ملف

إذا أراد السوريون

عبدالله الحسن

 

لم يكن الذهاب إلى الحل السياسي واقع فرضه الحال على السوريين فقط، بل في حقيقة الأمر أصبح ضرورة قصوى بعد أن ذهبت الحرب في اتجاهات لم يكن يتوقعها السوريون حتى في أسوأ كوابيسهم. فالواقع الميداني على الأرض يحكي عن آلاف الجهاديين وأمراء حرب وتقسيمات جغرافية يدفع كل طرف للتمسك بها وإزاحة من ينافسه السلطة من الكتائب الأخرى كما فعلت جبهة النصرة مع حليفها جمال معروف في جبل الزاوية، أو تصفيتها كما فعل زهران علوش مع جيش الأمة في الغوطة الشرقية مؤخراً. ناهيك عن تنظيم “تنظيم الدولة الإسلامية” الذي أضحى يملك مقدرات دولة في الموارد والتنظيم والإدارة، مما يجعل من أمر اقتلاعه أكثر صعوبة يوماً بعد يوم، ربما كانت تجربة الإدارة الذاتية الكردية هي الأنجح فيمن حولها رغم توجيه الكثير من أصابع الاتهام نحوها. وأيضاً، لا يغيب عنا ضعف المعارضة السياسية وهشاشتها وغرقها في مستنقع النزاعات والإصطفافات الإقليمية، مما أدى إلى ضياع القرار مع تصدير للخلافات نحو الداخل وتدنيس طابع العمل الإنساني بعد أن نجح المال السياسي في الوصول إليه. وعلى الجانب الآخر لم يتغير الموقف، فالسلطة الحاكمة كانت ولا زالت مصرّة على اعتماد الحل العسكري والأمني دون تقديم أي حلول أو تنازلات نحو مواطنيها، رغم ادعائها بقبول كل المبادرات وطروحات الحل التي تخص الأزمة السورية، الأمر الذي أضعف المؤسسة العسكرية وخلق الكثير من المشاكل مع مؤيديها مع انتهاك للسيادة الوطنية عبر طيران التحالف والسكوت عن الغارات الاسرائيلية المتكررة للأراضي السورية. خلال أربع سنوات تحولت الحالة السورية إلى أزمة إقليمية ودولية بات من الصعب جداً إنهاؤها مالم تملك هذه الدول رغبة ونيّة جدّيتين لإنهاء الصراع المسلح في سورية، وهذا يبدو بعيداً جداً مع تعمّق الخلاف واتساع رقعة التنافس لتشمل أماكن أخرى مثل أوكرانيا واليمن أدوات اقتصادية كالنفط والحصار الاقتصادي. كل هذا مع تزايد أزمة اللاجئين والمهجرّين وتزايد عدد المعتقلين والمخطوفين مع دمار واضح للبنية التحتية وتمزيق للبنية الاجتماعية في الوطن السوري على أساس طائفي مستورد. إنها صورة قاتمة، لكنه واقع يعيشه جميع السوريين في الداخل وفي الخارج كل يوم، وعليه على ماذا يعوّل السوريون؟ إن أقصى ماذهب إليه المجتمع الدولي (أو المتصارعين على سورية) خلال أربع سنوات هو الخروج بيان جنيف١ والذي بُني على نقاط كوفي عنان الست، وهي جيدة في طرحها مع وجود خلل ملتبس – غالباً مقصود – في تفسير صلاحيات الحكومة الانتقالية وما ورد في فقرتها، وبالتالي تعطّل العمل السياسي وغرق الجميع في العمل العسكري رغم قناعتهم بعدم فائدته، مما أضاع الأمل الذي عقد على مؤتمر الحوار في جنيف٢ حتى قبل أن يبدأ. من ناحية أخرى ظهرت مبادرة السيد ديمستورا لتجميد الصراع في مدينة حلب، وهذا كان ايجابياً من الناحية الإنسانية ولكنه لا يحل المشكلة الأساسية كونه يعتمد على نيّة المجتمع الدولي في توجيه كل إمكانات المتحاربين ضد تنظيم “تنظيم الدولة الإسلامية” فقط. على