حصيدة

الكساسبة عبء على تنظيم الدولة الإسلامية

مجموعة الرقة تذبح بصمت

أثقل كاهل تنظيم الدولة الإسلامية اسقاط طائرة تابعة للتحالف الدولي في 24 ديسمبر 2014، بمنطقة الحمرات شرقي الرقة، فبعد أن حققت نصراً بين مناصريها، تحول الأمر إلى عناء وانشقاقات داخل صفوف التنظيم، بين مطالب بفتح قنوات للتفاوض وإطلاق سرحه مقابل تسليم ساجدة الريشاوي للتنظيم، ومطالب بالقصاص من الطيار الاردني معاذ الكساسبة، كونه شارك بإرهاق أرواح العديد من عناصر التنظيم .
وبوساطة من عشيرة الكساسبة لدى عشائر العراق، فتح تنظيم الدولة المجال للتفاوض، بشرط انسحاب الأردن من التحالف الدولي، وإطلاق سراح ساجدة الريشاوي، أو ساجدة مبارك عتروس (45 عاماً) من مواليد الرمادي في العراق، متهمة رئيسية في جريمة تفجير فنادق عمان الثلاثة في احداث سبتمبر الأسود من عام 2005، بتخطيط من تنظيم «القاعدة في بلاد الرافدين»، بقيادة الأردني أبو مصعب الزرقاوي، والتي أودت بحياة 60 شخصاً، غالبيتهم من الأردنيين الذين كانوا مدعوين الى حفلة زفاف في فندق «الراديسون ساس»، في عملية ضربت العمق الاقتصادي والاجتماعي والأمني، في مملكة تميزت على الدوام بكونها واحة استقرار في جوار سياسي مضطرب.
ويعمّق التنظيم من تركيزه على طلاق سراح الريشاوي، وذلك كونها تنحدر من عائلة قيادية في التنظيم، إذ أن اخيها ثامر الريشاوي الذي قُتل في العراق، كان الذراع الأيمن لأبي مصعب الزرقاوي، كما أن زوج أختها كان أردنياً ومن قيادات القاعد في بلاد الرافدين في ذلك الوقت.
ساجدة التي حكم عليها بالإعدام منذ عام 2006 لم يطبق عليها الحكم إلى يومنا هذا، علماً أنها تتلقى معاملة جيدة في سجن “الجويدة ” في الاردن بحسب ما أدلت به لأحد القنوات الأردنية بزنزانتها المنفرد التي طالبت بها لعدم الاختلاط مع باقي السجينات .
وقد تلقت ساجدة تدريباً مكثفا واحتكت بقيادة القاعدة في بلاد الرافدين بين عامي 2003 و 2005، حتى أنها ألتقت بالزرقاوي كثيراً وأشرفت على تدريبات وعمليات، حسب نتيجة التحقيقات الأردنية، والتي أنكرتها الريشاوي بعد مرور 3 اشهر من الاعتراف بها أمام الأمن الأردني.
وكان اعتقال الريشاوي نتيجة خطأ قام به أبو مصعب الزرقاوي حين إعلانه في بيان له بشبكة الإنترنت أن سيدة كانت من بين منفذي تفجيرات الفنادق، وهو ما لم تجد عمّان عليه دليلا ملموسا له لا من افادات شهود العيان ولا من الأشلاء التي جمعت لأجساد الانتحاريين، قبل ان تتركز توجهات المحققين لوجود سيدة مجهولة وطليقة في عمّان تتحين الظرف المناسب للهرب، وهو ما قدر رجال التحقيق ان الزرقاوي يجهله حيث سارت التحقيقات.
وبحسب المراقبين فقد كشف الزرقاوي ببيانه عن وجود سيدة بين المنفذين عن ”سر ثمين وخدمة لا توصف” للمحققين الأردنيين اللذين أفلحوا في الإحاطة بلغز السيدة التي مجدها الزرقاوي في بيانه، وقال انها أصرت على ان ترافق زوجها الى ”الجنة” بإصرارها على تفجير نفسها في فندق ”الديز إن” وهو خطأ آخر مهد لوصول المحققين للحقيقة، حيث ان السيدة لم يأت على ذكرها أي من شهود العيان في الفندق .
