ملف

حربٌ: «يللّي بيخسرها خسران، ويللّي بيربحها خسران»

باسيليوس زينو

أولاً – برأيك، هل يمكن إيجاد رابط ما بين أحداث السنوات الأربع ومفهوم الفوضى الخلاقة، بحالة نعم كيف نفهمه سورية؟
تختلف الإجابة باختلاف المقصود فيما إذا كان يتناول المآلات أم الأسباب التي قادت إلى نشوب الانتفاضات العربية عموما والسورية خصوصاً، فالانتفاضات العربية، كغيرها من الانتفاضات والثورات في التاريخ، بدأت على نحو عفوي في مرحلتها الأولى لكنها كانت انفجارية تصاعدية ومقومات انفجارها الاقتصادية والاجتماعية موجودة أصلاً لكنها وبعد مرحلة احتواء الصدمة تحولت في كافة البلاد التي شهدت حركات احتجاجٍ شعبية إلى قنوات تصارع وتضارب مصالح وتصفية حسابات. أما من ناحية المآلات فلا تحتاج المسألة تأملاً طويلاً لإسقاط مفهومي «الفوضى الخلاقة» و«القوى الناعمة» كأدوات فعالة للهيمنة ولإعادة هيكلة المناطق الي تشكل امتداداً للمصالح الاستراتيجية والاقتصادية الأمريكية أو تلك التي تشكل خطراً على هذه المصالح. كان بوش الابن قد أطلق في أعقاب هجمات 11 أيلول/ سبتمبر من العام 2001، سياسة توسعية عدوانية ترمي إلى إعادة صياغة الشرق الأوسط عبر افتعال الأزمات واحتوائها والتحالف مع دول «الاعتدال العربي» في مواجهة محور «الممانعة» أو «محور الشر» وتحويل الشرق الأوسط إلى مجموعة من الدول «الديمقراطية» الحليفة للولايات المتحدة والتي لا تضمر العداء لإسرائيل، أما الدول «المارقة» فستخضع إما لمحاولات قلب النظام بالقوة أو لعقوبات اقتصادية قاسية مع دعم حركات المعارضة «الديمقراطية» أو«المعتدلة»، وفق التفسير الأمريكي للديمقراطية والاعتدال. وكان بوش قد صرحّ في تشرين الثاني/نوفمبر 2003 أنّ «إنشاء عراق حر في قلب الشرق الأوسط من شأنه أن يكون حدثاً مفصلياً في الثورة الديمقراطية العالمية.» وهوتصريح يشبه إلى حدً ما تلك التصريحات المتكررّة التي تردّدت خلال الأربع سنوات عن دعم «المعارضة المسلحة المعتدلة» وإعادة تكوين الشرق الأوسط بما يخدم مصالح الولايات المتحدة وحلفائها. تزامنت تصريحات بوش أنذك مع اطلاق سلسلة من المشاريع تحت عنوان مبادرة مجموعة الثمانية للشرق الأوسط الكبير وشمال أفريقيا (BMENA) أو «Broader Middle East and North Africa Initiative» الذي انعقد مؤتمره الأول في الرباط في كانون الأول/ديسمبر من العام 2004 وذلك لتعزيز التعاون بين ممثلي حكومات مجموعة الثمانية والشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيا والقطاع الخاص والمدافعين عن المجتمع المدني في المنطقة. وإبان الحرب الإسرائيلية على لبنان في صيف العام 2006، كشفت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس عن سياسة أمريكية خارجية واضحة تسعى لإعادة تشكيل شرق أوسط جديد بما ينسجم مع تصوراتها (والتصورات الإسرائيلية) ويخدم مصالحها. لكنّ هذه السياسة فشلت آنذاك في توسيع نطاق التغيير الجذري مع تعاظم التحديّات التي واجهها الأمريكيون في كل من أفغانستان والعراق.
