ملف

الاستحقاق التاريخي

جديع نوفل

أولاً – برأيك، هل يمكن إيجاد رابط ما بين أحداث السنوات الأربع ومفهوم الفوضى الخلاقة، بحالة نعم كيف نفهمه سوريةً؟
في البداية أود أن أشكركم على الدعوة للكتابة، وشكراً لإدارة مجلة حنطة
برأيي، لا يمكن عزل أيّ حدثٍ نهائياً عما يجري في العالم (ما يجري في العالم على كافة المستويات له محصلة هي الاستحقاق التاريخي، أي مطلب التاريخ)، وبتقديري عندما طُرح مفهوم الفوضى الخلاقة في المنطقة على لسان وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، في السنوات الأولى من هذا القرن، كانت الإدارة الأمريكية تُدرك أن المنطقة مقبلة على استحقاق تاريخي (بناء دولة مؤسسات، انتشار وترسيخ مفهوم الديمقراطية في المنطقة ومثل ذلك فيما يخص حقوق الإنسان، فصل الدين عن الدولة الشرط الأساسي لبناء دولة عصرية منسجمة والقرن الحالي، الحريات، مكانة المرأة وحقوقها ……الخ).
مع إدراك الإدارة الأمريكية لذلك كانت تدرك أيضاً أن حكومات المنطقة وسكانها لا يقبلون بالاستحقاق التاريخي، وغير معنيين بضرورة فهم متطلبات المرحلة، ولا يرضوا أو يقبلوا بالتعاون مع أحد لتجاوز وتخطي هذه المرحلة بأقل الخسائر. حالياً، وبالواقع الفعلي، فإنّ ما نراه من خسائر الآن هو مربح حقيقي مستقبلاً. لأن ثقافة هذه المنطقة (حكومات وسكان) ترى في أي جديد مؤامرة كونية عليها لذلك أعتقد أن الإدارة الأمريكية، وغيرها أيضاً، كانوا يقدرون الفوضى التي ستجتاح المنطقة لكنها في النهاية فوضى خلاقة لبناء الجديد، أو لإزاحة دولاً وسكاناً من الفعل الدولي غير قادرة على مواكبة الأحداث والإبداع وهذا أيضاً ممّا يُمكن اعتباره فوضى خلاقة، وهذا ما تحدث عنه فوكوياما نهاية القرن الماضي. وأنا أعتقد أن حرباً باردة جديدة لن تعود.
ثانياً – على فرض الأزمة ذات طابع بنيوي وهي مرتدة عن حجم استثمار النظام في الشأن السياسي الدولي، ماهي نسبة العامل المحلي في تعديل مسارها؟ هل له فرصة بفرض توجه؟
بتقديري أن نسبة العامل المحلي (السوري) في تعديل مسار الأزمة شبه معدوم للأسباب التالية:
أ- الطرفان المتصارعان يتصارعان على السلطة ولا يملكان مشروعاً واضحاً مما ذكرته (الاستحقاق التاريخي). أي مشروع الدولة المستحقة. وكل طرف ما زال يظن أنه يستطيع حلّ الأزمة لصالحه بالعنف.
ب- الطرفان أصبحا مرتهنين للفعل الخارجي. ولكل طرف متدخل في الأزمة السورية رؤيته لمشروع الدولة وبنفس الوقت له مصالحه الخاصة دون أن يُدرك الاستحقاق التاريخي.
ج- الطرفان المتصارعان غير مدركين للواقع السوري ولا لاحتياجاته والذي هو السلام أولاً، ووقف الموت والدمار. كل طرف همه الأساسي الحصول على السلطة.
ثالثاً – هل يمكن لأزمة متعددة المستويات ومفتوحة على قوى متنوعة الدوافع والأهداف تحقيق اختراق ممكن، وكيف: عَبْر عزل الأطراف المؤثرة أم عبر إشراكها في الحل؟ (إيران مثلاً).
بتقديري أية أزمة بحجم الأزمة السورية، ما عاد بالإمكان حلها إلاّ دولياً، وقد يأخذ الحل وقتا طويلاً، وهذا الوقت متوقف على التوافق الدولي،
أي على ظهور العالم الجديد المنسجم.
رابعاً – تُعتبر مبادرة ديمستورا والمبادرة الروسية هما أحدث المبادرات وأكثرها تداولاً في الوقت الحالي. هل تتمكن هاتين المبادرتان من تجاوز مفهوم إدارة الأزمة؟ بحال نعم أين يمكن دعم مفهوم اختراق الأزمة من خلال البنية المحلية لأدوات الصراع؟
أعتقد أن المبادرة الروسية (آنية) ولا يعنيها حلّ الأزمة السورية، وبالتالي حظها بالنجاح شبه معدوم. أما مبادرة ديمستورا فهي أوربية وبالتالي حظها بالنجاح أكبر لكن نجاح مبادرة ديمستورا مرتبط بمقدار ما تحرزه القوى المؤثرة في صنع القرار العالمي من تنسيق وتعاون.
أخيراً – استثمارات الحرب السورية سياسياً واقتصادياً ماتزال مُحركٌ مركزي للصراع. برأيك، لماذا الاستثمار في السلام مُعطل وليس له من داعمين سوى ضحايا الحرب المنهكين وغير القادرين على الفعل ؟ هل من أفق لشراكات سلمية محلية اقليمية؟
برأيي استثمارات الحرب السورية سياسياً واقتصادياً ما تزال محرك مركزي للصراع، هو من تركة العالم القديم عالم ما قبل انهيار ما كان يسمى المنظومة الاشتراكية. لكن من المفيد أن نلاحظ أن هناك استثماراً أوربياً في قطاع المجتمع المدني لم يستغله النشطاء السوريون كما يجب من أجل المستقبل، لا بل استغلوه تجارة فسادٍ ومرابح شخصية. شراكات سلمية محلية بتقديري ممكنة، والشركات الإقليمية والدولية السلمية قادمة، هناك عالم جديد يتشكل علينا رؤيته.
—————–
المركز السوري للديمقراطية والحقوق المدنية*

 

حنطة9

برومو الشهيد ناجي الجرف