ملف

للمبادرات وجهٌ وحيد

بسام يوسف**

1
لا يمكن الإجابة على سؤالكم بربط ما يجري في سورية بمفهوم “الفوضى الخلّاقة” بنعمٍ،أو لا، فالاستراتيجيّات الكبرى لا يمكن أن يتسع لها هذا النمط من الإجابات، ولا بدّ لي هنا من القول أيضاً:إنّ من يفسّر ما جرى ويجري في المنطقة العربيّة بأنه نتاج استراتيجيّات مسبقة، وضعتها جهات ما (الفوضى الخلّاقة أو غيرها) فإنّه يُخرج الشعوب وحاجاتها خارج التاريخ وخارج الفعل، إنّ الحاجات الموضوعيّة لحياة المجتمعات وتطوّرها هي حجرالأساس في أيّ فعل تقوم به هذه الشعوب، لكن هذا لايعني ألّا تُبنى خطط استراتيجيّة تستند إلى فهم واقع هذه الشعوب وتشتغل على استغلال الظرف الذي تعيشه ودفعه ضمن مسار يؤدّي إلى خدمة هذه الاستراتيجيّات، ومن الطبيعيّ والمعروف أن تستغلّ مراكز القوى والدول ذات الأهداف الاستراتيجيّة واقع مجتمعات ودول أخرى، وأن تعمل على دفع هذه الظروف لملاقاة مصالحها، شأنها في ذلك شأن كلّ السياسات في العالم، بغضّ النظر عن مدى أخلاقيّة أو قيميّة هذا الفعل.
إنّ المسار الذي اتّخذته الثورة السوريّة ليس حتميّاً، ولو كان لدى النظام السوريّ محلّلون وسياسيّون يعرفون جيّداً عمق الأزمة داخل بنية المجتمع السوريّ واشتغلوا بدلالة هذه الأزمة العميقة لما وصلنا إلى هنا، أعتقد أنّ بشّار الأسد وعند تسلّمه للسلطة عام 2000 كانت أمامه فرصة حقيقيّة وثمينة لإخراج سورية من الأزمة العميقة التي وضعها والده فيها، لكنّه وباختصار وطوال سنوات حكمه، فاقم من هذه الأزمة وزجّ بسورية في مشكلات إقليميّة كثيرة أوصلته إلى ارتهانه الكامل للخارج مقابل استمراره في السلطة. إذاً،إنّ ما جرى في سورية هو ناتج أوّلاً عن أزمة المجتمع السوريّوعن سوء إدارة هذه الأزمة من قبل النظام، وعن رهن القرار السوريّ لجهات أخرى أُضيف إليه لاحقاً مُسارعة أطراف كثيرة رأت أنّ الفرصة مناسبة لتحقيق مصالحها فسورية أصبحت بلداً مشرّعاً أمام كلّ المتدخّلين.
2
كان يمكن للعامل المحلّيّ أن يلعب دوراً مهمّاً في تغيير مسار الحدث السوريّ في السنة الأولى من الثورة لو توفّرت الرؤية الاستراتيجيّة والنيّة الصادقة عند النظام بصفته الطرف الأكثر قدرة على الفعل، وأظنّ أنّ هناك طرفاً في النظام أراد أن يعبر إلى صيغة الحلّ الأنسب لهذه المشكلة العميقة داخل سورية، حلّ لن يكون ثوريّاً بالضرورة، لكنّه سيفتح الباب أمام تحوّل تدريجيّ آمن لصيغة الحكم في سورية، ولا أستبعد أن تكون التصفيات أو الإقصاءات التي تمّت داخل الصفّ الأوّل من النظام قد تمّت على هذه الأرضيّة (الشرع…علي حبيب …آصف شوكت وخليّة الأزمة ..)، لكنّ هذا لايعني أنّ تأثير العامل المحلّيّ قد انتفى وأعتقد أنّه قادر على التأثير فيما لو تمّ التخلّص من الحالة المزرية التي تعيشها المعارضة السوريّة.
3