صعيد المعارضة السياسية كان اجتماع القاهرة في تموز ٢٠١٢ هو الاجتماع اليتيم الذي ضمّ كافة قوى المعارضة والثورة – بضغط دولي طبعاً – والذي نتج عنه وثائق القاهرة أو المشروع الوطني، وهي أهم انجازات المعارضة على الصعيد السياسي والتي تعتبر مكمّلة لما تم التوافق عليه في جنيف١ كونها تضع رؤية سياسية للمرحلة الانتقالية وعهد وطني جامع وبأيدي سورية، لكن جرى التنصّل منها بعد تعطيل لجنة المتابعة المنبثقة عنها. على الصعيد نفسه، عقدت الكثير من قوى المعارضة مؤتمرات حول الوفاق الوطني وأطلق شخوصها العديد من مبادرات للحل السياسي، لكنها بقيت طرح من جانب واحد يعتمد على تعاطف المجتمع الدولي مع الثورة وتضحيات الشعب السوري الذي يقابله وحشية النظام وتعنته. وعلى الأرض كان هناك الكثير من الحوارات بين المتقاتلين نتج عن بعضها هدن مناطقية منفردة، استثمرها النظام لصالحه بعد أن أرهق أهلها بحصار اقتصادي وعسكري. بعد هذا، هل يملك السوريون حظوظ لحل مشاكلهم بأيديهم؟ إن تجربة اللقاء التشاوري أو منتدى الحوار – كما أطلق عليه الوزير لافروف – في موسكو كان بداية جديدة لهكذا توجّه رغم معارضة البعض له وخاصة فيما يخص اختيار بعض الشخصيات المعارضة المحسوبة على النظام نفسه، لكن كانت بداية جيدة ليلتقي السوريين كشخصيات معارضة أولاً فيما بينهم ثم يلتقوا مع وفد النظام ويضعوا على طاولة المباحثات نقاط خلافهم واحدة تلو الآخرى (بما فيها موضوع رأس السلطة) وعلى أرضية جنيف١ الصلبة كونها خرجت من توافق دولي وملزِمة أيضاً بقرار من مجلس الأمن. من المهم أن تكون تلك المحادثات بوساطة روسية كونها تحظى بتأييد دولي كما هو ملاحظ، والأهم قدرتها على الضغط واقناع النظام السوري كونه يعتبر الحكومة الروسية حليفه وغطاؤه السياسي طوال أربع سنوات من عمر الأزمة، وهذا يعطي دافع أكبر لتحقيق تقدم ما وانفراج أكبر في طرح كل المشاكل العالقة، علماً بأن تلك اللقاءات ليست بديلاً عن محادثات جنيف بل هي تهيئة ووضع أسس لما يمكن التباحث عنه في جنيف لاحقاً كما أوضح الوزير لافروف سابقاً. لا يمكن الحكم على ما خرج من موسكو مباشرة، لأنه لا يوجد حل سحري، بل تم الاتفاق على جلسات دورية متقاربة في الزمن، وتم طرح ثلاث محاور أساسية للحوار، المحور السياسي والميداني والانساني، وبالتالي يتعين على الوسيط الروسي أن يعمل ضمنها ويضع برنامج للجلسة القادمة المقررة بعد شهر تقريباً في موسكو وليس دمشق كما أراد وفد النظام وروّج له. من المفيد أن يستعيد السوريين قرارهم الوطني تدريجياً ويوسّعوا مشاركتهم لتشمل باقي المعارضين وممثلين عن المجتمع المدني والمتحاربين أيضاً، ويرسموا طريقهم بأيديهم بدل أن ينتظروا من الآخرين أن يحلّوا لهم مشاكلهم. إن الدخول في الحرب يحتاج إلى شجاعة وكذلك الخروج منها، وخاصة أن سورية أصبحت في خطر التقسيم وربما طائف جديد – لا سمح الله – بعد أن تتعمق فكرة الطوائف التي تدفع بعض القوى والدول لزرعها في مجتمعنا السوري الذي لم يألفها سابقاً.
———-
المنبر الوطني السوري*

 

حنطة8

برومو الشهيد ناجي الجرف