حكايا البيدر

في العدالة الإجتماعية

شفان ابراهيم

لعل من بين أبرز المشكلات التي تواجه تطبيق المساواة في توزيع الناتج الاجتماعي، وبشكل متساو بين جميع أفراد المجتمع، يكمن في غياب نكران الذات. لابد من تواجد هذا النكران لدى مجموعة من الأفراد الذين أسهموا في تغيير الواقع الاجتماعي، وهذا يتطلب وبالضرورة تقدير معنوي مصاحب بتقدير عيني لجهد هؤلاء، وكي يشعروا بأهميتهم في المجتمع الذي ضحوا لأجله، وبالتالي سيكون هي بداية خلق بيئة اجتماعية للعدالة، هذه العدالة التي تتبوأ الصدارة في عملية التوصل إلى تقييم شامل لبيئة المؤسسات الاجتماعية عموماً، وما أن يتم بناء هذه المؤسسات حتى يكون المجتمع بحاجة إلى تحول جزري، واستخدام معايير نموذجية كأساس لتقييم شامل للمؤسسات الاجتماعية إجمالاً، وصحيح أنه في بعض الأماكن كان للمؤسسات والمنظمات الاجتماعية وجود واضح، لكن هذه المنظمات والمؤسسات كانت تقوم بدور سلبي وإيذاء الأفراد الذين لا ينتمون إلى فئة معينة تكون مخصصة بالتقدير والتمييز الاجتماعي، بينما أغلبية السكان كانوا يعيشون حياة غير أمنة ولم يكن الفناء والموت بعيداً عنهم نتيجة تصرفات وسياسات وأعراف هي اليوم بحاجة إلى ترميم وتصحيح، وربما إلغاءٌ أيضاً، وإعادة إنتاج سياسة جديدة لتلك المؤسسات تنطلق من الأسفل إلى الأعلى ومن الجذور. ولعل أكثر ما ساهم في ارتقاء دعوات التغيير والتطوير هو التطور الرهيب للتكنولوجيا، وخاصة في بريطانيا وأوربا حيث أدت هذه التقنية إلى تغيير ملامح الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ومنها ابتكار أجهزة القياس والتطورات التي رافقت حركة الملاحة، واختراع المحرك البخاري والنول الآلي وغيرها من بين الوسائل التي ساعدت على زيادة الإنتاجية، وإعادة تشكيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية لأغلب الناس العاديين في ذلك الوقت، فتلك الأدوات التي غيرت القوى الطبيعية لتكون في خدمتنا، استطاعت أن تغير المجتمع البشري وتحد من تخلف صورته النهائية. ولكن لا يمكن إغفال عامل أخر أكثر حسماً وأكثر قوة وهو عامل ما جرى عام 1789 أي الثورة الفرنسية، وما أحدثته من تغيرات على الصعد كافة من سياسية وفكرية واجتماعية وثقافية واقتصادية، حتى أن هذه الثورة وصفت من قبل المعارضين لها قبل المؤيدين على أنها انقطاع تام عن الماضي أو أية صلة لها مع الماضي، وصحيح أن الطفرة التكنولوجيا والتقنية أحدثت نقلة نوعية، وأسست أرضية فكرية مؤذنة بحدوث عملية التحول الاجتماعي، فإن الثورة الفرنسية هي من دعمت وأكملت هذا التحول باتجاه أنماط جديدة من الوعي، وهذا التغيير الحاصل نتيجة الوعي المنتشر بفضل التقانة والثورة الفرنسية أثبتت ضرورة التحول الاجتماعي وحتمية انهيار النظام القديم. فالنظام الجديد المراد إنشاؤه والإعلاء من قيمته وشأنه لابد من خضوعه لنواميس الطبيعة، والقوانين الاقتصادية التي تحرك المجتمع الحديث، ولابد من نشاط بشري فعال كي يمكن الناس من السيطرة على أفعالهم، لا أن يتحولوا إلى أدوات تختص بأفعال خاصة وحينها فإن تقسيم العمل واتجاه العمل سيكون خاضعين لإرادة موحدة، ولن تكون مصالح فردية هي المتحكمة في الأفراد بل سيكون هناك مصالح جماعية عامة، أي أن البشر سيكونون قادرين وبشكل جماعي على أن يتولوا زمام السيطرة على الحياة الاجتماعية وهم من سيقررون معاً وجهة التاريخ والطريق الذي سيسلكه. فالبشر هم الأكثر قدرة على إعادة تشكيل مجتمعاتهم وتطوير علاقاتهم الاجتماعية لأن ذلك يغدوا مسألة طبيعية لخلق طريقة جديدة للتفكير في العالم الاجتماعي. فإذا كان البشر قادرين على إعادة صياغة وإعادة تصنيع وترتيب أوضاع مؤسساتهم، السياسية والاجتماعية والاقتصادية وإصلاحها من الجذور، فلا داعي أبدا من الرجوع إلى أنماط عيشهم القديمة، بل لابد من نسفها وتغييرها وتبديلها وفق مبادئ واضحة، تنتج طرائق نموذجية لتوزيع الحقوق والامتيازات والأنماط والآلام، ويمكن الاستفادة منها في تقييم مؤسسات المجتمع ككل والمطالبة بإصلاح تلك المؤسسات، وهذه هي بالتحديد فكرة العدالة الاجتماعية.

حنطة25

برومو الشهيد ناجي الجرف