حصيدة

السوريون وحق الحياة

بغياب حل سياسي لثورة بدأت بيضاء ودخل فيها ما هب ودب من زناة الأرض وتجمع على أرضها كل زنادقة الكون، كان لا بد للسوريين من طريقة يحافظون بها على حق أساسي نادت به كل أدبيات الكون والمعتقدات الوضعية والإلهية: حق الحياة. إذ يعيش السوري في دوامة الموت قلقاً من اعتقال أو قذيفة أو مجنون يسعى لبلوغ السماء مؤمناً بتراث حمله منذ عشرات القرون وبمحاربة فكر وسلوك مدني يحفظ إنسانيته من الجميع.
كل هذا يدفع السوريين إلى البحث عن ملجأ آمن برحلة يصطدم بها بما هو أعتى من البقاء في وطنه المتشظي أصلاً بما يحدث فوق أرضه.
ذكر أحد التقارير أن نحو3000 لاجئ ابتلعهم البحر و(استشهدوا) غرقاً من أصل 270 ألفاً رجالاً ونساءً وأطفالاً.
هذه الأخبار لم تثنِ السوري عن البحث عن بصيص أملٍ في الحياة بعيداً عما يعانيه من كل الجوانب. ليس البحر من يلتهم أجسادهم فقط، هناك أيضاً الصحراء والغابات، كلّ شيء يُنذر بالموت. لكنّ الأمل يبقى حتى لو كان خارج الوطن.
تبدأ رحلة الموت بتأمين ما يكفي لخوضها والتعرف إلى من يقوم عليها من تجار البشر والحرب: المهربين.
تكلفة المغامرة المميتة من 4000 إلى 12000 دولاراً حسب الطريقة والمسار (بحرية – طائرة – المشي في الغابات)
وقبلها تأمين الخروج من الوطن.
هنا شهادةٌ لأحد الواصلين بعد معاناة
والحديث بلسانه، بضمير المتكلم.
يقول: الرحلة بدأت والقلق يعانق اللحظات
بين الهجرة وترك المحبين من أهل وأصدقاء ووطن بكل ما يحمله من ضمير ومعنى. شعور متناقض تعيشه بين حياتك وموتك، وحياتهم وقلقهم وموتهم.
بعد البداية
كان الوصول إلى الجزائر العاصمة ليلاً حيث مكثنا فيها ثلاثة أيام حتى تم التواصل مع مهرب يؤمن الوسيلة المناسبة. 1
المشوار الأول إلى (بير عاتر) القريبة من تونس وهذه مدتها 11 ساعة ليلاً في الحافلة.كُنّا أربعةٌ، وكانت الحافلة مملوءةٌ بالسوريين. وصلنا البلدة، وتم نقلنا إلى مكان آخر (تبسة). بتنا بفندق ليلة وبقية نهار، ومن ثمّ عدنا إلى بير عاتر. 1
وهنا تبدأ المغامرة..
شبه سيارة، بلا أثاث – على الحديدة- والقلق يضاجعنا. أشخاصٌ لا نعرف عنهم شيئاً، مُلثمين، سمر، بلا همس أو صوت، حتى الوصول للسيارة تمّ بواسطة ضوء الموبايل. صعد كل خمسة أشخاص إلى سيارة، وانطلقنا بواد جاف لا أثر لماء فيه. استغرق الطريق حوالي الساعة بسرعة جنونية، والرؤوس والأجساد تلاطم الحديد. حتى وصلنا إلى بيت مهجور، هنا تم دفع أول مبلغ «600 دولاراً» لقاء هذه الساعة. تم بعدها قبل الفجر المسير بطرق وعرة – وهناك أطفالٌ ونساءٌ وشيوخ – حيث وصلنا إلى طريق تنتظرنا فيها سيارات للدخول إلى تونس (قابس)،
ومنه إلى موقف سيارات عمومي ولا علاقة للمهربين هنا .. «فقط تواصلوا مع الرقم كذا -أبوعلي – الساعة السابعة صباحاً». هنا أيضاً يقوم أصحاب السيارات باستغلال المهجرين بالسعر «150دولاراً» ذهبنا بطريقنا إلى مدينة بنقردان الحدودية مع صحراء ليبيا، والمفارقة المذياع الذي يُنبئ ونحن في السيارة خبراً مفاده (دخول إرهابيين إلى تونس قادمين من الصحراء …). وهنا حاجز أمني يطلب منا النزول من السيارات: «ممنوع الوصول، نعرف طريقكم ونحن نعمل لوقف مغامرة موتكم .. تعاطفاً وواجباً» وكأن السوريين كلهم هنا، كلما زادت المسافة زادوا. شيءٌ مُبكٍ ومُحزنٍ ما آل إليه وطنٌ سُرقت ثورته وتشرد أهله. أعادوا الكثير وتمّ توقيف الكثير. خمس ساعات من الجدال، قال الشرطي: «لا نريدكم أن تموتوا .. المهربون يعدونكم دولارات .. في الأمس على شواطئ تونس جثث أطفال .. استحلفكم عودوا». لكنّ القرار اتخذ وما كان لأحد أن يؤثر فيه.
قالت إحداهن: (في بلدي الموت محتم وإذا أكملنا فقد نعيش .. والأعمار بيد الله).
