جرن حنطة

استعراض كتاب العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية

عرض شاهين يلماز

يعتبر داوود أوغلو في تقديمه للكتاب الذي صدرت طبعته الأولى باللغة التركية عام 2001، أنّ العملية الأهم بالنسبة لتركيا هي تحديد الوضع الاسترتيجي لتركيا بعد انتهاء مرحلة الحرب الباردة، لأن تركيا تعيش أهم تحولاتها التاريخية ضمن محيط ديناميكي متبدل بشكل كبير. ودراسة حالة مُستقرة ضمن محيط ثابت لا يحتاج تحديد وضعها الاستراتيجي سوى لعملية تفكير بسيطة. بينما تمر تركيا في فترة تحولات وأزمات مختلفة لذا يلزمها مجموعة من أُطر التحليل الاستراتيجي لصياغة تفسيرات وتحليلات استراتيجية دائمة ومستمرة تُقدم لها في المستقبل مجموعة من البدائل لوجهات النظر المختلفة.
هذه الأطر تعتمد على خمسة أبعاد رئيسة يمكن لمجال العلاقات الدولية الأخذ بها على اعتباره جزءاً من الأبحاث الاجتماعية، هذه الأبعاد هي: الوصف، والتوضيح، والفهم، والتفسير، والتوجيه.
يمضي داوود أوغلو بضع صفحات (من الصفحة17 وحتى الصفحة23) في تبيان هذه المفاهيم الخمسة، فالوصف (Description) يعتمد على رسم صورة لموضوع البحث حسب الشكل الذي شوهد فيه، أما الهدف الأساسي لبُعد التوضيح (Explanation) فهو استخراج الديناميكيات التي تبدو من خلال عملية مُعاشة، أو ظاهرة ملاحظة في إطار العلاقات السببية للحدث (السبب- النتيجة). أما الفهم (Understanding) الذي يُعطي عُمقاً لبعد التوضيح، فإنه يستلزم استيعاب الظواهر في إطار عملية منطقية. والفهم هو إمكانية الانتقال من الظاهرة إلى العملية الذهنية، ومن العملية الذهنية إلى الظاهرة ومن هذه الإمكانية يكتسب بُعد الفهم القوة ويُعبّر عن رؤية متعمقة للموضوع محل البحث. أما التفسير (Interpretation) فيعني امتلاك موقف يُكسب هذه الرؤية اتجاهاً مُعيناً. وأخيراً التوجيه (Direction) الذي يُعنى باستخراج النتائج من إطار التفسير. ويقول أوغلو بأن العلاقة بين موضوعية «الوصف» التوضيحي، وبين ذاتية «التفسير» المُوجّه تُشكّل أهم نقاط ضعف التحليلات الاستراتيجيةالعسكرية. وفي الوقت نفسه، تبقى الأعمال التي لا تستطيع تجاوز مشكلة الموضوعية – الذاتية في مستوى «الوصف»، وتفقد قدرتها على التعميم وعلى إثبات موضوعيتها في مستوى «التوجيه».
بعد أن يوضّح أدواته في التحليل الاستراتيجي، يقوم أوغلو بتقسيم كتابه إلى ثلاثة أجزاء ومُلحق.
في الجزء الأول المُعنون بـ (الإطار المفاهيمي والتاريخي) والممتد من الصفحة 33 حتى الصفحة 120، هناك ثلاثة فصول. يشرح لنا في الفصل الأول مقاييس القوة والتخطيط الاستراتيجي، محاولاً تطوير تعريفات مختلفة لتحديد ثقل الدولة وقوتها النسبية في مجال العلاقات الدولية (الصفحة 35) فيرى أن القوة (ق) تتكون من معطيات ثابتة (م.ث) ومعطيات متغيرة (م.ت).
معطيات القوة الثابتة هي التاريخ (ت)، والجغرافيا (ج)، وعدد السكان (ع)، والثقافة (ف). أما المعطيات المتغيرة فهي القدرة الاقتصادية (ق.ت)، والقدرة التكنولوجية (ق.ك)، والقدرة العسكرية (ق.ع). ويربط كل هذه المعطيات والعوامل بمعادلة رياضية:
ق= م.ث + م.ت) × (ذ.س ×خ.س×ر.س)
يُعبر (ذ.س) عن الذهنية الاستراتيجية، و(خ.س) عن التخطيط الاستراتيجي، و(ر.س) عن الإرادة السياسية في هذه المعادلة.