وقال احد المحققين أن قيادات القاعدة قد فقدت على الأرجح الاتصال مع السيدة المفترض ان تكون بين الانتحاريين، أو هي لم ترد ذلك، حيث قاد بيان الزرقاوي الذي يكشف عن حقد انتقامي على موطنه الأردن الى السيدة ودورها المفترض، حيث اعتبرت القاعدة ان ساجدة الريشاوي ”ام عميرة” كانت ضمن المنفذين، إذ قاموا بالكشف عن وجودها لأنه لا أهمية لذلك بعد موتها كما كانوا يظنون ويعتقدون.
وبعد إعلان التفاوض زاد التخبط لدى قيادات الصف الأول في التنظيم، ولم يعد بالإمكان الرجوع عن القرار، حتى لا تهتز صورة التنظيم ويظهر العشوائية في قرارته وعدم الإجماع عليها، فما كان من التنظيم إلا عرقلة المبادلة، ووضع الكرة بملعب الحكومة الأردنية، فتنظيم الدولة أورد رسائل تخص الطيار على لسان الرهينتين اليابانيتين، وكان الأولى به أن يرسلها على لسان معاذ لربما استطاع احراج الحكومة الأردنية، واجبرها على اطلاق سراح الريشاوي، إلا أن التسريبات من داخل التنظيم، وتغريدات لمناصريه على صفحات التواصل الاجتماعية، تؤكد أن الكساسبة قد تم اعدامه منذ مدة، وهذا سبب عدم ظهوره ولو صوتياً في رسائل التنظيم .
إلا أن تهديد عشيرة الكساسبة في الأردن بتشكيل ثورة وانضمام العشيرة بالكامل للتنظيم في حال عدم رضوخ الحكومة لمطالب التنظيم، أثار المطامع بالتمدد إلى الأردن التنظيم على اخفاء خبر اعدام الكساسبة لتضع الحكومة الاردنية تحت مسائلة شعبه ويظهر التنظيم بصورة الأب الحنو الذي حاول انقاذ روح الكساسبة حتى أخر لحظة .
وأثبتت الحكومة الأردنية صواب قرارها بعدم الإفراج عن الريشاوي والرضوخ لشروط تنظيم الدولة الإسلامية، إذ بثت التنظيم في الثالث من شهر شباط، مقطع فيديو بعنوان ” شفاء الصدور” وُصف بالاحترافي من حيث عملية الأخراج والمونتاج والطريقة التي تم تصويره بها، ظهر فيه إحراق الطيار الأردني معاذ كساسبة حياً، بعد وضعه بقفص حديدي، وكان التنظيم قد نشر صورة محملة لمعتقل ياباني يظهر فيها معاذ بذات القفص وموقع الحرق، وهذا ما يؤكد صحة تغريدة على مواقع التواصل الاجتماعي لأحد أعضاء فريق الرقة تذبح بصمت في الثامن من شهر كانون الثاني أعلن فيها إعدام الطيار الأردني حرقاً، بعد سماعه عدد من عناصر التنظيم يتحدثون بفرح عن عملية احراق الطيار والثأر منه، إلا أن كثير من المتابعين رفض تصديق الأمر كون التنظيم لا يقع بمثل هذا الغلط الذي يعتبر مخالفة شرعية في الدين الإسلامي، والذي من شأنه أن يحدث فوضى في صفوف التنظيم .
واختلف الفيديو هذه المرة عن سابقه، إذ كان التنظيم يقتطع الجزء المتعلق في الذبح، لكنه هذه المرة عرض الطيار منذ بدء حرقه حتى تفحم جسده، كما يظهر على وجه الكساسبة اثار التعذيب وهو مالم يكن موجود في الإصدارات السابقة حيث كان المعتقلين يرتدون البدلة البرتقالية وهم بحالة جيدة .
