رحى

ارتفاع الضغط وحبّة الدولار

                            

عارف حمزة

مصطلحات كثيرة دخلت إلى حياتنا اليوميّة مع تطوّع الحياة نفسها للعيش في يوميّات الثورة. هناك مصطلحات كنّا نسمع عنها عند الآخرين وليس عندنا، بينما صرنا، هذه الأيام، نمسّد على رأسها هنا كقطط منزليّة. مصطلح “الحرب الأهليّة” مثلاً لم نكن نعرف حجم الهلع الذي يؤلّفه في الأوصال، إلا عندما وضعت أسلحتها الفاتنة بين أيدينا الجاهزة للإبداع فيها. أسلحتها الخفيفة والثقيلة، بالإضافة لأسلحة الضغينة والأحقاد. مصطلح “ثقافة البراميل” تمّ اختراعه سوريّاً خالصاً من ثقافة فارغة لنظام مليء بالوحشيّة. أمّا مصطلح “الشبّيح”، والذي هو سوريّ أيضاً، فقد كان معروفاً حتّى في عهد حافظ الأسد نفسه؛ وكان يُطلق على أولئك الذين بمجّرد أن تناقشهم في شيء ديمقراطيّ، أو تتحدّث عن فساد متعاظم يُذيب أوصال البلاد في “أسيده”، أو عن السجون والتسلّط والديكتاتوريّة، ولو بمواربة كبيرة ورجفة في اليدين، كان يطرح عليك سؤالاً واحداً أبديّاً: هل أنت ضد الرئيس المفدّى حافظ الأسد ؟؟.
هذا السؤال الذي كان يُقارب في مفاجأته هلع الحرب الأهليّة الذي ذكرناه.

مصطلح “الشبّيح” كان يصف أيضاً أولئك الأشخاص من مهرّبي “القرداحة” الذين كانوا يروّعون جميع أهالي المناطق التي كانوا يمرّون بها، في طريقهم لتهريب البضائع من الدخان المهرّب والحشيش والأسلحة والهيروئين، وصولاً إلى تهريب الألماس الخاص بالطبقة الحاكمة. كان الفلاحون في الريف يُطلقون عليهم لقب “شبّيحة” وهم يذهبون لإطفاء النيران التي اشتعلت في محاصيلهم بسبب لهو “الشبيحة” بالرصاص هناك.

العوايني والبخّاخ والحمامجي كل واحد منهم كان له دوره في حياة هذه الثورة أيام التظاهرات السلميّة. ولكن هناك أمور جانبيّة كانت تحصل في هذه الحرب المأساويّة قد لا يفكّر بها سوى أناس ذوي مهارة في تبييّض الحياة السوداء؛ وهي الانتباه لأسعار العملات الأجنبيّة في الوقت الذي كانت تنهال فيه البراميل والصواريخ وقذائف الهاون وغازات الأعصاب في كلّ مكان.

مع انهيار سعر العملة السوريّة خاف كثير من الأثرياء الذين بقوا في البلد على أموالهم، فقاموا بتحويلها إلى العملة “الصعبة”، ثمّ قاموا بتهريبها إلى الخارج. وهربوا هم أيضاً وراءها، وعلّلوا لأنفسهم هذا الأمر بأنّه من الأفضل لهم التمتع بأموالهم خارج البلد، كي لا يقوموا بدفعها كفدية لافتداء أنفسهم، أو افتداء أحد أبنائهم الذي ستخطفه عصابات الخطف. وهناك في الخارج، في لبنان وتركيّا خاصّة، سيُراجعون السفارات الأجنبيّة ويحصل الكثير منهم على اللجوء في بلدانها.
مَن بقي في البلد قام الكثير منهم أيضاً بشراء “الدولار” خوفاً من أن يطلّ ذلك اليوم العراقيّ عليهم؛ في أن تنهار الليرة لدرجة رميها في الشوارع لفقدانها قيمتها. وكم شعر أولئك الناس بالسعادة، السعادة بسبب ذكائهم وحسن تصرّفهم، عندما وصل سعر الدولار الواحد لأكثر من ثلاثمائة وخمسين ليرة سوريّة، هو الذي كان يساوي خمسين ليرة سوريّة فقط قبل اندلاع الثورة السوريّة.