أما الفصل الثاني فعرض فيه قصور النظرية الاستراتيجية والنتائج المترتبة عليها وهنا يعيد المؤلف تحليل عناصر القوة التركية من جديد، مُلقياً باللوم على الحكومات الائتلافية – الكمالية السابقة التي لم تستطع أن تُشكّل تكاملاً استراتيجياً لخطواتها التكتيكية التي تراوحت بين مناورات سياسية متغيرة قصيرة المدى وبين فهم بيروقراطي غير مجازف للسياسة الخارجية (ص 67) التي عاشت على نغمة «أنا في طريق طويل وضيّق» للوصول إلى الاتحاد الأوروبي. معتقداً أنّ السبب الرئيس لهذا التخبط ناتج عن عدم وجود رؤية متماسكة لتحليل الجغرافية التركية. وعن الأسباب العديدة المؤدية إلى الضعف الشديد في البنى المؤسسية، مثل الأسباب الناتجة عن تراكم التجارب التاريخية (ص 75). ومن أوضح الأمثلة على ذلك برأيه هو توقف السياسة الخارجية العثمانية التركية عن تنقيذ الاستراتيجية الامبراطورية الاستعمارية.
أما الفصل الثالث فخصصه داوود أوغلو للإرث التاريخي ومكانة تركيا في الساحة الدولية. معتبراً أن تركيا تمتلك خصائص فريدة على المسنوى الاقليمي وغير الاقليمي. فتركيا ليست كأي دولةٍ قوميةٍ ظهرت على الساحة من خلال تطورات الأوضاع السياسية، بل هي نتاج لحضارة حاكمة شكلتها منظومة عالمية وميراث وأنظمة تاريخية استمرت قروناً عديدة (ص 88 ). مركزاً على التأكيد بأن الدولة العثمانية، التي تُعتبر مصدراً للميراث التاريخي التركي، كانت البنية السياسية الوحيدة في المنطقة، والتي شكلت حاكمية سياسية في مقابل أوروبا.
ويتابع أحمد أوغلو مستعرضاً ما نجم عن اتفاقية وستفاليا عام 1648 من نظام للعلاقات الدولية شكّل أسس النظام الدولي الحالي، وكان يستند إلى أُسس مختلفة عن الأسس التي اعتمد عليها النظام العثماني مُتعدد القوميات ويحكم أجزاء كبيرة من أوروبا الشرقية، وبذلك أصبحت الدولة العثمانية في مجابهة مع هذا الحوض الحضاري المُختلف. وأضحت الامبراطورية العثمانية في موضع الدفاع عن نفسها بعد أن خسرت بعضاً من أراضيها لأول مرة في تاريخها. ثم أتت اتفاقية «كوتشوك قاينارجه»
عام 1774 وحرب، Küçük Kaynarca
ما بين 1853- 1856. وتُعتبر الامتيازات التي حصل عليها الأرثوذوكس الذين كانوا تحت الحماية العثمانية أولى المؤشرات على اعتبار الوحدة الداخلية للدولة مقياساً هاماً لوضعها على المستوى الدولي، إذ انسلخ الأرمن والأقليات غير المسلمة تباعاً عن الدولة العثمانية نتيجة لشرط الحماية الذي تم وضعه في اتفاقية
.كوتشوك قاينارجه Küçük Kaynarca
الجزء الثاني ( ص 121- 245) فقد عرض فيه الإطار النظري، وهو الاستراتيجية المرحلية والسياسات المرتبطة بالمناطق الجغرافية، تناوله في أربعة فصول. في الأول منها تعرَّض للنظريات الجيوسياسية: تركيا بعد انتهاء فترة الحرب الباردة، مبيناً الدور الأساسي للجغرافيا في تشكيل الحضارات المختلفة وفي تشكيل الحضارة الإسلامية على وجه الخصوص، مستشهداً بقول فيرنالد بروديل صاحب كتاب «تاريخ الحضارات» : «إن الخرائط هي التي تروي القصة الحقيقية». إذ أن الجغرافيا هي حقيقة موضوعية، أما الخرائط فهي الشكل المادي الذي يُجسد هذه الحقيقة عن طريق فهم حضاري ذاتي (ص 121). وفي الفصل الثاني الذي خصصه للمناطق البرية القريبة.. البلقان والشرق الأوسط والقوقاز، وهي المناطق التي ترتبط مباشرةً بحدود تركيا البريّة، وتُعتبر تركيا جزءاً لا يُمكن فصله عن هذه المناطق، لا من حيث التراكم التاريخي ولا من حيث الموقع الجعرافي. في تطرقه للشرق الأوسط، وصفه أوغلو بأنه «الحديقة الخلفية Hinterland» التي لا غنى عنها لمصالح تركيا. ويُشكل الشرق الأوسط، والأناضول بشكل خاص، عقدة «فريغيا Frigya» التي يصعب حلها بالنسبة لأي دولة ترغب في السيطرة على العالم. وهذه الضرورة أطلقت هجرات قسرية وحروباً باردة وساخنة، وتطورات وتحولات عديدة (ص 157). وباستثناء القرن التاسع عشر الذي يحمل البصمة الأوروبية، والقرن العشرين الذي تعددت فيه المراكز، يمكن القول إن الشرق الأوسط كان يُشكّل مركزية عالمية على مرّ التاريخ. وبسبب كثافة الهجرات والحروب والعلاقات التجارية، شهدت هذه المنطقة مواجهات بين الثقافات المتعددة أحياناً، وتزاوجاً واندماجاً بينها في أحيان أُخرى.
