خميرة

نافذة العتمة

وجيهة عبد الرحمن

 

في كلِّ ليلة كانت تبقي ضوء مصباح الكاز خافتاً، ثمَّ بعد حين تبهرهُ، تعيد الكرَّة مرَّة أو مرَّتين…

وتُبقي باب الدَّار موارباً ليفضي إلى باب غرفتها الموارب أيضاً، كي يدخل ذلك اللصُّ الَّليلي ورائحة العرق تفوحُ منهُ.

وما أن يدخل، يباشر بالتهام وجبته الليليَّة، يزدرد اللقمة تلو الأخرى بينما يحكي قصصهُ الخرافيَّة …..

تتفحَّصُهُ بتمعُّن وعلامات الانبهار والدَّهشة باديةُ على محيَّاها….!

بعد أن يملأ أحشاءَهُ يدفع صحفة الطعام برجلهِ ثمُّ يعتدل في جلستِهِ ويربت على بطنهِ ويقول كل مرة ذات الكلمات:

هذهِ أطيب وجبةٍ أكلتها…

يستأنف: أتعلمين أفضل لحظاتي هي هذه التي أُمضيها معك…

وبعدها تجدهُ يزحف ببطء إلى سريرها ويدعوها إلى رحلة قصيرة في عالمهِ.

بعدما رحل زوجها مبكِّراً عن عالمها البائس وهي التي تزوجت بهِ رغماً عن أنفها الذي مرَّغّهُ عمُّها لأنَّهُ كان المعيل الوحيد لها بعد وفاة والديها إثر حريقٍ شبَّ في بيتهما غفلةً.

شقاؤها لم ينته بانتقالها إلى غرفةٍ أوسع وذي سرير.

باتت تعيش حياة لولبيَّة، منذ ساعات الفجر الأولى تستيقظ متنقِّلةً بين خُمِّ الدجاجات وديوكها المتغطرسة، وكوخ البقرات الثلاث ثُّم ساحة الدَّار الواسعة التي كان عليها ترطيبها لئلا تثير الدّواب الغبار لدى مغادرتها أكواخها إلى مراعيها. واللبن عليها أن تخضَّهُ جيداً وتصنع أقراص الجبن كل هذا والزَّوج المدلَّل وليُّ عهد العائلة مازال راقداً في سريره ينتظرها لتدعوه إلى الإفطار.

إن خصلةً واحدة تكشف فساد شخص ما ولو اجتمعت فيه كل الفضائل هذا الزوج كان هادئاً… صامتاً… كريماً. لكنْ عيناها لم تكفَّا عن التحديق فيه ليدعوها إلى مائدتهِ تشاركهُ طعامهُ، أو يدعوها إلى سريرهِ.

فقد حوَّلهُ الدلال إلى هلام متزحزح لا يعرف ماذا يريد، يكفيهِ أنَّهُ ظفر بها لذا لم يكفْ عن إسماعها كلماتهِ الشظايا بأنَّهُ مخلِّصُها…

كان صياداً نصب الشرَكَ لكل حواسها…!

المنيَّةُ سهم يطلق من وتر إلهي لا يعلم المرء متى يصيبهُ. ففي صباح خريفي دافئ عبقٍ برائحة ذرات التراب والحصى التي ما تزال مبللة، خريفٌ لم يخلع عنهُ قميصهُ حين فاجأها المطر بحبَّاتهِ الكبيرة ليلة أمس لأول مرة هذا العام.

بينما كان يهمُّ بالخروج من بوابة البيت الكبير وإذا بها تتهدم ويسقطُ صريعاً تحتها. لم يتمكَّن أحدٌ من إنقاذهِ. مات ولم تزل تستجدي منه الدفء الذي لم تحصل عليه.

أما هذا الرجل الذي صار ضيفاً في الظلام ما عساهُ يقدِّم لها.

يهديها الحبَّ بسخاء ليلاً ويعدها بالزواج. وحين الصُّبحُ تتناثرُ كلماتهُ صدىً على تلال القرية ويبقى لعينيها الزَّرقة السَّماوية في انتظار ظلام آخر…

طالت الحالُ هذهِ قرابة العام أو ربّما أكثر، بعد موت زوجها وقضائها أشهر العدّة وانتقالها إلى منزل منعزل عن بيوت القرية المتهامسة طال انتظارها للظفر بذلك الحبّ الذي تنشدهُ.