إنّ قراءة الثورة السوريّة بدلالة المصالح والقوى الدوليّة فقط، هي قراءة ناقصة، والمؤسف أنّ أغلب المعارضين السوريّين يقرؤون وفق هذه الرؤيا ويعملون فقط بدلالة الخارج، لكن ثمّة ما هو بالغ الأهمّيّة يتلخّص بأنّ هناك مجتمعاً ثار على سلطته بسبب التناقض الحادّ بين إدارة هذه السلطة للمجتمع وبين حاجات هذا المجتمع، إنّ البحث عن الحلول يجب -أوّلاً- أن يحدّد ويعي تماماً هذه الحاجات وأن يعمل على إنتاج الصيغ التي تتلاقى فيها هذه الحاجات مع مصالح أطراف دوليّة، وإذا أردت الحديث عن إيران مثلاً، فإنّإيران لا تزال عاجزة عن الاشتراك في الحلّ مثلها مثل روسيا أيضاً، فهاتان الدولتان لا تزالان تحتفظان بالرؤية ذاتها للحدث السوريّ ولم تقتنع هاتان الدولتان حتّى اللحظة أنّ ثمّة ما هو أعمق من نظام ومصالح، إنّه باختصار حاجات شعب لا يمكن تجاهلها أبداً.
4
مبادرة «ديميستورا» أظنّ أنّها انتهت،أو على الأقلّ تراجعت إلى حد كبير ، والمبادرة الروسيّة يمكن القول إنّها ولدت ميتة، وقبلها لقاء القاهرة للمعارضة السوريّة، كلّ المقاربات والمبادرات التي تمّت حتّى اللحظة حيال الحدث السوريّ اشتغلت على وجه واحد من أوجه الأزمة وليس على جوهرها – وأقصد وجهها السياسيّ مكثّفاً بأشخاص السلطة -ولم تشتغل على جوهر الأزمة، وللأسف الأطراف السياسيّة السوريّة سواء أكانت من جهة النظام أو من جهة المعارضة واقعة في نفس المطبّ، من هنا يأتي هذا الركود والاستنقاع في الوضع السوريّ، والذي هو نتيجة طبيعيّة لتحصيل القوى الفاعلة على الأرض يُضاف لها مصلحة أطراف أخرى في هذا الركود والاستنقاع.
قد يكون من الممكن الخروج من هذا الاستنقاع عند خلق معادلات جديدة على الأرض سواء من المعارضة أو من النظام أومن الأطراف الدوليّة، هذه المعادلات إمّا أن تؤسّس لحلّ حقيقي قابل للحياة،أو أنّها تخلق حالة مؤقّتة قد لا يطول الوقت حتّى تنفجر مرّة أخرى
ما يحدث في مصر الآن يفسّر معنى ذلك
5
إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ الأطراف الإقليميّة والدوليّة تملك من الخبرة السياسيّة ما يجعلها تتوافق على تقاسم المصالح، لكن ماهو مخيّب للآمال أن تكون الأطراف المحلّيّة غير قادرة على إنتاج هذه التوافقات، قد يكون من المفيد هنا أن نقول: إنّ وعيّ الأطراف السوريّة جملة من الحقائق قد يكون بوّابة للعبور إلى حلول قابلة للحياة. أولى هذه الحقائق أنّ هذا النظام لم يعد قادراً على الحياة، وأنّ محاولة إبقائه هي أولى علامات فشل أيّ حلّ، وثاني هذه الحقائق أنّ سورية لن تُحكم من تيّارات دينيّة.1
إنّ إصرار بعض الأطراف على تجاهل هاتين النقطتين هو ما يجعل الأزمة مستمرّة، لكن أيضاً هناك أطراف كثيرة يمكن أن تعمل على شراكات مستندة على هاتين الحقيقتين.
———————–
رئيس تحرير كلنا سوريون**

 

حنطة8

برومو الشهيد ناجي الجرف