عادت السيارة ولكنه طلب 200 دولاراً ليكمل بنا بطريق فرعي وتم ذلك. واتصلوا بالمهرب ليستقبل الواصلين، وبطريقة بوليسية وإلى بيت مهجور وصل بنا.
هنا بداية جديدة، بُعيد استراحة قصيرة 16 شخصاً في كبين بيك آب دفع رباعي وأربع نساء جانب السائق. تمّ تثبت الكل بحبال «نعم حبال». فالطريق بصحراء ليبيا خمس ساعات والرمال تصفع الوجوه والجسد يلاطم الحديد ونحن بين ضحك وأسى… أي خطأ سيكلف موتك بالصحراء إن وقعت لا أحد يقف لحملك، السيارة لن تتوقف لأي سبب. «الوصول أو الموت». هكذا قال السائق المجنون المخمور والذي يمكنك وصفه بأي شيء. بعد خمس ساعات وصلنا أيضا إلى بيت مهجور وثلاث مرات كذلك بالطريقة نفسها حتى وصلنا إلى بيت فيه سوريون كُثر نحو الثمانين، وقبل عشرة أيام من الرحلة، وكان لهؤلاء بيوت تحوي آخرين مهجرين وهاربين من جنسيات أخرى أيضاً.
لم يحدث أن نُشلنا، ولكن شهادة من ستة أشخاص نُشلوا بكل ما يملكون من مال ولباس وأوراق وثبوتيات لهم. هذه الأمور حدثت كثيراً بحسب شهادات أشخاص تعرفنا عليهم أثناء الرحلة المغامرة.
والآن بقي انتظار المشهد قبل الأخير: البحر.
رحلة البحر
كل يوم توجيهات أمان بطريقة الجلوس والهدوء إلى آخره من التعليمات أثناء الإبحار. خلال الفترة التنقل من بيت إلى آخر (للآمان بعرفهم وتأميننا) ودائماً الذكور أولاً ومن ثم النساء وأطفاهن.
اليوم نشرة الأنباء تُفيد بأن الطقس ملائم للسفر والإبحار. جهزوا أموركم ..المفترض أن يحمل القارب نحو200 شخصاً هكذا علمنا. وكالعادة الذكور ثم الباقي، وفعلاً تم ذلك.
التجمع عند الشاطئ، ثم سيراً بالماء نحو200 متراً إلى قارب مطاطي ومنه إلى القارب العجيب (قارب خشبي للصيد طوله 17 متراً، قديم ومدهون حديثاً) وصلنا الأعجوبة إذ كان يحمل 320شخصاً.. تذكر العالم الناسي بطريقة الجلوس في المعتقلات.
البقية لم يأتوا تحرك القارب. الكل ينادي أين البقية؟ قال (القبطان) التونسي: إنهم في القارب الآخر. وفعلاً بدأ يُحدث الآخر ويعطيه الإحداثيات والكل يسمعه. جاب القارب البحر والليلة عيد الأضحى (والأضاحي كُثر للبحر) والقارب والراحلون في عبابه يتمايلون مع الموج، والعقول والأنظار تتوجه نحو القارب الثاني فهناك أحبابٌ ورفاق عمر. ست عشرة ساعة ولن نذكر حال الناس، دوار البحر، لا طعام ولا ماء..
توقف القارب، نفد الوقود وقُطع الاتصال من جهاز الكابتن الخاص. وماء البحر أخذ ينفذ إلى القارب والشباب ينضحونه لتخفيف الوزن. نصف ساعة أو أكثر والدماء تكاد تجف من العروق، والقاربان متوقفان وإلى اللحظة لم يعرف إن كان فيه المنسيون على شاطئ الموت. خلف القارب باخرة شحن عليها العلم الليبي الذي أخاف الجميع من إمكانية العودة بعد أن وضعوا حياتهم في غياهب البحر، وعلم النروج الذي صنع بارقة أمل .. مفارقة عجيبة .. بين من يصنع الموت ويصنع الحياة في العقل الجمعي العربي. رفع الأطفال على الأكف والنساء يلوحن بمناديلهن والشباب ينادون ..جاء الجواب الإيجابي وبدأ التهليل والتكبير ووو. ونقل نحو500 شخصاً الى البارجة، وعوملوا باحترام .. وهنا بدأ البحث عن المنسيين ولا جواب. وتم الاستفادة من اتصال الكابتن لنعلم بوجودهم هناك واستمر الألم بلون جديد..بعد حوالي ساعة جن البحر، عاصفة أخذت تضرب الباخرة الضخمة، ولو كنا على القارب لغرقنا حتماً، بقينا 24 ساعةً فيها حتى جاء خفر السواحل ونقل الجميع إلى باخرتهم التي وصلت بعد يوم كامل إلى سواحل سيسيليا الإيطالية وخلالها وصلت رسالة أخرى تفيد بوجود المنسيين من عائلات وآخرين في ليبيا حيث دخل بعضهم الماء وركبوا القارب المطاطي الذي فوجئ بإبحار القارب الأم وهنا بدأت رحلة الانتظار والخوف التي استمرت 42 يوماً بين تأجيلٍ ونقصان، عدد راحلين جدد، وسوء طقس لكنهم وصلوا..
في الشاطئ الآخر مشكلات وقصص أخرى.

حنطة22 حنطة23

برومو الشهيد ناجي الجرف