أما في حالة الازمة السورية الحالية فقد تجاوز المفهوم حدود معناه وتفسيراته التي كانت بعد احتلال العراق وتغيّرت المعطيات وموازين القوى الداخلية والإقليمية والدولية. الفوضى قد تنجم إما عن تداعيات عفوية أومستحثة وفي الحالة السورية مابدأ عفوياً تحوّل إلى فوضى مفتعلة تهدف إلى إعادة تشكيل الاصطففات الجيوسياسية أو بالأحرى تدمير التحالفات السائدة قبل الانتفاضة. وتمثل الحرب في سورية مرحلة انتقالية من حالة عدم الرضا عن هذه التحالفات إلى مرحلة عشوائية تسمح للمستفيدين من الفوضى خلق فرص نفعية جديدة تجارية، جيوسياسية، اقتصادية، وحتى تصفية حسابات شخصية، وكان للدول الإقليمية (قطر، السعودية، تركيا، إيران) دورٌ بارز ومباشر في إدارة الصراع الداخلي في سورية، ولم يعد اللاعب الأمريكي الوحيد الموجه كما كان في فترة بوش، فقد كانت سياسة أوباما إجمالاً ولفترة طويلة مترددة وغير جذرية إجمالاً باستثناء التدخل المباشر ضد «الدولة الإسلامية» لاعتبارات أخرى وأسباب متعددة.1
ثانياً- على فرض الأزمة ذات طابع بنيوي وهي مرتدة عن حجم استثمار النظام في الشأن السياسي الدولي، ماهي نسبة العامل المحلي في تعديل مسارها؟ هل له فرصة بفرض توجه؟
يتسم الصراع السوري بالطابع الإقليمي والمناطقي، بمعنى لايمكن الحديث مثلاً عن «الثورة» أو «الحرب» السورية كحدث واحد متجانس يختزل كل متناقضات الحدث ومآسيه وتعقيداته في ثنائيات توصيفية وأدوات تحليل ضحلة كتقسيم الصراع إلى «خير» و«شر» و«جيش نظام» أو«قوات الأسد» ضد «الجيش الحر» على غرار ما يفعل معظم الصحفيين والمثقفين السوريين العرب في توصيفهم للحدث السوري. وكأنّ التحولات العاصفة التي غيرت حتى من ديمغرافية بعض المناطق وبرزت معها عناصر جديدة كـ «تنظيم الدولة» التي تهيمن على مفاصل اقتصادية مهمة ومناطق واسعة من سورية والعراق تبدو مجرّد أحداث جزئية أو عابرة يتم تقزيمها عبر القول مثلاً بأن «تنظيم الدولة» عميلة للنظام، أو أنه صنيعة تركيا وقطر. ثمة اختلافات عميقة بين منطقة وأخرى من ناحية الصراع، وعندما نتحدث عن نسبة العامل المحلي فإن الإجابة ستختلف حكماً بين دوما ويلدا والمعضمية وببيلا كما ستختلف بين دير الزور والرقة والحسكة، وبين حلب وريفها وإدلب وريفها وقس على ذلك. حاول مثلاً تقصي الكتائب العسكرية التي ظهرت في بداية العسكرة منذ حزيران 2011، ستجد كتائب اختفت برمتها أوأعادت تشكيل نفسها ضمن تحالفات جديدة أوسع أوأضيق، أكثر براغماتية أو راديكالية، وعمليات صناعة رموز وبعد ذلك تحطيمها، وطبعاً لعب التمويل الخارجي وأجنداته دوراً رئيساً على نحو مشابه لآليات عمل المنظمات غير الحكومية
التي نشطت هي الأخرى بالتوازي مع عمليات التمويل العسكرية لتتم بعثرة العامل البشري وتفتيت جهوده حول شعارات ومشاريع معظمها وهمي وسرعان ما اختفت بعد تبديد الأموال عليها وجمع المعلومات عن ناشطي أومقاتلي كل منطقة. إذاً لا يمكن الحديث حالياً على الأقل عن عامل محلي موحّد، وبالتالي لايمكن لهذا العامل كما لايمكن للنظام السوري التحكم بمسارات الأحداث الحالية وإن كان يؤثر عليها طبعاً. فمثلاً في الوقت الذي كانت فيه القوات النظامية تتجه لحصار حلب في النصف الثاني من العام الماضي، تم تسخين الجبهة الجنوبية مجدداً، فهذه الحرب لامكان فيها لمنتصر. حتى عندما ترغب الأطراف المتصارعة سواء من طرف المعارضة المسلحة أو القوات الحكومية بعقد هدن على نحو جديٍ انطلاقاً من قرارات ذاتية واعتبارات محلية، فإنها قد لاتستطيع التحكم ببعض الأطراف المسلحة المتضررة من أي هدن أو مصالحات، وقد يكون هؤلاء الـspoilers إما من أحد الأطراف أومن كليهما، فالظروف الاقتصادية الكارثية التي تعصف بالبلاد ككل، تخلق نوعاً من اقتصاد الحرب المتكوّن على هامش الصراع وينمو المستفيدون منه كالفطريات، وهذه حالة لا علاقة لها لا بالطوائف ولا بالصراع السوري وإنما فصل من فصول أي حرب أهلية.
