جرن حنطة

 دي مستورا والحل السياسي

مروان عبد الرزاق

 

مع انطلاقة الثورة بدأ البحث عن الحل السياسي للصراع المفتوح بين النظام والشعب في سورية. وشكلت الدعوات العربية والدولية للحل السياسي جوقة غير منسجمة لملء الفراغ السياسي الذي أغلقه النظام بوقوفه ضد أي حل سياسي سلمي.

 

وبدأت المبادرات العربية والدولية تعبئة الفراغ السياسي. وأولها مبادرة الجامعة العربية في (تشرين الأول2011) التي طالبت النظام بسحب الجيش من المدن، والإفراج عن المعتقلين، وفتح حوار مع المعارضة، ثم مطالبة الأسد بتكليف نائبه لتولي مهامه وفقاً للطريقة اليمنية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وانتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة. ومع ترحيب المعارضة بالمبادرة، الاّ أن النظام رفض كل بنودها مع موافقته الشكلية على بعثة المراقبين العرب برئاسة “الدابي” التي لم تمكث في سورية لأكثر من شهر. ولم يكترث لتجميد عضوية سورية في الجامعة العربية وللعقوبات العربية والدولية التي فرضها مجلس الأمن.

ثم أتت مبادرة “كوفي أنان” ذات النقاط الستة في “شباط 2012” التي تدعو إلى وقف العنف والدخول في عملية سياسية تلبي “المطالب المشروعة للشعب السوري” دون أن تشير إلى مصير الأسد. والتي أصبحت الأساس لمؤتمر جنيف-1، الذي عقدته “مجموعة العمل من أجل سورية” في “30 حزيران 2012”. وبعد أكثر من عام، تمّ إجبار النظام والمعارضة “الائتلاف الوطني” على حضور مؤتمر جنيف-2 في “كانون الثاني 2014” للتفاوض المباشر والتوصل إلى تسوية سياسية. إلاّ أنّ الفشل كان عنوان المؤتمر قبل أن يبدأ. ثم أتت مبادرة “الابراهيمي” التي دعت إلى حوار سياسي بُغية تشكيل حكومة وحدة وطنية كاملة الصلاحيات، وانتخابات برلمانية ورئاسية برعاية النظام. إلاّ أنها فشلت برفض النظام والمعارضة لها.

لماذا فشلت جميع المبادرات السياسية؟

والسؤال الهام: لماذا فشلت كل المبادرات السياسية الهادفة إلى إيجاد تسوية سياسية للصراع بين الشعب والنظام في سورية؟ والجواب ببساطة هو أن جوهر الصراع لم يعد قابلاً لأي تسوية سياسية.

صحيح أنّ الثورة السورية هي بالأساس ثورة سياسية تهدف إلى إسقاط الاستبداد وإقامة الدولة المدنية الديمقراطية، ومن الطبيعي أن يكون البحث عن الحل السياسي السلمي هدفها الأساسي. لكن قدرها أن يتحول صراعها السلمي مع النظام ليس إلى صراع مسلح وحسب، وإنما إلى صراع وجودي مفتوح، وبالتالي انعدام أي حل وسط بين الشعب والنظام.

فقد أزاح الصراع العسكري  السياسة إلى الوراء، ليس عند النظام فقط، وإنما عند المعارضة والمؤسسات التي أفرزتها مثل “الائتلاف” و”هيئة التنسيق” والأحزاب الجديدة الفندقية الكرتونية التي تشكلت في الخارج. والحل السياسي عند الشعب لم يعد ممكناً برعاية الأسد، وإنما يبدأ برحيله. وهذا الصراع المفتوح في سورية لا يمكن إغلاقه إلا بتنحي رأس النظام  حتّى لو استمر الصراع لسنوات طويلة. فعلى الرغم القوة العسكرية المتماسكة للنظام، إّلاّ أنه لم يعد يملك مفاتيح الحل السياسي-العسكري في سورية ولن يكون قادراً على ذلك في المستقبل. والمستقبل للشعب وليس للطغاة، هكذا يُحدثنا التاريخ.

