حصيدة

أبناء الشهداء في حلب المحررة.. ضحايا للحرب الدائرة هناك

عماد نجم حسو

سهام فتاة في السابعة من العمر لم تعرف معنى الأبوة إلا لست سنوات فقط، فقد فُرض عليها اليتم في حياة لم ترَ منها سوى القصف والموت والدمار، فكلّ ما تعيشه من ذلك في حيها الشعبي (طريق الباب) أصبح جزءاً طبيعياً من يومها. كما تكفّل رميُ برميل مُتفجّر بإنهاء حياة أبيها وتيتيمها مع ثلاثة من إخوتها الذين يصغرونها سناً.
أطفالٌ يعيشون في مدينة قد حُرمت من أبسط متطلّبات الحياة الأساسية، فقلّة المياه والانقطاع الدائم للكهرباء والقصف المستمر لقوات الأسد حوّل الأرض لجحيمٍ، إلاّ أنّ مُعاناة أكبر قد واجهت هؤلاء الأطفال. ففقدان الأب أو الأم أو كليهما هي الكارثة الكبرى التي ولدت: حرمان مظلة الأب وحنان الأم.
تقطن سهام وإخوتها في بيت جدها الستيني أبو حسان إذ تركتهم أمها وذهبت لتسكن مع أهلها في إحدى قرى الريف الحلبي بعد وفاة زوجها قصي. تقول سهام إن عمتها هي من تعتني بهم، وبـأنها تشتاق لأبيها وأمها وتريد رؤيتهما ولكنها لا تستطيع. فأبوها قد توفي وأمها انتقلت إلى الريف الشرقي من حلب. تحدثني سهام عن حياتهم اليومية قائلة: «طوال اليوم في قصف، أصلاً نحن ما منخاف من الطيارات. أنا بدي أروح عند البابا لهيك ما بخاف من القصف، أخوي الزغير غانم دايماً بيبكي وبدو أمي.. بس أمي تركتنا وراحت.. ما بعرف ليش راحت مع إنو كان فيها ما تروح وتضل معنا ..!.
يعجز اللسان عن الحديث أمام هذه الأسئلة فسهام واحدة من الكثير من أطفال كانت ظروف الحرب السيئة هي السّمة الرئيسة لطفولتهم وقد زاد فوقها اليتم والحرمان، فكان لا بد من تحرك النشطاء المدنيين للعمل على تأمين الرعاية لهؤلاء الأطفال الأيتام.
يقول عمار طاووس أحد مؤسسي «مؤسسة غراس» المعنية بعائلات الشهداء إن كل ما نقوم به لا يمكن أن يسد حاجات العائلات الموجودة في حلب. فعملنا يعتمد على الجهد الذاتي إذ نحاول أن نؤمن دخلاً شهرياً لتلك العائلات تحفظهم من السؤال وطلب المعونة. كما نعمل على تقديم الألبسة والمواد الغذائية إلاّ أننا في غراس لم نستطع أن نغطي أكثر من 3500 عائلة شهيد من أصل 9177 عائلة
يقول فراس صاحب الـ 12 ربيعاً والمتوفي أباه نتيجة دخول شظية قذيفة مدفعية في الرأس في حي الصاخور: «نتلقّى المواد الغذائية من مؤسسة «كهاتين» إلاّ أننا نعيش بضيق وحرمان.. فأنا وأخوتي الثلاثة وأمي نُشكّل عبئاً على بيت جدّي الذي يُعاني من ضيق العيش أصلاً وبالتالي (ميّت ما بشيل ميت).
في كل ساعتين ونصف طفل ييتم في مدينة حلب، هذه هي نتيجة دراسة عميقة حول عدد الشهداء وأبنائهم وعائلتهم خلال السنة الحالية وصلت إليها مؤسسة «غراس»، وتقول الدراسة أنّ 56% من أبناء الشهداء بين الـ 6 – 15 من العمر و35% تحت عمر الـ 5 سنوات. أي أن الفئة العمرية الأكبر من أبناء الشهداء هم من يحتاجون لرعاية خاصة. ابتداءاً بمتطلباتهم الأساسية (مواد غذائية – ألبسة ..الخ) وانتهاءاً بمستوى تعلميهم وإبعادهم عن شبح عمالة الأطفال.
يقول فراس والحسرة مرسومة على ملامح وجهه المكسو ببياض الثلج بأنه يذهب إلى المدرسة هو وأخته الصغيرة حنين إلا أنهم يعانون من ضعف إمكانية تأمين مُستلزمات التعليم وببعد مبنى المدرسة عن منزلهم ممّا يُعرضهم لخطر قذائف النظام وبراميله بشكل أكبر بسبب طول الطريق إذ أنه لا توجد مدارس في حيهم.
يُحدثنا سليمان أيوب مدير مؤسسة «كهاتين» المعنية بعائلات الشهداء بأنهم يعملون قدر الإمكان على سد الحاجة لعائلات الشهداء إلا أنهم يعانون الكثير من المصاعب فعملهم تطوعي منذ أكثر من سنتين حيث يوجد صعوبات كبيرة بتأمين الرواتب للموظفين في المؤسسة كما يعانون من قلة الكفالات المالية لعائلات الشهداء الأمر الذي ينعكس على العائلات بشكل سلبي في الرقعة التي يُغطونها.
سهام وفراس طفلين حرمتهم الحرب الدائرة في حلب من أشخاص كان من المفترض أن يكونوا المركب الذي يقودهم نحو برّ الأمان. إلاّ أنّ معاناة جديدة فوق معاناة عيشهم في مناطق لا تهدأ فيها آلة النظام العسكرية جعلت من الحرمان والموت المحيط بهم عنواناً للحياة التي يعيشونها. هم ضحايا تلك الحرب التي تُهدد مستقبلهم، فأهوال انخراطهم في العمل لكسب الرزق وفي الحرب الدائرة في سن الطفولة، وصعوبات التعليم وتوقفه أحياناً نتيجةً لسوء الأوضاع الأمنية، إضافةً للمشاكل النفسية التي قد تُصيبهم، كلّ هذا المتاعب كفيلة بإنهاء أحلامهم والقضاء عليهم.
تحاول بعض مؤسسات المجتمع المدني الموجودة في حلب «غراس، كهاتين في الجنة، فسحة أمل» أن تُحافظ على طفولة هؤلاء الأيتام وعدم انجرارهم نحو أيّ عملٍ لا يناسبهم إلاّ أنّ هناك غياباً واضحاً لوزارة الشؤون الإجتماعية والعمل في الحكومة المؤقتة في رعاية هؤلاء الأطفال والعمل على برامج تأهيل نفسي لهم بُغية أن يكونوا جزءاً أساسيّاً في بناء مجتمع صحي متماسك لا أن يكونوا عالةً عليه، يقول لنا عمّار طاووس.

 

حنطة19

برومو الشهيد ناجي الجرف