ثالثاً- هل يمكن لأزمة متعددة المستويات ومفتوحة على قوى متنوعة الدوافع والأهداف تحقيق اختراق ممكن،وكيف: عَبْر عزل الأطراف المؤثرة أم عبر إشراكها في الحل؟ (إيران مثلاً).
كما ذكرت سابقاً، يتسم الصراع السوري بالطابع الإقليمي، وتختلف الأطراف المؤثرة باختلاف العناصر التي تدعمها وتوزعاتها الجغرافية، ولم يعد خافياً على أحد الصراع القطري – السعودي في سورية ومصر والصراع السعودي – الإيراني في سورية والعراق. عند الحديث عن حل لايمكنك استثناء أي طرف فاعل في الصراع، استثناء إيران أوالسعودية أوتركيا أوقطر يعني استثناء لاعبين إقليميين أساسيين وبالتالي النتيجة لن تتجاوز مثلاً أكثر من مسألة تأدية واجب الذهاب إلى جنيف 2 والفشل بتحقيق أي تقدّم يُذكر. ثمة مستويات تدريجية لتحقيق اختراق ممكن عبر اتفاق جدي بين روسيا والصين والولايات المتحدة الأمريكية وضغط هؤلاء على اللاعبين الإقليميين وخاصة الدول الحدودية لإيقاف تدفق السلاح، وفي المرحلة الثالثة وهي الأصعب تجفيف منابع السلاح العشوائي ضمن عملية سياسية انتقالية، قد تتطلب وجود قوات حفظ سلام دولية من دول محايدة، واستصدار قوانين ومراسيم تضمن حياة المقاتلين وتنظم عمليات تبادل الأسرى وتحل مسألة المعتقلين على خلفية الأحداث.. إلخ. لا أسعى هنا إلى تقديم صورة مسبقة عن حل وإنما ما أود قوله أنّ الحل يبدأ بإشراك أطراف الصراع في العملية السياسية أما عزلها فإنه يطيل من عمر الصراع بل وغايته إطالة الصراع مستفيداً من جو الاحتقانات والتشنجات الطائفية وتوافر ماكينة إعلامية تعمل على توظيف مأساة الضحايا (الحقيقية) والجرائم المرتكبة لإدامة الصراع على حساب الاعتراف بتعقيدات الوضع السياسي والقوانين الناظمة لعلاقات الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.
رابعاً– تُعتبر مبادرة ديمستورا والمبادرة الروسية أحدث المبادرات وأكثرها تداولاً في الوقت الحالي. هل تتمكن هاتين المبادرتان من تجاوز مفهوم إدارة الأزمة؟ بحال نعم أين يمكن دعم مفهوم اختراق الأزمة من خلال البنية المحلية لأدوات الصراع؟
أراقب عن كثب تطورات المبادرتين، لكني أتحفظ حالياً عن الإجابة، فالمبادرتان تستكشفان طريقهما ولا أعتقد أنه يمكن حل أوإدارة الأزمة حالياً، فبسبب الطبيعة المحلية والإقليمية للصراع تركز مبادرة ديمستورا على محاولة تجميد الصراع في حلب كبداية، وطبعاً لم تسلم مبادرته ومبادرات سابقيه الأخضر الابراهيمي وكوفي أنان من التشكيك والاتهامات والتحليلات التي تشطح بعيداً عن موازين القوى وتعقيدات الوضع.
أخيراً – استثمارات الحرب السورية سياسياً واقتصادياً ماتزال مُحركٌ مركزي للصراع. برأيك، لماذا الاستثمار في السلام مُعطل وليس له من داعمين سوى ضحايا الحرب المنهكين وغير القادرين على الفعل ؟ هل من أفق لشراكات سلمية محلية اقليمية؟
طبعا هذا سؤال جوهري، لكنه لايقتصر على سورية، الاستثمار غالباً ما يكون في الحرب ولايكون في السلام، أما بالنسبة لسورية علينا أن نعي تماماً أن هناك استثمارين أحدهما على المدى القريب والآخر على المدى البعيد لذا المسألة ستستغرق وقتاً طويلاً، طبعاً ظهرت عدة مبادرات جادة تهدف إلى وضع إطار نظري يقرّب وجهات النظر ويوفرّ خيارات عملية للتفاوض السلمي بين الأطراف المتصارعة كمبادرة اليوم التالي وبيت الخبرة السوري ومبادرة مركز كارتر بالإضافة إلى الجهود الأممية للمبعوث الدولي ومقررات بيان جنيف الأول الذي كان خطوة أولية في الاتجاه الصحيح. لكن للأسف آفاق السلام لم تتبلور بعد وخاصة مع تشرذم المعارضة السورية السياسية والعسكرية واختلاف توجهات قادتها بحسب الداعمين وظهور تحديات جديدة مع تزايد نفوذ تنظيم الدولة الإسلامية والنصرة وغموض المرحلة الانتقالية ومصير الأسد وتقديم ملف الإرهاب على سواه من الملفات الأساسية في العملية السياسية.