وظهر الطيار الاردني يتحدث بنمط عملية سير الغارات وكيفيتها، كما أشار لمعلومات حساسة لربما كانت مبهمة، وهو ما قد يدفع التحالف لتغيير سياسته في المرحلة الراهن وإيجاد سياسة جديدة بعد كشف السابقة، حيث أدل الطيار بمعلومات حول بنية التحالف الدولي من حيث التسليح و الدول المشاركة فيه و طبيعة العمليات و أماكن الإقلاع و الهبوط و المطارات الإسعافية في حال حدوث طارئ، حيث أثارت كمية المعلومات التي ذكرها الطيار العديد من التساؤلات عن كيفية معرفتها وهو طيار برتبة ملازم أول، فحديثه لم يكن مختص بسلاح الجو الأردني فقط، بل شمل جميع دول التحالف .
وسبق عملية احراق الطيار، ظهور لقطات لأطفال مصابين بجروح، يرافقه معلومات عن صواريخ حرارية تختص بالدروع والسفن، في اشارة من التنظيم أن طيران التحالف هو من تسبب بذلك،
وتأتي هذه الحركة من التنظيم بما لا يحمد عقباه على الرغم من تهديدات الحكومة الأردنية أن الرد سيكون موجع وحازم في حال المساس بحياة الكساسبة، ليرد التنظيم على هذه التهديد بالحرق بدل النحر، وهذا ما قد يدفع الحكومة الأردنية لرد موسع على مناطق سيطرة التنظيم .
وختم التنظيم الفيديو المنشور، بإعطاء احداثيات تواجد عدد من طياري الأردن المشاركين بغارات التحالف الدولي والمطالبة بالقصاص منهم، وتخصيص مكافأة مقدارها 100 دينار ذهبي أي ما يعادل 15 ألف دولار أميركي، لكل من يقوم بقتل أحدهم، في إشارة من التنظيم ببدء نقل العمليات إلى داخل دول التحالف عموماً والأردن خصوصاً .
وفي أولى ردود الأفعال على الإحراق، أعلن ملك الأردن عبدالله بن الحسين، أنه سيشارك شخصيا في تنفيذ غارات جوية على مواقع تنظيم الدولة الإسلامية انتقاما لإعدامه الطيار الاردني معاذ الكساسبة، كما صرح السيناتور الأميركي ليندسي غراهام: أن أمير دولة قطر عرض تمويل تدخل بري ضد التنظيم وكما أعلن عن استعداد السعودية لإرسال جيشها شرط التعامل مع الاسد .
وقد مدد التنظيم مهلة التبادل لثلاث مرات دون ضمان على تسليم الكساسبة، أو ما يثبت بقاءه على قيد الحياة في ذلك الوقت، في محاولةٍ لإطلاق سراح الريشاوي وإعدام الطيار والحصول على 200 مليون دولار من الحكومة اليابانية، وعلى الرغم من فشل التنظيم في إبرام صفقة تبادل الأسرى، التي كان بدورها أن ترفع عنه صفة العصابة، وتضعه بين الدول، إلا أن الغموض المحيط في مصير الطيار الأردني أوقف سير عملية التبادل، لعدم حصول الحكومة الأردنية على ضمانات تؤكد سلامة الطيار، كما ثبت صفة الإرهاب على نفسه وأثار موجة سخط واستنكار بين مناصريه، على الطريق التي أعدمَ بها، علماً ان التنظيم قدد برر حادثة الحرق أنها شرعية، ليرد عليه عدد من العلماء الإسلاميين أن الحرق محرم بالإسلام ولا توجد روايات تثبت جوازه، ليدخل التنظيم مرحلة جديدة من التجييش الإعلامي عليه، ومثيراً لتساؤلات عديدة عن كيفية إعدام الرهينة القادمة

حنطة21

برومو الشهيد ناجي الجرف