حكايا البيدر

صحافة المواطن

ناجي الجرف

تُعتبر صحافة المواطن وبروز المواطن الصحفي كأداةٍ لرصد ونقل ما يجري في سورية على مدار الساعة منذ آذار 2011 حتى اليوم، من أهم ميادين العمل التي أفرزها الحراك الشعبي في سورية، وإذا علمنا أنّ (543) مواطناً صحفياً قد غادروا هذه الحياة في سبيل إيصال الصورة السورية التي عجز معظم الصحفيين الأكاديميين المستقلين والمرتبطين بوكالاتٍ إعلاميةٍ عن إيصالها، فإنّ هذا الرقم يجعلنا نتمعّنُ في دلالاتٍ أهمها خوف المستبدِّ أيّاً كان انتماؤه من الحقيقة وناقلها.
دلالةٌ أخرى ربما توازي الأولى وضوحاً، وهي توق السوريين إلى التعبير عن رأيهم في كافة مناحي وجزئيات وطنهم، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وعسكرياً وأخلاقياً، مضافاً إلى حريةٍ حرموا منها عقوداً طويلة.
في هذا المشهد العام لصحافة المواطن، والتي كانت خشبة مسرحها الأساسية صفحات مواقع التواصل الإجتماعية، برز آلاف المواطنين الناقلين والراصدين والمحررين لأحداثٍ تحيط بهم بشكلٍ يومي، ولتبرز شبكاتٌ ووكالاتٌ وتجمعاتٌ لهذا الإعلام الناشئ، بدءاً بشبكة شام في شباط2011، ولم تنتهِ بمئات القنوات والنوافذ التي حاول بعضها أن يأخذ شكلاً مؤسساتياً، وأخفق الكثير في مأسسة عملهم، وهنا لابد من الحديث عن إيجابيات وسلبيات هذا الميدان من الصحافة.
الإيجابيات:
1- سرعة الوصول إلى الحدث
2- قدرة التأثير على الرأي المحلي والوطني
والعالمي.
3- سرعة انتشار المعلومات
4- كثافة التفاعل من الجمهور مع المعلومة
التي تعتبر العمود الفقري للحدث.
5- الكلف المالية البسيطة في إنتاج المادة الإعلامية، (خبر،تقرير،تحقيق،تغطية…إلخ).
السلبيات:
1- عدم معرفة جزءٍ كبيرٍ من المواطنين
الصحفيين لأساسيات الإعلام كعلمٍ وضعيٍّ (تطبيقي).
2- عدم دقة المعلومات الواردة وتضاربها في أحيانٍ عدّة.
3- قلة ثقافة عددٍ لا يستهان به من
المواطنين الصحفيين.
4- تحيّز المواطنين الصحفيين في عملهم لقضايا وأيديولوجياتٍ وبيئاتٍ ينتمون لها.
5- الحماسة التي تغلب الموضوعية في عملهم
6- الظروف السيئة التي يعملون تحتها، حيث تُعتبر سورية أخطرَ بلدٍ للعمل الصحفي في العالم لعامين متتاليين (2013-2014) حسب منظمة «مراسلون بلا حدود».
بالعودة إلى التعريف النظري لصحافة المواطن، نرى أن فكرة صحافة المواطن تقوم على أنّ ممارساتِ الصحافة يجب أن لا تقتصر على نقل الأحداث والمشاكل فحسب، بل تجب مشاركة المواطنين في التغطية الإعلامية للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، واعتبارهم مشاركين فاعلين في نقل الأحداث ومناقشتها وتحليلها أكثر من اعتبارهم مجرّد متلقينَ سلبيينَ لما تعرضه لهم الوسائل الإعلامية من وقائع ورسائل، أبطالها هم الإعلاميون والسياسيون والمحللون والخبراء.
قامت هذه الفكرة في العالم بعد أن وسّع الإعلام التقليدي الفجوة بين المواطن والسلطة من جهة، وبين المواطن والمؤسسات الإعلامية من جهةٍ أخرى، مما أدى إلى انخفاض مشاركة المواطنين في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأضعفَ حسّ المواطنةِ الفعالة، من هنا يمكننا اعتبار هذه الصحافة حركةً إصلاحيةً للإعلام التقليدي.