الناس التي اشترت الدولار الواحد بمائتي ليرة سورية، وأكثر قليلاً، انتظروا وصوله لأرقام قياسيّة أعلى من ألف ليرة للدولار الواحد. ولكن كان ذلك الارتفاع وهميّاً كعادة الكثير من الأمور الوهميّة في حياة السورييّن. فمع تهديد الولايات المتحدة الأمريكيّة بضرب دمشق صار سعر الدولار يقفز كل نصف ساعة، وبطريقة جنونيّة، ممّا دفع الناس للإسراع بشراء الدولار ولو بأسعار مرتفعة، بثلاثمائة ليرة وأكثر. ثمّ عادوا مبتهجين إلى عائلاتهم الفقيرة. وصاروا يأرقون في أسرّتهم من كثرة التفكير بالثروة التي قد يحصلون عليها مع كلّ ارتفاع جديد في سعره. وكلّما زاد السعر ليرتين أوثلاثة يُخرجون آلاتهم الحاسبة الصغيرة، التي سكنت جيوبهم في تلك الأيام، ويبدأون الضرب والجمع من جديد، ثمّ يبدأون بإعطاء محاضرة “غنيّة” للأولاد والزوجة عن مستقبلهم، وبوقت واحد، يلفّون السجائر التي تسدّ أنفسهم عن الأكل فرحاً.

هناك من تفتّق ذهنه ببيع منزله أو محلّه، وتحويل قيمتهم إلى دولارات كي تفقس البيضة الصغيرة الخضراء عن ديك أخضر في دقائق قليلة. وتحوّل جميع سكان المدن إلى عارفين بسعر الدولار والأسواق العالميّة، لدرجة أنّ هناك من صار يتابع حركة البورصة وأسعار العملات أكثر من النشرة الجويّة، وأخبار الحرب. وصار الحديث عموميّاً عن الثورة والحرب والملثّمين والبراميل المتفجّرة والنازحين، وتفصيليّاً في الدولار والليرة.

في حلب يتصل أبو عبدو مع جاره أبي عبدو كل عشر دقائق كي يعرف مستقبل عائلته بدقة. ويعرف منه سعر الدولار في اللاذقيّة وطرطوس، لوجود معارفه هناك. بينما هو يعطيه سعر صرفه في دمشق، لوجود ابنه هناك. ولا يتسائلان عن سبب اختلاف صرفه هناك عن سعره عندهم في حلب.
وفجأة تذهب الضربة الأمريكيّة أدراج الرياح، فينزل الدولار بشكل رهيب بالنسبة لأولئك المواطنين البؤساء. وصارت سيّارات الإسعاف تكثر زياراتها لنقل “جرحى الدولار”، وليس جرحى الحرب. صار عندنا مصابين بالضغط والسكريّ والجلطتين، الدماغيّة والقلبيّة، والفالج والكساح بسب وباء صرف الدولار أمام الليرة السوريّة. وبدا الأمر بأنّ أمريكا، التي تراجعت عن ضرب النظام السوريّ لاستخدامه السلاح الكيميائيّ في الغوطتين والمناطق الأخرى، قد ضربت أولئك المواطنين دون أن يُعلن أحد عن توقيت الضربة وحجمها وأعداد الضحايا.

أصبح الأطباء عندما يُراجعهم مرضى الضغط والقلب يصفون لهم مباشرة حبّة الضغط الخضراء التي يضعها المريض تحت لسانه. وصار الأطباء، وكذلك المرضى وأهلهم، يسمون تلك الحبة بحبة الدولار!. فإذا هبط سعر الدولار فجأة، وتبدّل وجه ولون ربّ الأسرة تسرع الزوجة بإحضار حبّة الدولار كي يضعها تحت لسانه. أو تصرخ على ابنتها التي في المطبخ كي تجلب لها حبة الدولار بسرعة، بينما هي تقوم بتدليك صدره!!.

ما عدنا نصاب بالهلع إذا سمعنا أصوات سيّارات الإسعاف الصاخبة، ولم تكن هناك غارة جويّة أو قصفاً، بل صرنا نخمّن بسهولة بأّنّ سعر الدولار قد هبط.

 

حنطة42

برومو الشهيد ناجي الجرف