حكايا البيدر

في انتظار بابا نويل.. وأعياد أخرى

أحمد الشمام

«ما مر علينا العيد «ليست عنواناً صحفياً رتيباً أو مغايراً، بل جملة بريئة قالتها طفلة في المخيم، لاشك ليس العيد «مَهدياً» ليُنتظر بشيء من التصبر وترقب علامات قدومه. ولا قصيدة توسم بعنوان موحٍ مثل «ليس من مهدي يجيء فلننتظر غودو « وبما أن استحضار المهدي جاء في إطار إنساني يتعلق بالأطفال فليس من داع للمرور على تصويباتنا ككبار لوثوا معان كثيرة باختلافاتهم واختلاقاتهم والتدليل على استعارة كهذه بمعناها الإنساني العام لا المذهبي الذي حشرناه حتى في أغاني الوجع. ولاشك هنا علينا فهم عدم المرور بثقله وخيباته وخذلانه ومعانيها وآثارها جيداً. فالعيد ليس شخصاً مثل بابا نويل يمكن أن يمر على عائلة أو حي أو زقاق دون آخر مما يدفعنا للجزم بأن شعباً لم يشعر أطفاله بقدوم عيد لن ينتظر بابا نويل الشخص الذي كان يمر ويوزع أصداء حضوره ليكفي أكبر عدد من الأطفال دون أن يفي بما عليه.
أجمل ما في الأطفال أنهم لا يشعرون بالوقت ولا بالتاريخ. كان التردد في سؤالهم مقصوداً لئلا نوجعهم بأمل لمجرد كتابة مقال سرعان ما نُفاجأ أن الآباء قد كذبوا على أطفالهم في موعد رأس السنة لخواء جعبتهم من أي شيء.
الصغار الذين تجاوزوا ما لم يستطع الكبار تجاوزه، عرباً وكرداً، مسلمين ومسيحيين. ما التفتوا إلى أي فرق مما قد لُعب عليه وعُزِف كثيراً من قبل أحزاب ومرجعيات بدت متحضرة. وأُخرى ما قبل تاريخية فتواشجت أيدي السوريين في المظاهرات أمام الغاز والرصاص وأنجز بائع الخضار والخياط والعتال ما اعترف مثقفون كثر من أبناء البيئات ذات التنوع الإثني والديني أنهم لم يستطيعوا تحقيقه
أطفالنا الصغار علمونا أيضاً أن نفكر ببابا نويل ذي اللحية البيضاء ولباسه الأحمر وصليبه المذهب، بابا نويل الإنساني لا النصراني أو بابا نويل النصراني في رسالته الإنسانية التي تجاوزت الأديان والذي ننتظره من أجل طفولة غيبت وسط الرصاص أو تحت الركام.
وعلينا أن نقول لأنفسنا مرت ثلاثة أعوام و تأخر «بابا نويل» ولن نقول لم يأتِ. ربما لأننا أدمنا الانتظار والتماس العذر أيضاً.
فالسنة ثقيلة العبء على الشيخ الفائض حباً وحناناً فهو لا يعرف كيف يتجاوز الحدود دون أن يمر بمخيمات اللجوء التي ستخلي جعبته من كل الهدايا ولكي يكون عادلاً عليه أن يمر على مخيمات الشتات ولاشك سيكون عليه أن يتشظّى لأكثر من بابا نويل واحد ليتمكن من الوصول.
وإن نزل مع طائر الفينيق ليصل قلب البلاد فكيف سيتنقل ليصل الأطفال؟
وهل سترافقه كتيبة من الثوار لحمايته من قصف النظام ليعلن أنه مسيحي قتله الأصوليون أم هل ستهربه كتيبة من الجيش الحر لئلا تغتاله تنظيم الدولة الإسلامية؟
وفي الضفة الأخرى هناك أطفال في المناطق التي ترزح تحت النظام -هم أطفال كذلك- هل سيسمح له النظام بالتنقل فيها ويؤمن له الحماية من العصابات المسلحة أم يدبر له مكيدة لينجح في التسويق لوصم الثورة بالتكفير والأصولية؟
أما قبعات الضمير العالمي الزرقاء فلن تحثها هدايا الأطفال في الوقت الذي صمت ضميرها عن موتهم بهدوء بالكيماوي الذي كان طلقة الرحمة مقارنة بالموت البطيء بالجوع والعطش إزاء انقراض القطط في الشام انقراض الضمير الإنساني أجمع أمام هذا الوجع.