مما لاشكّ فيه أنّ الحرب السورية توفّر على المدى القريب سوقاً لتجار الحروب الدوليين والمحليين ويندرج ضمن مصادر الربح تجارة الأسلحة والأعضاء البشرية والآثار وفديات الخطف ومصادر الطاقة كالنفط، وتشكل تركيا بالدرجة الأولى سوقاً سوداء ومعبراً للمستثمرين كما كانت معبراً للمقاتلين الأجانب طيلة سنوات. أما على المدى البعيد فالاستثمار في سورية لايقتصر على هذه المرحلة وإنما يتجاوزه إلى مرحلة مابعد «الرجل السوري المريض» ليصل إلى إعادة تشكيل «الشرق الأوسط الجديد» طبعاً ليس بالضرورة وفق السيناريو الحرفي لفترة بوش وإنما إعادة تشكيل منطقة خانعة بتحالفات جديدة لاتشكل خطراً على أحد ودول مخدّرة وضعيفة لاتستطيع النهوض ذاتياً وبحاجة مزمنة لدعم خبراء ومستثمرين خارجيين. ويأتي تدخل الدول الإقليمية المباشر في الصراع السوري ضمن هذا السياق حيث تعمد إلى استثمار أموالها وتحالفاتها المنشودة مستقبلاً في اللاعبين المحليين والمناطق ذات الثروات من جهة ولدفع مشاكلها الداخلية إلى الخارج من جهة ثانية. فمثلاً خلال هجوم «تنظيم الدولة» على كوباني أصرً أردوغان على شروط محددة لدعم التحالف الدولي في حملته ضد «تنظيم الدولة» وتتمثل بفرض منطقة عازلة وتدريب قوات معارضة من أهدافها إسقاط النظام السوري وتضييق
وفرعها السوري (PKK) الخناق على قوات الـ الذي يُشكل بنظر أردوغان وحكومته العدو الإرهابي الفعلي، كما تستثمر اسرائيل حالياً منطقة نفوذ في العمق السوري عبر تقديمها دعماً مباشراً لكتائب معارضة تعمل داخل الشريط السوري في درعا والقنيطرة على استهداف المواقع النظامية التي ساهمت في توازن القوى طيلة عقود، وقد رصدت قوات الأندوف هذه الاتصالات بين جيش الدفاع الاسرائيلي وقوات من المعارضة في تقريرها الشامل للأمم المتحدة والذي غطى الفترة مابين 11 آذار/مارس- 28آيار/مايو2014، كما يعتبر دخول حزب الله المباشر في الصراع السوري منذ العام 2012 أحد تجليات الاستثمار الإقليمي (الإيراني في هذه الحالة) للحفاظ على التحالفات القديمة والهيمنة على البلاد وصدّ المنافسين المحليين المدعومين من الخليج.1
طبعاً يُضاف إلى كل ما سبق هيمنة سردية محدّدة في وسائل الإعلام كان لعدد كبير من المثقفين السوريين دور كارثي في نشرها وتتمثل بالترويج لسراب «الثورات الملونة» السهلة، وهذا موضوع مختلف عن سياق الانتفاضات العربية، وتسطيح قراءة الأحداث ضمن سياقها الجيوسياسي والاستخفاف بمسائل جوهرية كالطائفية والوطنية والسيادة والترويج لتحالفات براغماتية قصيرة النظر والخلط المتعمّد بين الرغبات الشخصية والتحليلات السياسية وقد أظهرت أربع سنوات من الحرب أن السوريين جميعاً قد هزموا، وكما قال الشيخ حسين تلحوق في تعقيبه على الحرب الأهلية التي شهدها بنفسه في لبنان وسورية عام1860
«يللّي بيخسرها خسران، ويللي بيربحها خسران»
————
كاتب وباحث سوري*

 

حنطة5 حنطة6 حنطة7

برومو الشهيد ناجي الجرف