خميرة

قرقعة السلاح والأغنية

أسعد شلاش

 

يقول الحكيم كونفوسيوش: “إذا أردت أن تعرف حضارة بلد فاسمع موسيقاه”، وطبعاً كلمة موسيقى هنا تتضمّن الغناء، باعتبار أنّ الأغنية ـ كلمةً ولحناً ـ هي انعكاس وجدان ومشاعر مجموعة بشريّة محدّدة في الزمكان. واكبتْ الأغنية مراحل الثورة السوريّة في بدايتها السلميّة، فكانت أهازيج وأغاني بسيطة وجميلة كلمةً ولحناً، عبّرتْ عن مطالب السوريين الذين خرجوا يهتفون للحريّة وإسقاط نظام الاستبداد، ولجمالها وبساطتها انتشرتْ بسرعة في كلّ المدن والأرياف السوريّة رغم التباين في اللهجات المحليّة بين منطقة وأخرى، ومع قرقعة السلاح كان لا بدَّ من  أن تتلوث الأغنية بهذه القرقعة سواءً من جانب المعارضة “يا محلى النوم على صوت الدبابة “أغنية كورال،  و”يا ماهر ويا ديوس على راسك بدنا ندوس” غناء معن الجرجنازي، أو من النظام “يا أوباما ماهر بعدو بالبيجاما” و”ياعرعورويا عاهر والله  ليدوسك ماهر” والأغنيتان من غناء بهاء اليوسف. وأيضاً ذاعت الأغاني الطائفية لعل أشهرها تلك التي انبثقت عندما زجّ حزب الله ـ على أسس طائفيّةـ مقاتليه لإخماد الثورة واكبتْ الأغنية هذا الانحدار، وكانت الأغنية المشبعة  بالحقد الطائفيّ ” احسم نصرك في يبرود”.

مع ازدياد  مستوى العنف انحدرتْ الأغنية أكثر فأصبحتْ عبارة عن كلام بذيءٍ سوقيّ فيه الكثير من المسبّاتْ والشتائم والكلمات البذيئة التي يَخجلُ المرء من التلفّظ بها، تُركّب على لحنٍ معروف وتُغنّى بطريقةٍ تشبه الإلقاء. والمؤسف هنا هو إقحام الأطفال في هذه الأغاني.

وبعيداً عن أغاني الموالاة والمعارضة تسلّلتْ إلى كلمات الأغاني العاطفية- والتي ليس لها صبغةً ثوريّة- أسماء الأسلحة لتعبّر عن الحالة المتردّية لوضع الأغنية بشكل عام نتيجةً لتردّي كل مناحي المجتمع. فهذا وفيق حبيب يغني “اجرحي قلبي ولا داوي ورشي عليي كمياوي”، وأخيراً وليس آخر انحدر فارس الحمزاوي بالأغنية إلى مستوى مؤخرته في أغنيته “لطيزي لاترجعي”، وليس مستغرباً أن تصبح الأغنية الأكثر رواجاً في السوق، وخاصةً في المناطق التي ما زالتْ تحت  سيطرة النظام، وذلك  تعبيراً في اللاوعي عن  حالة الهروب إلى الأمام، والتصفيق لكلّ جديد، حتى وإن كان سوقيّاً ورخيصاً  في محاولة تورية على التصفيق لمن دمّر البلد.

مع ظهور داعش حمل الوافدون الجُدد  معهم أغانيهم وجلّها  موشّاه  بلكنة غير سوريّة حسب المنطقة الوافدة منها ، وطبعاً اقتصرتْ الأغنية على الصوت البشريّ سواءً كان غناءاً منفرداً أوكوراليّاً، وغدتْ الأغنية عرجاء لغياب نصفها الآخر وهو الموسيقى المُحرمة شرعاً ولم تعدِ الأغنية أغنية، بل أصبحتْ إلقاءاً ملحناً أو أنشودةً أو حداءاً، وتغيّرتْ شكلاً ومضموناً، فلم تعد أغنية حبٍّ وفرح، بل لم تعد أغنية حياة، وغدت أغنية موتٍ واستشهاد،وفي أفضل الأحوال مراثي رعاع أحياء وقرقعة سلاح، وقتل وذبح الكافرين أعداء الدين. والمنشد الأهمّ لهذه الأغاني هوأبو بكر الحضرميّ، ومثال هذه الأغاني “برشاشاتهم سطروا الملحمة”و”يا بغدادي يا مرهب الأعادي” وأغنية “أفليس  موتي في حياتي مرةً    لما لا يكون ختامها استشهادي”. وبعد إعلان دولة الخلافة أُمرنا جميعاً بالقيام لمبايعة الخليفة في أغنية “قوموا جميعاً بايعوا البغدادي الفاطميّ الهاشميّ الساديّ”، ولا فرق أن تكون الكلمة من السيادة أو الساديّة والتسلط، حيث تمضي الأغنية في كلماتها لتعدد مناقب البغداديّ، ولا تختلف عن أيٍّ من الأغاني التي تمجِّد أي دكتاتور، بل زادتْ عليها أنّه هنا أمير ويشرفنا أن نفتخر بحسبه ونسبه على طريقة القبائل البدويّة  قبل الإسلام.

 

حنطة47

حنطة

اضف تعليق

اضغط هنا لإضافة تعليق

برومو الشهيد ناجي الجرف