ومراوحة الصراع العسكري في المكان، وعدم قدرة المعارضة على إسقاط النظام، أفسح المجال أمام الدول الاقليمية (قطر والسعودية وتركيا وإيران) والدولية ( أمريكا والدول الأوروبية، وروسيا) للتدخل والصراع على الأرض السورية، والعمل على تعبئة الفراغ السياسي في الساحة عبر المبادرات المذكورة والتي تشترك بأنها مبادرات تسوية بين النظام والشعب مع بقاء الطاغية وعصابته في السلطة. وقد فشلت كل هذه المبادرات لأن النظام غير مستعد لأي تنازل أو إصلاح حقيقي من جهة، ولأن المعارضة من جهة ثانية لن تقبل إلاّ برحيل الطاغية. بمعنى آخر، مازال الصراع الوجودي مستمر ولا يقبل أية تسوية.

تقاسمٌ للأدوار

بعد قرابة أربع سنوات، لم تتغير بنية النظام، إنما ازداد عنفاً وشراسة في تدميره للمدن والبشر. وهو يشعر بالانتعاش والقوة بعد صفقة الكيماوي، وضمان تحول أمريكا إلى الموقف الروسي المدافع عن النظام، وخاصة بعد إعلان “أوباما” صراحة أنه لن يعمل على إسقاط النظام السوري. مقابل ضعف المعارضة العسكرية والسياسية وتشرذمها، وسيطرة التكفيريين على مساحات واسعة من سورية، وانفجار العراق وسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على الموصل ومساحات واسعة من العراق، وتشكيل التحالف الدولي بقيادة أمريكا ضد تنظيم الدولة في سورية، وبالتالي دخول كل مكونات الصراع في سورية والعراق في مرحلة جديدة يمكن أن نطلق عليها “عصر الإرهاب”.

ويبدو تقاسم الأدوار واضحاً بين أمريكا وروسيا، مع الاتفاق فيما بينهما على حماية دمشق وبغداد. وراحت أمريكا تلعب في الساحة العراقية من جديد. وأزاحت “المالكي” بعد أن احترقت أوراقه، ونصّبت “العبادي” الذي لا يختلف جوهرياً عن الأول، وبدأت البحث عن تسوية بين العشائر “السنية” والنظام “الشيعي” كما حصل في (2006-2007) وتشكيل الصحوات ضد تنظيم الدولة الإسلامية. بالمقابل استلمت روسيا الملف السوري، وبدأت بطرح الأفكار حول تسوية جديدة بين النظام والمعارضة، بعد تجميع المعارضة السورية، وكسر احتكار الائتلاف لتمثيلها، ثم تشكيل فريق من المعارضة يقبل به النظام، ويضم “هيئة التنسيق” و”الائتلاف” مع بعض الأحزاب الحديثة التي تقبل ببعض الفتات، وكذلك الأحزاب التي شكلتها المخابرات السورية منذ أكثر من عامين،إضافةً إلى الرموز القديمة في “الجبهة التقدمية”، حيث يتمكن النظام من تجديد معارضته وتفصيلها على مقاسه من جديد.

أتت مبادرة “دي ميستورا” ضروريةً في هذا السياق. أولاً، لأن السيد “ميستورا” يجب أن يقترح شيئاً جديداً مع بداية تسلمه مهامه كمندوب جديد للأمم المتحدة، كما هو الحال بالنسبة للمندوبين السابقين. وبلا شك فهي مدعومة أمريكياً. وثانياً، أتت مترافقة مع تصاعد نشاط روسيا لتشكيل توليفة جديدة لحل سياسي تحت رعاية الأسد.

