جرن حنطة

مالم تفعله أوربا

فاروق حجّي مصطفى

لا يكفي القول بأنّ أوربا ودّعت زمن الحروب وأنّ أرضها لم تعد تطؤها أقدام العسكر المحاربين، الذين يفكرون كيف يوقعون إخوتهم من بلد أوربيٍّ آخر بمصيبةٍ حتى يستغلّوها، وأنّ أوربا عاشت لقرن أو أكثر(ربما) بدون حروب داخلية، وأنّ ثمّة توازنٌ في (الحقوق والواجبات) يسود بين المجتمع والسلطات، باستثناء بعض الحقوق التي تُعتبر من الكماليّات (أو فانتازيا حقوقيّة إنْ جاز التعبير) كحقوق قانون المثليّة، ما لم تقم أوربا بالتفكير بأبعد من أنفها، والتحرّر من «فوبيا الإسلام» ومن النرجسيّة المبالغ فيها حتى.
منذ ثورة فرنسا وعصر التنوير، وقع الأوربيون في خطأٍ قاتل، حينما نظروا إلى القارات الأخرى نظرة دونيّة توحي بأنّهم هم الأصل وأنّ البقيّة هم الفروع، وعندما رأت على أنّ عليها أنْ تنتج فقط وعلى الآخرين استهلاك ما تنتجه أوربا، دون أنْ تكلّف نفسها حتى بالتفكير بوسائل النّقل و متطلّبات السّوق، حسب قانون العرض والطلب.
في أوربا أناسٌ كسالى، بل غارقون في شيخوخة الكسل (على حدّ تعبير أحد الأشخاص البسطاء من إحدى المدن التركيّة)، فهي تنتج وتعرض دون التفكير بكيف ومن سيستهلك تلك النتاجات، فلولا مترجمي الشّرق لعجز أبناء الشرق عن قراءة مفكري التنوير بدءاً من فولتير وإنتهاءاً بأصغر التنويريين الأوربيّين.
أوربا في حروبها الطويلة بين الكنيسة والدّولة، وانتصار فكرة الدّولة على فكرة الكنيسة، مع أنّ السيّد المسيح سهّل لهم الطريق، عندما أطلق فكرة «الدّين لله والوطن للجميع»، حيث تجدر الإشارة إلى أنّ كاتب السطور استغرب عندما رأى بأنّ المقولة الأخيرة تعود للسيد المسيح، بيد أنّ الأوربيين عجزوا عن نقل ميراث تحررّهم وعرضه بطريقة تليق بثوراتهم إلى القارات الأخرى ولا سيما قارة آسيا، وأنّ مجمل المعاهد الثقافيّة الأوربيّة في بلاد الشرق وكل الدّول الآسيويّة لم تساهمْ قيد أنملة في تغيير ذهنيّة المتلقي العربي أو المسلم، فقد سخّر مدراء المعاهد جلّ أوقاتهم لتقليد سفراء بلدانهم متناسين أنّ للسفير مهمّة تختلف عن مهمّة مدير معهد ثقافيّ، فمدير معهد غوته(على سبيل المثال لا الحصر) يفرح كثيراً عندما يتقدم أحد لتسجيل اسمه من أجل تعلّم اللّغة الألمانيّة، فبرأيه من يتعلّم اللغة الألمانية كمن تعلّم كل ما أنتجته فرانكورفوت، ومدير المعهد الفرنسيّ في دمشق يبتهج عندما يتقدّم أحد السّوريين بطلب في «غاليريا المعهد» لعرض لوحة من عروضه المسرحيّة.
لدى العرب مقولةٌ تقول «ما هكذا تورد الإبل» ومعناها أنّ ترويض الإبل وتعليمه لايكون بهذه الطريقة، وأنّ بالإمكان إحالة هذه المقولة لغالبيّة الموظفين الغربيين في مناطقنا، فمن الأجدى لكل مسؤول يحمل فكر التنوير أو الديمقراطيّة ومبعوث من قبل دولهم، أنْ لا تنحصر مهمته في متابعة مصلحة دولته فحسب، فهذا من شأن السفير وملحقاته العسكريّة وغير ذلك، أمّا هو عليه أولاً وأخيراً أنْ يكون بمثابة منبع لفكر التنوير وباحثاً