مما سبق في التعريف، وحسب مشاهداتي على مدار الأشهر الـ45 التي عملت فيها ضمن عددٍ من مؤسسات صحافة المواطن في سورية، (شبكة شام،المكتب الإعلامي لمدينة سلمية وريفها، مجموعة سمارت، مجلة حنطة، مؤسسة بصمة سورية)، أرى أن سورية بعد مظاهرة 15/03/2011 وإلى اليوم هيأت تربةً خصبةً لنمو وتضخم هذه الصحافة.
في ظلِّ الحراك السلميّ الذي امتدَّ على طوال الأشهر الستة الأولى من الحراك الشعبي، عمل النظام السوري على التشديد والسيطرة المحكمة على جميع المؤسسات الإعلامية الرسمية وشبه الرسمية، رابطاً مراقبة عملها وتوجيه خطابها مباشرةً بأعلى دوائر دولته، (جهاز المخابرات، القصر الجمهوري، وزارة الداخلية) ويغلق مكاتب جميع المؤسسات الإعلامية الأجنبية العاملة في دمشق، وليفرض رقابةً شديدةً على الأفراد العاملين في الحقل الإعلامي. هذا كله دفع الناشطين في الحراك الشعبي إلى نقل أحداث حراكهم بوسائل بسيطة، ربما كانت عدسةُ الموبايل هي الأداة الأكثر تداولاً، وعبر نوافذ تواصل إعلاميةٍ اجتماعيةٍ وفرتها شبكة الإنترنت وسهولة الوصول إليها، (فيسبوك، يوتيوب، مدونات، تويتر)، وليتعمدَ أغلب الناشطين العاملين في نقل الحدث السوري على أسماء مستعارة، ارتبطت في أغلبها بانتمائهم العائلي والمناطقي، (أبو محمد الدوماني، أبو علي السلموني، أبو جعفر الحمصي، أبو عبدو الحلبي، أبو البراء الديري، ابن الفرات الرقاوي، فتاة الشام، ميدانية وأفتخر، … إلخ)، وبعفويةٍ وحماسةٍ استُمِدَّت من نبض الشارع الحار، لتتشذب مع مرور الزمن، وتتجمع في عددٍ من الشبكات الإعلامية، التي كانت صلة الوصل بين صحافة المواطن والقنوات الإعلامية، من محطات ومجلاتٍ وجرائد إقليميةٍ وعالمية، (الجزيرة، العربية، بي بي سي، نيويورك تايمز، وغيرها)، ولتقدمَ هذه الشبكات وعناصرها البديلة لهذه القنوات، بعد أن حُرمت من العمل على الأرض السورية، وذلك من خلال المواد الخام للأخبار، والصور والفيديوهات وشهود العيان في أغلب مناطق سورية.
أمام هذا المشهد، ظهرت الكثير من المشاهد الفوضوية التي كنا نحيلها في البداية إلى قلة الخبرة والحماسة والتحيز الكامل (للثورة السورية) من قبل المواطنين الصحفيين، وفي مراحل لاحقة، وبعد تطور الحراك من سلميٍّ إلى مسلحٍّ في عددٍ من المناطق السورية، وسيطرة المعارضة السورية على بعض المناطق في سورية، ودخول اللاعب الإقليمي والغربي في المعادلة السورية، وبداية دخول المال الممنهج من أفرادٍ ومنظماتٍ ودولٍ إلى بعض المجموعات، أخذ بعض المواطنين الصحفيين ينحازون إلى الايديولوجيات والكونتونات الجديدة التي انتموا إليها، وهنا ازداد نَفَسُ المناطقية والطائفية في خطاب صحافة المواطن في سورية، وربما شكَّلَ المقطعُ الشهير لـ (أبو صقار) وهو يقضم كبد أحد عناصر جيش النظام، وسرعة وكثافة تداوله عبر كافة الوسائل الإعلامية نقطةً مهمةً في تحوّل الخطاب في صحافة المواطن، وربما نفسّره كانعكاسٍ طبيعيٍ لشدة الصراع على الأرض، وظهورِ الطائفية كسمةٍ أساسيةٍ في المشهد السوري.