في الفصل الثالث تناول الأحواض البحرية القريبة: البحر الأسود، وشرق المتوسط، والخليج، وبحر قزوين فيستعرض الدولة العثمانية التي امتلكت قوة بحرية مكنتها من الانفتاح على البحار المحيطة كالبحر الأحمر والمحيط الهندي وبحر قزوين، من خلال سيطرتها على بحر إيجه والبحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود. ويعتبر هذا من العوامل الأساسية التي حوّلت الدولة العثمانية من قوة إقليمية إلى دولة عالمية امتد نفوذها إلى ثلاث قارات، ويعتبر أن بداية انهيار الدولة العثمانية عندما قامت القوة الفرنسية والانجليزية والروسية المشتركة بتحطيم الأسطول البحري العثماني في نفارين سنة 1827 (ص 178)، وقد دخلت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى بنقاط ضعف ملموسة ناتجة عن عدم توفر الدعم البحري الكافي لعملياتها البرية.
الفصل الرابع عرض فيه المناطق القارِّية القريبة.. أوربا وشمال إفريقيا، وجنوب آسيا، ووسط وشرق آسيا. واعتبر أن محاولة تركيا التوفيق بين المقاييس الاستراتيجية الدولية الجامدة على مستوى القارات، وبين الديناميكيات والأزمات التي ظهرت على المستوى الاقليمي الأصغر ، أثرت على آليات اتخاذ القرار في السياسات الخارجية للقوى الإقليمية الأصغر، وأدت إلى افتعال أزمات إقليمية على المستوى الصغير نسبياً بسبب التزام الدول الاقليمية بالمعايير التي وضعها الأقطاب. أما بعد الحرب الباردة، فأمكن تقسيم الدول إلى ثلاث مجموعات تنسجم فيما بينها في بعض الأحيان، وتتناقض في أحيان أخرى. وهذه المجموعات هي:
1. القوى الكبرى، التي تسعى إلى امتلاك أوراق بديلة في الأوضاع الاقتصادية
والسياسية الدولية الجديدة.
2. القوى الإقليمية، التي اضطرت إلى إعادة تعريف وضعها في العلاقات الدولية الجديدة بعد تفكك البنية الجامدة للقطبين.
3.الدول التي ترغب في تجاوز أزمة الهوية التي تعاني منها في ثقافتها السياسية الداخلية، أو في علاقاتها الدولية في عملية تكاملها مع النظام العالمي (ص 211). ويعتقد أوغلو بأن القرن الواحد والعشرين سيكون مرشحاً لأن يكون قرناً أسيوياً في بدايته، وإفريقياً في نهايته. وإذا ما ظلت تركيا تُهمل قارة آسيا فستبقى تحاول انتزاع تنازلات من أجل العضوية في الاتحاد الأوروبي في ممرات بروكسل حتى نهاية القرن الحادي والعشرين. لا بد لتركيا من الاستمرار في علاقاتها مع أوروبا وأن لا تقطعها نظراً إلى مقتضيات الموقع الجغرافي الذي توجد فيه. لكن بقاء تركيا تابعة فقط لمقاييس أوروبا والأطلسي فحسب، وبعدها عن خط تشكيل مراكز القوى البديلة، لا ينسجم مع البنية الداخلية للاقتصاد السياسي الدولي وسير تطوّره (ص 244).
الجزء الثالث (ص 245- 587) تناول فيه أحمد داوود أوغلو مجالات التطبيق التي شملت الوسائل والاستراتيجيات والسياسات الإقليمية. وجاء في خمسة فصول، الأول منها تم تخصيصه للروابط الاستراتيجية لتركيا وأدوات سياستها الخارجية، إذ بدأت تركيا بعد الحرب الباردة بترداد مقولة «العالم التركي من الأدرياتيكي حتى سور الصين العظيم» وذلك اعتباراً من 1992، في تعبير عن تصور توسعي للعالم التركي. مما شكل توتراً على صعيد علاقات تركيا مع أوروبا وحصرها بمحور وحيد.
