسل القصف في اليوم التالي فسقط صاروخ آخر من مجموعة صواريخ موجهة نحو  القرية على حانوت في ساحة القرية ممَّا أدى إلى سقوط ثلاثة شهداء وإصابة سبعة لكنَ راجمات الصواريخ وقذائف المدفعية لم تشفِ غليل قوات النظام التي وضعت برنامجاً -كما يبدو- لتحليق الطائرات في سماء هذه القرية فقليلة هي الأيام التي لم تحلِّق طائرات الأسد وحوَّاماته في سماء القرية وتمطرها بطواريخ حيناً وببراميل أحياناً أخرى.

نتيجة لهذه الوضع المأساويِّ الذي جعل رائحة الموت تفوح من بين ركام البيوت المهدمة نزح معظم أبناء هذه القرية عنها وهي الآن شبه فارغة من سكانها إلَّا من رجل مسنٍّ أصرَّ على التمسك بأرضه وبيته أو فقير لا يملك شيئاً.

 

حنطة34

برومو الشهيد ناجي الجرف