في آذار 2013 وبعد خروج الرقة كمحافظةٍ كاملةٍ عن سيطرة النظام، وبداية دخول ما يسمى «المهاجرون الأجانب» للقتال على الأرض السورية تحت شعاراتٍ سلفية جهادية، وبروز تنظيم القاعدة كلاعبٍ أساسي، اعتمدت هذه التنظيمات في خطابها لبناء حواضنها الاجتماعية، وإبلاغ رسالتها إلى المُجتمعيْن المحلي والخارجي، على مواطنين صحفيين بطرقٍ أهمها: الترغيب بالمبايعة، والترهيب بالاعتقال والقتل. وهنا برز دور المواطن الصحفي كمقاومٍ لهذه التنظيمات، وخاصةً بعد تبينه بأنه هو المستهدف الأول لهذه التنظيمات بالاعتقال وإقامة الحدِّ عليه، فعاد إلى أدواته الأولى كالأسماء المستعارة وعدسات الموبايل لتغطية أحداث مناطقه، وتوثيق انتهاكاتٍ تقوم بها هذه التنظيمات، وليجد نفسه مطالباً بالمحاربة إعلامياً ضد جبهتين: إعلام النظام، وإعلام التنظيمات المتشددة، وهنا برزت مجموعاتٌ تُعتبر نواةً لمؤسساتٍ تُوسم بصحافة المواطن، ربما كان أبرزها (الرقة تُذبح بصمت، الرقة الشهيدة، ديرالزور تستغيث .. إلخ).
بعد هذا التوصيف السريع لصحافة المواطن في سورية، سنتعرض لبعض الانتقادات التي برز الكثير منها لهذا المجال بالتحديد:
1- يرى المنتقدون لهذا النوع من الصحافة أن المواطنين الصحفيين فشلوا في تعريف مبادئهم تعريفاً علمياً عملياً، كما فشلوا في جعله جزءاً من العمل الإعلامي الروتيني المستمر.
2- يعتقد المنتقدون أن المواطنين الصحفيين بالغوا لدرجة التطرف في أفكارهم، ووضعوا أنفسهم كمنافسين ومحاربين للإعلام الأكاديمي.
3- يرى المنتقدون أن هذا النوع من الصحافة يعتمد على الإستسهال لإرضاء الجمهور المحلي لكونه إعلاماً شعبوياً، وإرضاءِ الممولين الذين بدؤوا يتحكمون بمؤسسات هذا الإعلام في سورية.
4- يرى المنتقدون أن هذا النوع من الصحافة أخرج الصحفي عن دوره الأساسي الذي يحتّم عليه أن يكون محايداً في عمله، لا مشاركاً في مجريات الأحداث وحلولها.
5- يرى المنتقدون أن المواطن الصحفي يحصلُ على فهمٍ سطحيٍّ لمواقف وآراء المواطنين بحكم عدم خبرته، مما يحيلنا إلى مادةٍ إعلاميةٍ رديئةٍ في المحصلة.
نهايةً أرى أن صحافة المواطن قد كان لها الفضل الأكبر في نقل المشهد في سورية عبر ما يقارب الأربع سنوات، رغم كثرة السلبيات التي نتجت عنهالظروفٍ موضوعيةٍ وذاتية، كما أراها شكّلت رديفاً حقيقياً للإعلام الأكاديمي، حيث تمكّن عددٌ لا يُستهان به من المواطنين الصحفيين من تطوير مهاراتهم وآليات عملهم لينافسوا أقلاماً وعدساتٍكان لها الباع الطويل في العمل الإعلامي،وذلك عبر نوافذ إعلامية عريقة.
كما أرى أنه لا بد من العمل بخطواتٍ استراتيجيةٍ للإستفادة بأقصى حدٍّ من هذه الصحافة في سورية، تقوم على تطوير مهارات هؤلاء المواطنين الصحفيين، بما يخلق بنيةً إعلاميةً تكون قادرةً على تحريك المجتمعات المحلية في هذا الصراع داخل سورية، علّها تشّكل بنيةً خصبةً للحراك المدني المجتمعيّ في وجه الصوت المتعالي للسلاحِ يوماً بعد يوم.

حنطة26 حنطة27

برومو الشهيد ناجي الجرف