جرن حنطة

أصابع الفتنة

جلال عز الدين

قدر الثورة السورية أن تتتابع الفتن عليها كأمواج البحر المتلاطم، فلا يكفيها الدعم اللامحدود لنظام الأسد وشحّ الدعم وتراجعه للثوار السوريين، في وقت تتقدم فيه القوى المتشددة لتشكل عبئاً إضافياً على الثورة، ولا سيما بعد سيطرتها على مفاصل القوة الاقتصادية (النفط) وندرة مناطق تماس هذه القوى المتشددة مع النظام السوري.
غير أنَّ كل تلك المخاطر بكفة وخطر الفتنة بين القوى الثورية على الأرض بكفة، فأصابع الفتنة لا تدخر جهداً بإشعال النار بين هذه القوى، ويمكن إرجاع أصابع الفتنة إلى عدة جهات، فالقوى الخارجية (الدولية أو الإقليمية) تريد أنْ تكون المعارضة السورية المسلحة على مقاسها ووفق هواها لا وفق ما يرتضيه الشعب السوري، فقسموا المعارضة السورية إلى متطرفة، ومتشددة ومعتدلة وعلمانية وليبرالية و…، ومشكلة القوى الخارجية ليس في تقسيمها إنما دعمها لمشاريعها ومصالحها دون دعم الثورة السورية فانحرفت البوصلة ليستفيد من هذا الانحراف القوى المتطرفة (تنظيم الدولة)، فبعض القوى الخارجية قدمت دعماً لقوى معينة دون سواها، مما فُسر على أنَّ المُراد من هذا الدعم سحق القوى الإسلامية على الأرض، فقامت هذه الفصائل –بما تعتقده- قطع الطريق على المشروع الأمريكي الغربي.
أما الجهة الثانية فتتمثل بالنظام السوري الذي استطاعت أجهزته الأمنية المخابراتية زرع قادة وخلايا نائمة في صفوف الثوار، وقد وصل بعضهم لمناصب رفيعة أدت لاشتغال الثوار ببعضهم بعضاً وتخوين كل فصيل للآخر، وقسم كبير من المصالحات (الهدن) والانسحابات قامت بها هذه الشخصيات، وبرزت هذه الفتن بشكل واضح في الريف الدمشقي.
أما الجهة الثالثة فتتمثل في تنظيم الدولة، فلهذا التنظيم خلاياه النائمة في صفوف الثوار ولا سيما الكتائب الإسلامية، ويسعى التنظيم بشكل دائم لسحب القوى الإسلامية إلى صفه، وقد تمكن فعلاً من سحب بعض الفصائل إلى صفه، ولكن الخطر الأكبر يتمثل بعمليات الاغتيال، وزرع الفتنة بين الفصائل، فهذه الخلايا التابعة للتنظيم تعمل على تقسيم القوى لعلمانية كافرة موالية للغرب ومسلمة، وللأسف يلقى هذا الخطاب التحريضي بعض الآذان.
أما الجهة الرابعة فتتمثل بـ (الأنا) فامتداد عمر الثورة أدى لتضخم الأنا عند بعض القادة حتى ظنوا أنفسهم بديلاً شرعياً لقيادة البلد فبدؤوا يتصرفون وينظرون للآخر على أنه مارق يجب أن يخضع لطاعته، ومما يزيد الطين بلة انحراف هؤلاء عن مسار الثورة، وتحولهم لأمراء حرب هدفهم جمع الثروة لا حرب نظام الأسد.
ومن يتتبع الفتن الحاصلة على الأرض لا يجدها تخرج عن هذه الجهات إلاّ فيما ندر، وهناك خلط بين تطهير الثورة من الفاسدين وبين الفتنة فالأول محمود والثاني مذموم.
واستطاعت حكمة القيادات الثورية –حتى الآن- تحجيم ومحو كثير من الفتن، وخاصة الفتنة الأخيرة بين جبهة النصرة وحركة حزم، ولكنّ السؤال الذي يطرحه الشارع الثوري متى تستقر البوصلة، وينتهي مسلسل الفتن الذي أسهم في تأخير النصر، فعلى الثورة أن تتجاوز الحلول الآنية المرقعة وتبحث عن حل دائم يقطع الفتنة قبل وأثناء حدوثها، ويستطيع تلافي آثارها السلبية إن حدثت، فعلى الجميع أن يعي أنه مستهدف من الأصابع الأربعة، والبناء يجب أن يكون على الأفعال لا على النوايا، كما لا ينبغي تحميل خطأ عنصر للفصيل كما حدث مع النصرة وأحرار الشام، كما أنّ تشكيل مرجعية عليا (مجلس حكماء) لفض النزاعات من كل الفصائل خطوة في الاتجاه الصحيح، كما يجب وضع ميثاق شرف يُسحب فيه الغطاء عن كل عنصر أوفصيل ينحرف عن الحق، فعندها سيجد كثير من دعاة الفتنة أنفسهم محاصرين.
والخطوة الأخيرة تتمثل بالحكمة في معالجة ليس الخطأ فحسب بل الخيانة إن وجدت، فإذا ترتب على إزالة المنكر منكر أكبر بقينا على الأول ريثما تسنح الفرصة بتطهير البلاد من شرور هؤلاء، فقد يعزف هؤلاء على وتر المناطقية أو العشائرية أو العائلة أو…، فحيل الشر كثيرة.

حنطة30

برومو الشهيد ناجي الجرف