جرن حنطة

الوديعة

نزار الأحمد

في الكوارث الطبيعية غالباً ما تَعمد الدّول المنكوبة إلى إعلان حالة طوارئ وتضع الخطط الإنقاذية لأي منطقة جغرافية مستهدفة تتضمن الإقامة المؤقتة، والغذاء، والطبابة، والتأهيل النفسي والإجتماعي لتجاوز آثار الكارثة التي حدثت، هذا طبعاً حسب قدرات الدولة المالية والتنظيمية من فرق إنقاذ مدربة وكوادر عمل في شتى الإختصاصات.
في حالتنا السورية، والتي نشأ منها شباب سوري ثائر وواعي جداً للمخاطر التي تضرب ثورته من كل الجهات، وقام بتنظيم نفسه في فرق متعددة تعمل في مخيمات الشتات وفي الداخل بإمكانيات فقيرة ولا تغطّي كل الإحتياجات لأن الرقم الإستيعابي فوق قدرتها وطاقتها التمويلية ومع ذلك لازالت تواصل العمل بذات الرّوح والنَفَس العاليين، ربما كمراقبين أو متابعين من خارج عمل هذه الفرق نأمل بما هو أفضل وقد ترقى حالة الأمل هذه إلى حد الإتهام والتشكيك «أسوة باللّازمة السورية» التي ترافق أي عمل مدني أو سياسي أوعسكري للثورة، ولكن ثمّة جانبين مهمّين يحتاجان إلى جهود أكبر وعمل مركز لما يحتويانه من مخاطر كامنة ربما لا تظهر للعيان الآن ولكنهما على المدى المتوسط أو البعيد قد يكونان عائقاً حقيقياً في مسيرة الخلاص السوري من طغمة النظام المجرمة الحاكمة ومن مرفقاته الأصولية والتكفيرية التي تقتسم الديموغرافيا السورية، هذين الجانبين هما التعليم والتأهيل الاجتماعي بالنسبة للتعليم وقد لا يكونُ خفيّاً بأن جماعة الاخوان المسلمين السورية هي التي تهيمن على العملية التعليمية في تركيا والتي يدور حولها شبهات أيديولوجية عاينتُ شخصياً بعضاً منها من خلال تجربة تعليمية قصيرة في إحدى المدارس التابعة لهم في اسطنبول، إذ يتم تلقين مواد دينية قد تكون غير مناسبة لهذه الفئة العمرية إضافةً إلى سياسة الفصل بين الذكور والإناث في الصفوف، وأحياناً يتم إلزام التلاميذ الإناث ارتداء الحجاب، هذا بالإضافة إلى إلزام المدرسات باللباس الشرعي الكامل «حجاب ومانطو طويل» والذي هو من شروط قبول أي مُدرّسة في السلك التعليمي. وقد يوافقني أخصائيي التربية النفسية من أن سياسة الفصل بين الجنسين في المدارس يمكنها أن تكون عائقاً خطيراً على النمو النفسي للطفل وقدراته ومواهبه وذلك من خلال إشغاله بحُرمة الاختلاط مع الجنس الآخر، وتضييق الأفق عليه بالحدود الدينية إذا فكّر أن يرسم فراشة، أو يُغنّي، أو يداعب طفلة صديقة إسوة بالأطفال الطبيعيين في بقية الشعوب والثقافات.
هذه التنشئة الممنهجة كما كان يحدث في «طلائع البعث» لن تقود برأيي إلى جيل سليم معافى من الأيديولوجية المبكرة التي يمكنها أن تخلق مستقبلاً جيلاً جاهزاً للقتال في سبيل مشروع أية جماعة أو أي فصيل. وهذا الاستلاب التعليمي ليس الظاهرة الوحيدة هنا في تركيا، ففي المناطق السورية الخاضعة لسيطرة الأصولية والتكفيرية، تم إنشاء مدارس دعوية تُلقّن الأطفال مواد دينية أشد تطرفاً وإنغلاقاً في غالبها تحضُّ على الحقد والكراهية، كما يفعل تنظيم الدولة الإسلامية الذي أنشأ مدارس جهادية تُعلم الأطفال على حمل السلاح ومقاتلة الكفار، والذين «أي الكفار» هم أي فرد أو جماعة لا تبايع التنظيم وتخرج على تعاليمه. وكذلك في الغوطة الشرقية لدمشق حيث يشرف جيش الإسلام بقيادة «زهران علوش» على المدارس في المناطق الخاضعة لسيطرته، وإن كان بشكل أقل تطرفاً،ولكنه في النهاية استلاب ممنهج أيضاً للجيل أسوة ببقية الفرقاء. الذي أود قوله نهاية في هذا الجانب، أن أي أمة مرت بحالة حرب داخلية مدمرة كالتي تحدث في سورية كانت تتجه مباشرة إلى الجيل وتركّز جهودها على التعليم والتنشئة الصحيّة «تربوياً وتعليمياً» لعلمها بأن الجيل الذي شهد الحرب صغيراً سيكون هو الرافع الوحيد للنهوض المرتجى من هذا الخراب البنيوي الذي يضرب الجميع دون استثناء في أية حرب تشهدها أي أمة.
بالنسبة للتأهيل الإجتماعي، وبما أن السوريين الذين يلتحفون الخيام في الشتات المحيط بسورية هم بمئات الآلاف، ناهيك عن الملايين التي تشردت في الداخل، فهذا الخزان البشري الهائل والذي سيكون العماد الطبيعي لأي فترة إنتقالية «مُتَخَيّلة» لازال مكشوفاً أمام الإرهاصات الخطيرة للتشرد واللجوء، وربما يكون عرضة أيضاً للأصولية المقنَّعة التي يمكن أن تَنْفَذ إليه بشتى الطرق وبسهولة. خاصةً ما يتم تناقله من روايات عن الطرق المافيوية لإدارة المخيمات السورية في تركيا من حيث احتكار التوزيع الإغاثي وشبكة علاقات مشبوهة داخل المخيمات وكأنك أمام عالم سفلي سريّ مرعب. وأيضاً ما يتم تداوله من عمليات تحرش أو ابتزاز جنسي لقاء حصة تموينية أو سلة إغاثية وغياب التوعية الاجتماعية وورشات التأهيل النفسي، إلى ماهنالك من ضرورات ملحة لهؤلاء بالتوازي مع الغذاء والأدوية.
لاأعرف حقيقة إن كان المحورين اللذين تحدثت بهما يشكلان أهمية استراتيجية بالنسبة لمآلات الثورة السورية، ولكنني شخصياً أراهما العصب الوحيد المتبقي لإنقاذ الثورة السورية من محاولات تصفيتها وتحديداً جانب التعليم والتنشئة.
أطفال سورية هم وديعة دماء الشهداء لنا، وأرجو أن نُحسن جميعاً حماية هذه الوديعة من مخاطر الحرب وويلاتها.

حنطة32

برومو الشهيد ناجي الجرف