اعتقد أوغلو أن المسألة المهمة التي يجب أخذها بعين الاعتبار من أجل إعداد استراتيجية للقرن الواحد والعشرين هي تقييم السياسة الخارجية التركية في آخر عشر سنوات من القرن الماضي. معتبراً أن الشرط الأساسي الذي يجب أن تحققه تركيا حتى تلعب دور الجسر الاستراتيجي في العلاقات الدولية هو أن تتخلص من التناقضات الداخلية وتصبح مركزاً للتأثير المتبادل والتفاعل الثقافي بين الحضارات (ص 296).
في الفصل الثاني تم تناول البلقان والتحول الاستراتيجي الذي ظهر في سياسات تركيا تجاهها بسبب أن البلقان يضم خطوط فصل وتقابل جيوثقافي شديدة الحدة. وقد شهدت الفترة التي تسلم فيها ميلوسوفياتش قيادة الدولة الصربية ممارسات بربرية، متجاهلاً القوانين الدولية في ظل ظروف سياسية انتقالية.
وفي الفصل الثالث عرض فيه الشرق الأوسط كمفتاح للتوازنات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية. وبداية يقول أن الحدود السياسية تُمثل أحد المعطيات الثابتة في العلاقات الدولية وفي القانون الدولي، غير أن هذا المعطى يحول دون قدرتنا على رؤية مجالات ذات المدى الطويل في متغيرات ميزان القوى، فالعلماء الاستراتيجيون الذين عاشوا في الثمانينات والذين أسسوا دراساتهم على فرضية أن الحدود السياسية القائمة في عالم العلاقات الدولية الذي يتصورونه سوف تبقى إلى الأبد، عانوا العديد من الصعوبات عند محاولة إدراك العناصر الحقيقية المُحددة للمعايير الجديدة التي تولدت عن عملية تفتت الاتحاد السوفياتي ويوغسلافيا (ص 357). والحدود السياسية داخل الشرق الأوسط تُشبه جداراً مُخلخل البناء مُفكك اللبنات. وتُدرك القوى الدولية أن تحريك أية لبنة من لبنات ذلك الجدار المُخلخل يعني انهياره، وهي بطبيعة الحال لا ترغب في البقاء تحت حطام جدار متهدم، ولذلك فهي تسعى إلى تغيير ملامح الجدار دون هدمه. ولتحقيق هذا الهدف تعمل تحريك لبناته المختلفة في آن واحد، وهو ما يستتبع تنوع ألعابها الدبلوماسية، إذ يتحتم على هذه القوى المداومة على إعادة تقييم أوضاعها بالنسبة للقوى الأُخرى داخل وسط مرن.
في الصفحة 489 يعرض داوود أوغلوالعناصر الرئيسة للمقاربة الاستراتيجية اللازمة بما يلي:
1. تجاوز العوائق السيكيولوجية التي أثرت سلباً على الانفتاح الدبلوماسي نحو المنطقة.
2. إقامة أبنية مؤسسية، وتطوير الموجود منها، مثل المراكز البحثية والمعاهد الأكاديمية، لمتابعة التطورات الإقليمية عن كثب وتقييمها، وتوفير تصورات وسيناريوهات متعمقة.
3. إقامة علاقات سليمة بين التوازنات الدولية وبين السياسة الواقعية الإقليمية.
4. طرح مشروعات شاملة للمنطقة بأسرها
5. المبادرة بتشكيل مجالات المصالح المشتركة التي تُعزز السلم في المنطقة.
6. الحيلولة دون تشكيل تكتلات قومية مضادة، تُمثل ساحات مخاطر جيو سياسية وجيوثقافية ضد السلم في المنطقة.
7. الحد من إثارة ردود الأفعال من خلال
العلاقات الثنائية.
8. تبنب مقاربة عالية التأثير والفاعلية والمبادرة في المشكلات الإقليمية، وفي مقدمتها عملية السلام في الشرق الأوسط.
9. تكثيف الاتصالات والعلاقات الأفقية التي تُعزز من صورة تركيا في المنطقة.
وفي الفصل الرابع تناول سياسة آسيا الوسطى في ظل توازن القوى الأورو آسيوية، وفي الفصل الخامس ناقش الاتحاد الأوروبي من خلال تحليل لعلاقة متعددة الأبعاد والمستويات.
وعليه فإن تركيا ذات الهوية المركبة من هوية شرق أوسطية وبلقانية وآسيوية عليها أن تنهج سياسة خارجية تهدف إلى إرساء دعائم استقرار داخلي وإقليمي، لأنه بواسطتهما يتحقق الأمن القومي التركي، الأمر الذي يترتب عليه ضرورة أن توظف تركيا، أمثل التوظيف، موروثها التاريخي والجغرافي في سياستها الخارجية.
كتاب قيّم، يُنصح بقراءته.

حنطة33 حنطة34 حنطة35

برومو الشهيد ناجي الجرف