في قرارة نفسها تكاد تقتلها رتابة تلك اللقاءات.

وبذات الحركة اللولبيَّة التي تبدأ بها صباحاتها  أخذت تُضرم النَّار في داخلها وتفكِّر بما عليها أن تتصَّرف، وماذا عن ذاك السِّراج الذي شحبَتْ نارهُ داخلها مبشَّرة ً بقرب النَّهار.

شعرت بأنَّها ستتوصَّل إلى قرارٍ ما..

في تلك الليلة لم تُضئ المصباح وتخفتهُ إيذاناً لهُ بممارسة ألعابهِ البهلوانية، بل أوصدت الباب بإحكام كمن كان خائفاً من غارة ما مفاجئة.

بينما ظلَّت ترقبهُ من خلف النافذة الخشبية الصغيرة، رفعت طرف السَّتارة لتراهُ كيف تكوَّر على نفسهِ بجانب صخرة ضخمة تقف قبالة بوابة بيتها يشعل لفافة تبغ تلو الأخرى وعدستا عينيه تقربَّان ما لا يراهُ من ضوء.

الليل حالك لا تكاد ترى منه سوى نار السِّيجارة التي تتحرك بانتظام إلى الأعلى فالأسفل. ينهض ثُّم يجلس….

ثُّم رأتهُ بعد طول انتظار يغادر بوابة الحلبة.. إلى سريره البارد….

في الصَّباح لم يعاتبها على ما فعلت بهِ لدى التقائهِ بها في الطريق حين كانت تسوق عنزاتها إلى المرعى القريب… مما زاد من إصرارها على الاستمرار في تنفيذ قرارها.

لعل حظّها العاثر يجعلها تتعثّر برجالٍ من جليد …

وفي اللّيلة التّالية واظبت على مراقبتهِ من خلف السِّتارة ورأتهُ كيف غادر هذه المرة أيضاً..

الأيام تتوالى والمصباح يعاني خفوت ضوئه.

في الليلة السّادسة انتظرتهُ كعادتها ولكنّها لم ترَ الشَّبح المنتَظَر… رجُلها…  على الرّغم من ذلك ظلَّت تراقب حتى موعد خروجه من منزلها كما كان.

وبعدها خلدت إلى النَّوم متلذِّذة بلعبتها مع الانتظار..

لذة عوضتها عن كل ما فقدتهُ .

كانت تمضي نهارها الاعتيادي منتظرة بشغف تلك السَّاعة من الَّليل لتمارس فيها ما تريد.

تلك اللحظات كانت الوحيدة في حياتها التي  تقرّر فيها ما تريد أن تفعل.

لم يأتِ.. حدَّقت بنظرها مخترقةً الظَّلام لتراهُ  لكن عبثاً…

ثُّم أنَّها لم تعد تراهُ نهاراً أيضاً ولم تلتقِ به ِ صدفة.

كان من المحال أن تسأل عنهُ حتى لا تنسج العناكب شباكها حول رسغيها والمعصم.

لياليها السَّوداء باتت مليئة بانتظار شبحها… ما تزال تنتظر. بعد مدّة فوجئت برحيله عن ليالي القرية كلّها… صار كخدش في أعلى الجبين, تذكِّرهُ بها كلُّ المرايا…

كلُّ الذين أحبَّتهم سرقوا رقادها واستراحوا.

لم تشف َمن عادتها برحيله، فقد ظلّت كلّ ليلة وبعد أن يخلد النَّاس إلى النَّوم تقف قبالة النَّافذة وقد تبرَّجت وارتدت ثوباً نظيفاً بعدها تضيء المصباح وتخفتهُ مرَّات ٍعدة ومن ثّمُ تنتظر طيفاً يأتي ويسند ظهرهُ إلى الصَّخرة ثُّم يجلس متكوِّراً على نفسهِ يدخن لفافاتهُ، وبعد حين تراهُ يولّيها ظهرهُ بعد أن يطيل النّظر إلى نافذتها….. ويرحل

 

حنطة46

 

برومو الشهيد ناجي الجرف