ومبادرة دي ميستورا (وملخصها تجميد القتال في حلب كحلقة أولى لتجميد الصراع المسلح في سورية) لاتختلف عن جوهر المبادرات السابقة من حيث هي مقدمة للتسوية أو الحل السياسي كما يسمونه. واختيار حلب ليس اعتباطياً لأن سقوط حلب بيد المعارضة يعتبر بداية الانهيار الفعلي للنظام. وكذلك لا تختلف عن “المصالحات” التي يسعى إليها النظام في مناطق متعددة بعد حصارها وتجويعها ثم الالتفاف على سكانها وقتلهم واعتقالهم باسم المصالحة الوطنية. وكذلك تأتي المبادرة الروسية و”ميستورا”  في مواجهة المبادرة التركية الأقرب الى مطالب الشعب السوري، والتي تطالب بمنطقة آمنة على الحدود التركية بعمق 40كلم للتخفيف من أزمة اللاجئين، ولكي تسيطر أيضاً- وفق أجندتها الخاصة- على هذه المنطقة الحدودية ذات الأغلبية الكردية والتي تسعى تركيا للسيطرة عليها. إضافةً إلى مطالبتهم بمنطقة حظر للطيران السوري كمقدمة لإسقاط الطاغية.

بالأساس، البحث عن الحل السياسي في سورية لا يكون في أروقة الأمم المتحدة أو في الجامعة العربية. إنما في ساحة الصراع العسكرية على الأرض السورية. وكل المواقف الدولية والعربية تعبر عن موقفها نتيجة قراءتها لمسار الصراع العسكري. وهذا هو منطق الثورات المسلحة في العالم كله إذ أن الموقف العسكري هو الذي يفرز الحلول السياسية المؤقتة أو النهائية في اللحظات المفصلية الهامة في مسار الثورة، وليس العكس.

وتجربة الثورة السورية تُشير إلى ذلك بوضوح. قبل الثورة لم يكن موقف الأنظمة العربية والدولية معادياً للنظام السوري. إلاّ أنه مع تقدم الجيش الحر على الأرض بسرعة خلال السنة الأولى من عمر الثورة المسلحة تحول الموقف العربي والدولي ليصبح معادياً بشكل مباشر للنظام السوري. واتخذ العديد من الإجراءات والعقوبات ضد النظام. وطالب برحيل الأسد، وتم تزويد المعارضة ببعض الدعم اللوجستي والعسكري. ورغم أن هذا الدعم لم يكن كافياً لإسقاط النظام لكن كان من الممكن أن يزداد أكثر لو أحرز الثوار نتائج نوعية وتم ترجيح ميزان القوى على الأرض لصالح الثورة. وهذا الدعم لا يعني أبداَ أن الدول العربية والغربية مهتمة بالثورة والشعب بقدر اهتمامها باحتواء الثورة إذا قاربت على الانتصار. وهذه نقطة جوهرية في تفهم الموقف الدولي وخاصة الأمريكي.

سيكون مصير هذه المبادرة الفشل، ليس بسبب الصراع الوجودي فقط، إنما لأنها غير مدعومة بالتدخل العسكري أي تحت “الفصل السابع” لميثاق الامم المتحدة. ولنتذكر أن القرارين الوحيدين اللذين تم تنفيذهما في سورية, وهما تسليم الأسلحة الكيماوية، وإدخال المساعدات الإنسانية بدون إشراف النظام كانا تحت الفصل السابع.

فالطريق مسدود أمام أي حل سياسي في المرحلة الراهنة. والحل السياسي الحقيقي لن يبدأ إلا بعد أن يميل ميزان القوى العسكري لصالح المعارضة  العسكرية على الأرض. وأن يتم تحرير المدن الكبرى، وخاصة حلب وحماة ودير الزور، حيث يبدأ الانهيار الفعلي للنظام. وهذا لن يتم إلا عبر توحيد جهود المعارضة السياسية التي عليها أن تعمل بالتوازي مع الجيش الحر من أجل ردم الهوة بينهما، ودعم الجيش الحر من أجل ترجيح ميزان القوى على الأرض لصالح الثورة.

حنطة39 حنطة40

برومو الشهيد ناجي الجرف