بابا نويل وأحلام خيمة واحدة:
من السهل أن نسأل شيخاً واعياً للمعضلة فلا نُهيّج حلمه وشكواه. وبجولة صغيرة أو خطوات قليلة في مخيمات اللجوء تبدأ الحكاية وتسدل أستار نهايتها، نجد في حديث الأب غصة: «كنا في بلادنا نشتري لباس بابا نويل نلبسه لأحد الأصدقاء، ونشتري ألعاباً ليأتي ويقدمها لأطفالنا هدايا، أما هذه السنة فلا قدرة لدينا لشراء قبعة شتوية لأطفالنا فصرنا نكذب عليهم ونؤملهم بالبعيد الذي ربما لن يأتي».
مُوجع أن تشعر بالقهر في عيون الآباء وهم يكذبون على أطفالهم ليصبروهم، فتُختَرع حكايا وأساطير لضبطهم وتصبيرهم.
شاهد أغلبنا صورة الطفل الذي يقول وهو يحتضر: «سأخبر الله بكل شيء» ثم مات. هي كلمات جملة لها وقع حجر يسقط في مياه أرواحنا الراكدة. هذه الجملة نشعر أن لا جملة بعدها وتنحني أمامها براعة الإنشاء والشعر والمعنى وتصلح أن تكون خاتمة أي مقال فهي تحقق ما يشبه الصفعة.
لنستشعر أنه علينا أن نسمع للأطفال أو نستنطقهم دون أن نكدر خواطرهم بذكرى
وكم يبدو الحديث موجعاً عندما نسمعه من أطفال مُبللين بالمطر يرتديهم البرد في خيمة انتظار الطعام في أحد مخيمات النزوح ليحكوا لنا أحلامهم، الأحلام التي تقزمت كثيراً وبدت متقشفة رغم أن الأطفال يتساوون في العائلات الفقيرة والغنية بأحلامهم وشطحاتهم وخيالهم فأي حياة أوصلتهم للتقشف حتى بأحلامهم وهم مازالوا صغاراً.
تقول طفلة: «أخاف من بابا نويل لأنه يأتي في الشتاء ومعه الثلج الذي جمد طفلاً لم يُغطِّ رأسه بالبطانية ويحضن أخوته كما قالت لي أمي».
تقول ابنة جريح: «أريد من بابا نويل أن يفتح دكاناً قريباً ويبيعنا بالليرة السورية لأن ليراتي السورية الخمس لا تجلب شيئاً بالعملة التركية لأشتري كرسياً متحركاً لأبي المُقعد».
يقول طفل: «أريد دباً صغيراً مثل الدبّ الذي قصفه الطيران في بيتنا هناك». وتقول أخرى: «أريد محفظة مدرسية وأقلاماً لأرسم عصافيراً وأشجاراً وأن يذهب بابا نويل لبيتنا الذي هربنا منه في سورية ويأخذ ثيابي ليُعطيها إلى الفقراء الذين لم يتمكنوا من اللحاق بنا».
وتقول صغيرة ترتجف شفاهها من البرد: «أريد بطانيات ولباساً حلواً زهريّ اللون، وحذاءً صغيراً ودافئاً».1أمام هذا العبء الثقيل، قد نجد بابا نويل ينصب خيمة على مدخل جنيف وينتظر رعاة «السلام» ليعطوه خطة الطريق لإسعاد أطفال سورية ويُحملوه بعض الهدايا.
سيفعل ذلك عندما يسمع قول الطفلة الأخيرة المنزوية في خيمتنا اللا زاوية لها
«أريد من بابا نويل إذا جاء أن يعيد لي أبي الشهيد من الجنة في السماء أو يأخذني إليه لأمسح عن جبينه الدم ثم أعود لحضن أمي الوحيدة».
أو ربما يطل علينا بابا نويل بتصريح انشقاق عن الضمير الإنساني المثقوب، أو بيان مصور يرميه على باب إحدى الفضائيات يُقدم فيه اعتذاره عن القدوم هذا العقد لأنه أراد أن يقدم لأطفال سورية ولو لمسة على شعر طفلة، أو ربتة على كتف ابن شهيد، لكنهم إذ تحولوا إلى أرقام ما عاد يستطيع التعامل مع البشر والأطفال كمجرد أرقام في شاشة الأخبار.
و ما أفسده الدهر لا يصلحه البابا ..العطار.

 

حنطة28 حنطة29

برومو الشهيد ناجي الجرف