جرن حنطة

السلطة بين دور المثقف وقهر الجسد

شفان ابراهيم
ربما لا نعرف كيفية استخدام مفهومي المعرفة والسلطة وذلك قد يكون بسبب عدم معرفتنا لماهية المعرفة وماهية السلطة، أو قد يكون بسبب عدم إلمامنا إلا لُماماً لواقع وعلاقات الملفوظات واختراق الموضوعات الخطابية للحقائق العينية وانسجامها مع واقع أُريد له أن يكون على ما هو عليه الآن مُتحولاً إلى مواقع الذوات. وقد يكون بسبب اختلاط القناعات إذ أننا لا ندرك أن المفاهيم كالنظريات وكالبيوت والأجساد عرضة للانتهاك في كل لحظة وعرضة للاختراق، وحتّى للاستباحة.
إن الالتباس والارتباك يحدث داخل فضاء المعرفة والسلطة ومن تشعب العلاقات وتداخل السياقات وتوزع الممارسات في عتبات المعرفة واستراتيجيات السلطة. لذا لم تعد الأهمية في تحديد المفاهيم لأنها مهمة سوسيو- ثقافية إنما تكمن في البحث في البنى والعلاقات والممارسات، في ما يقوله الناس وما يقومون به، في ما يخضعون له وما يوجهونه، في ما يستبد بهم وما يرغبون فيه، فيما يشعرون به وما يخشون منه، فيما يختبئون منه وما يستحبوه.
إن أحد أكبر وأهم اهتمامات ميشيل فوكو هي السلطة، وكيف صُنعت من نفسها وجعلت  القانون التقليدي في خدمتها. يقوم فوكو بحصر هذه السلطة على شاكلة المهيمن والمسيطر من الأعلى، سلطة آتية من فوق تكون حالة في الأجساد. وأشار إليها فوكو على أنها تمر في الأجساد والخطابات عاملة في الرغبات القيمة وفي المتع، أي رآها جسداً يعمل في الأجساد.
يُعلق فوكو في مسألة السلطة والمعرفة وكيف تم الانتقال بينهما قائلاً: “السلطة هي التي تشير إلى المعرفة، وهي التي تؤسس هذه المعرفة، وهي التي ترسم وتلون وتستشهد بالمعرفة التي تراها مناسبة، بل هي من يُحدّد نوع المعارف حتى تستطيع أن تتسلط على المجتمع.  فعندما تطور المجتمع البشري أصبحت السيطرة عليه أصعب، أي حدّ من هيمنة السلطة على الأجساد فأرادت هذه السلطة المستبدة أن تبقى مهيمنة، وفي ظل صعوبة السيطرة على الجسد اكتشفت الناحية الأسرع والأسهل للسيطرة على المجتمع فانتقلت إلى الأذهان”.
المعرفة بين القمع والتبشير
يُعّرف فوكو القمع على أنه ليس مجرد منع، بل هو إقصاء وإسكات كذلك، وإعدام ما يجب قمعه بمجرد ظهوره، وقطفه بمجرد نضوجه. إنّه يعمل وفق آلية ثلاثية من التحريم والتغييب والصمت حتى بإزاء الموضوع الذي يضربه القمع، لا شيء يمكن قوله أو رؤيته أو معرفته.
القمع هو ما يحرم الموضوع من ماديته والذات من قدراتها. بل أنه ما يمنع المعرفة كعلاقة إذا تجاوزنا مفاهيم الذات والموضوع، إذ أنه لا ذات تعرف موضوعاتها بكيفية مسبقة أو تتوجه لموضوعات مثقلة بالمعنى. إذاً الفرضية القمعية هي ما يتنافى ويتعارض مع المعرفة المتشكلة من تكوينات تاريخية، ومن وضعيات ووقائع، ومن طبقات رسوبية متكونة من كلمات وأشياء، ومن الإبصار والقول مما يُرى ومما يُقٌال. فالمعرفة هنا باتت تتناسب عكساً والعنف المتشكل في المجتمع جراء القمع السلطوي في الأجساد والأذهان.
إن الحديث عن القمع يشرع الحديث عن الثورة والسعادة، أو الثورة ووطناً آخر أكثر جدة وجمالاً، أو الحديث عن الثورة والمتعة. فالكلام ضد السلطات – قول الحقيقة والوعد بالمسرة، والربط بين إشراقة الوعي والانعتاق، وبين الملذات المتنوعة، وإقامة خطاب تترابط فيه صرامة المعرفة بإرادة تغيير القانون- هو ما يدفعنا إلى الحديث عن التعاضد والتآزر بين ملفوظة القمع وصورة التبشير يحملها “المثقف الشمولي” الذي يتكلم باسم الإنسانية والحقيقة والمستقبل فهو صاحب الحق في شمولية المعرفة، وهو الوكيل الشرعي للكلية والمراسل الكفء إذ يتقًوم التفلسف كفكر شمولي.
المثقف الشمولي عند فوكو أتٍ من سحنة تاريخية محددة هي وجه رجل القضاء والقانون، أي الحقوقي الذي يواجه السلطة والاستبداد والتجاوزات وغطرسة الثروة بكلية العدالة وإنصاف القانون المثالي وقوة الحق والمشروعية.
إن الفضاء الأخلاقي – القضائي الذي يتحرك فيه المثقف الشمولي هو الذي يمنحه فرصة عدم التعامل المباشر مع السلطة، وبذلك الفضاء يتمكن من الانسحاب والتمركز على هامش السلطة أو في موقع متعال ليحكم عليها.
إن المثقف الناطق بلسان المعرفة والوعي يكون خارج الطاعة العمياء إنما ضمن المعرفة، ومواعظه التي تشجب الظلم وتبتعد عن العبودية والتبعية وتُبشّر بنظام جديد مستحبة البقاء للغاية وسهلة القبول. وهو ما يسميه فوكو منفعة المتكلم حيث يتآزر قول الحقيقة والتبشير بالمتعة وهما اللتان تخشاهما السلطة وتقمعهما.