عن وسائل وطرق لنقل ما أنتجه العقل الغربي إلى هذه البلدان، بهدف التنوير لا بهدف أنْ يكون «عميلاً»، لكن ما لا يدركه أبناء أوربا أنّ مسؤولي دولهم وحاملي ثقافتهم انحرفوا عن المسار الحقيقي واتخذوا مساراً مختلفاً، وما يشاهدونه من «إرهاب» هو نتيجة طبيعيّة لفشل المسؤولين الغربيين للقيام بمسؤوليتهم في نقل المعرفة والفكر الحر والحداثة الأوربيّة بوسيلة سلسلة، بحيث تكون مقبولة من قبل أبناء المشرق!
ولا نستغرب أنّ ماعاشته فرنسا قبل أيام، دفعتنا لنكون صادقين مع أنفسنا، فكلنا أصبحنا «شارلي إيبدو» وعشنا ماعانوه من الإرهاب، كما أنّ الحادثة تضع سائر أوربا أمام استحقاق هام، ولعلّ ملاحقة الإرهاب في عقر داره أو في أوربا بوسائل عسكريّة لا يكفي فحسب، بل يجب بناء جسر حقيقي وموضوعي بين الدّول الأوربيّة (والغربيّة بالعموم) وبين المتمدنين الشرقيين ودعم المؤسسات المدنيّة، التي تقوم بنشر الوعي الحر والناضج في هذه البلدان، شرط أنْ لا ينقاد هذا الدّور من المتعصبين أو أصحاب العقائد البالية مثلما حصل مع بريطانيّة وأيضاً فرنسا في أواسط القرن الماضي أي ترك دول كسورية والعراق وفلسطين ولبنان وغيرها لمجرّد تعرّضها لمقاومة من قبل شعوب تلك الدّول، وليس هنا مكمن الخطأ فحسب، إنّما الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه فرنسا وبريطانيا، عندما تركتا هذه الدول مع مشاكلها دون تقديم وصايا لعصبة الأمم المتحدة عن كيفيّة الاستمرار بالإعمار وحل مشاكل شعوب هذه الدّول، ولستُ مخطئاً إنْ قلت أنّ كل مشاكل الشرق الحاليّة سببها تركة الاستعمار إلى درجة بتنا نكره مفردة «الاستعمار» مع أنّ الفكرة أتت من أنّ شعوب الدّول الشرقيّة لم تكن قد تأهلّت بعد للقيام بوظيفة الدّولة، فشعرت عصبة الأمم بمسؤوليتها تجاه هذه الشعوب وكلّفت دّول أوربية عدّة للقيام بوظيفة «الاستعمار»، لكنْ، ما توضّح لشعوب الشرق ليس هذا، إنّما توضّح لهم أنّها كانت تعيش في خيرات ما أثار طمع الدول الأوربيّة وأنّها أتت لتحقق أطماعها لا لتقف إلى جانبها وتبني دول، وفي النهاية لمْ تتمكن شعوب تلك الدّول من أنْ تستثمر خيراتها لصالحها، كما فشلت في بناء دولها، كما لم تتمكّن أوربا منْ أنْ تريح بالها منذ ذلك الوقت الذي تركت خلفها تلك الدّول بمشاكلها وخرائطها، التي مزّقت أجساد الشعوب، ولا سيما المضطهد منها، فبقي هناك الغادر والمغدور به وفوق هذا وذاك عجزتْ أوربا عن تعليم الشعوب من تجربتها التحرريّة، خاصّةً كيفية التعامل مع الدّين أو كيف يكون فصل الدين عن الدّولة على أساس أنّ الدولة لها استقلاليتها عن المؤسسات الدينية وأنّ الدين هولأجل عقائد الناس في حالات ما دون الدّول، وأنّ الدّولة لا تمحي الدّين، إنّما تحييه، لكنْ، ليس في مفاصلها ومؤسساتها، بل في المجتمع، ولعلّ السّبب يعود إلى أنّ الدّين لا يصلح أنْ يكون قانوناً للدولة، بل قد يصلح أدباُ مجتمعيّاً وصلة وصل بين النّاس والله!؟

حنطة31

برومو الشهيد ناجي الجرف