لكن المعرفة في ظل القمع والسلطة الشمولية تبقى حلماً ورغبةً في التحرّر والانعتاق، خاصة وأن الحلم يستمر في كنف الأنظمة الاستبدادية. ويبقى الرهان على رغبة المفكر والمثقف الاستمرار في الجَلَدّ. لكن رغم وهم التحرر والتعالي، ورغم امتلاك القول الفصل، فإن المفكر ذاته في نفس الآن يُصبح موضوعاً ( مطلوباً) للسلطة وأداتها حين يرتضي المفكر أن يكون جزءاً من سلطة غاشمة. والفكرة التي يحملها المفكرون الشموليون على أنهم موجهو الضمائر ومنتجو خطاب الحقيقة ستجد نفسها تنتمي هي ذاتها لنظام السلطة. بكون أن هذه السلطة لن تقف مكتوفة الأيدي جراء ما يُقدم عليه المثقف الشمولي، فمن جهة لا يجوز أن تكون الشمولية بمعنى إيجابي وهي راعية الشمولية المستبدة والمستبيحة للأجساد والأذهان. ومن جهة أُخرى كيف لها أن تُشاهد ما يُقدم عليه المثقف من نشر للوعي على مستوى الحقوق والواجبات وتقف مكتوفة الأيدي، لذا ستلجأ بكل قواها إما إلى خلق المثقف المطلوب أو إلى خرق المثقف الموجود ولو اضطرت إلى استعمال ما تتعفف عنه البشرية.
وفي الوقت الذي يبحث فيه المفكر الشمولي في ما يجب أن يكون، تكون السلطة حينها بصدد وضع دواليب العقاب والقسر موضوع العمل. إذ في حين يبحث المشرعون والفلاسفة في الميثاق عن نموذج أولي لبناء أو إعادة بناء الجسم الاجتماعي، حينها يكون العسكريون – وهم اختصاصيو الضبط-  منهمكون في إنشاء وبلورة سبل قسر وإكراه الأجساد الفردية والجماعية. من كل ذلك يستنتج فوكو: “أننا في زمن يجب أن تُعاد فيه صياغة وظيفة المثقف المختص لا أن تهجر، رغم حنين البعض، إلى كبار المثقفين الكليين القائلين نحن بحاجة إلى فلسفة، إلى رؤية للعالم” على أمل أن ننعتق من هذا الشر.

حنطة36

برومو الشهيد ناجي الجرف